أسطورة المؤامرة العالمية: درس ألماني للمصريين

في نهاية عشر سنوات من العمل مراسلة لصحيفة “تاج شبيجل” في القاهرة، سألتني الصحفية الألمانية جوليا جيرلاخ: ما سر ولع المصريين بنظرية المؤامرة؟ فأي شيء لا يسير وفق رغباتكم هو مؤامرة من الغرب وإسرائيل عليكم، وكأنكم فعلتم كل ما هو صحيح، وكأن نظم الحكم لديكم أفضل نظم الحكم في العالم الحاقد والمتفرغ لإسقاطكم؟

كانت إجابتي عليها بسؤال موازٍ، ولكن ليس مكابرًا: ولماذا آمنتم كألمان -إلا قليلًا- في فترة ما بين الحربين العالميتين، أن هزيمتكم في الحرب العالمية الأولى كانت بسبب مؤامرة عليكم أطلقتم عليها الوصف الشهير “طعنة في الظهر”، وحمّلتم اليهودية العالمية مسؤوليتها، وأتيتم بهتلر للثأر من الهزيمة والمتسببين فيها، وظللتم منقادين له حتى استسلمتم بلا قيد ولا شرط في نهاية الحرب العالمية الثانية، وعندها فقط أعدتم قراءة تاريخكم قراءة صحيحة؟

قالت جوليا: السؤال في محله، لكني لم أفكر فيه في سياق المقارنة بين نظرية المؤامرة عند الشعب الألماني، وعقيدة المؤامرة المنتشرة بقوة في مصر، والشرق الأوسط عمومًا، فتعال نبحث معًا عن الأسباب في الحالتين، وسيكون هذا ضمن فصل من كتابي عن ثورة يناير المصرية، التي يروج الآن أنها كانت مؤامرة أمريكية– إخوانية– قطرية لإسقاط الدولة المصرية، وها هي خلاصة المناقشة:

في الحالة الألمانية، كما في الحالة المصرية، متلازمة من عقدتين متناقضتين: الأولى اعتقاد راسخ بالتفوق واستحقاق السيادة، والثانية عقدة نقص بسبب الهزيمة في الحالة الألمانية، وبسبب الاحتلال الأجنبي والهزائم والتخلف والفقر في الحالة المصرية، فكيف يوفق العقل الجمعي بين هاتين العقدتين المتلازمتين والمتعارضتين كي لا يقع في أزمة ثقة في النفس، تؤدي إلى الفصام؟ وكيف تختلق القيادات، الحريصة على استمرار ترسيخ عقيدة التفوق والاستحقاق، مبررًا لإخفاقها في إنجاز وعودها، بل ولتسببها في مهانة الهزيمة، إن لم تخترع وتروّج أسبابًا غير موضوعية لهذا الإخفاق؟

في حالة ألمانيا، كانت هيئة أركان الجيش القيصري بقيادة الماريشالين هندبنيرج ولودندورف هي من أبلغت القيصر رسميًا أن ألمانيا انهزمت في الحرب العالمية الأولى، وعليها طلب الصلح، لكن لودندورف نفسه هو الذي أطلق بعد عام واحد من الهزيمة تعبير “الطعنة في الظهر”، ووافق عليه هندبنيرج بالصمت، ثم انخرط الأول في محاولات قلب جمهورية فايمار، التي خلفت النظام القيصري، لإنقاذ ألمانيا من أنقاض الهزيمة، ثم انخرط الجميع بعد ذلك في رعاية الحركة النازية القومية المتطرفة، وسار الألمان وراءهم كالقطيع.

لكن لماذا لقي هذا التفسير القبول الإجماعي من الشعب الألماني؟

لأن البيئة الثقافية والنفسية- اجتماعية الألمانية، كانت تربة خصبة لهذا النوع من الأوهام، فقد ثبّت العقل الألماني الجمعي التاريخ عند حقبة انتصارات “الرايخ البسماركي” على النمسا، والدانمارك، وفرنسا لتحقيق الوحدة الألمانية، واعتبر الألمان أن هذه الانتصارات المدوية في فترة عقدين فقط من الزمان ليست إلا إثباتًا لنظريات التفوق العرقي الألماني التي آمن بها، وروج لها فريق من المفكرين والأدباء والفنانين الألمان بدءًا من هيجل، حتى نيتشه، وفاجنر، وروزنبيرج، علمًا بأن أفكار هذا الفريق لم تكن في حقيقة أمرها إلا تعبيرًا مبالغًا فيه عن أزمة انقسام ألمانيا إلى أكثر من 300 دويلة وإمارة، معظمها إما خاضع لهيمنة النمسا، أو فرنسا، أو محتلًا من الدانمارك، ومن ثم عجزها عن تحقيق الوحدة القومية، وشعور الألمان بأنهم محاصرون بين قوى عظمى اكتملت وحدتها، وتمنع الألمان من التوحد: روسيا في الشرق، وفرنسا في الغرب، وبريطانيا عبر البحار، والنمسا في الجنوب.

كانت هناك بالطبع روافد تاريخية استمد منها ذلك الفريق من المفكرين الألمان زخمًا لعقيدة التفوق، فعادوا إلى فترة الغزوات الجرمانية للإمبراطورية الرومانية القديمة، وتذكروا إمبراطورية شارلمان في العصور الوسطى، وخلدوا ذكرى تأسيس أوتو الأول للإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي حاولت إحياء أمجاد الإمبراطورية الرومانية الأصلية، متناسين أو متجاهلين أن نهوضهم وسقوطهم هو من سنن التاريخ التي جرت وتجري عليهم، وعلى غيرهم من فراعنة وفرس وإغريق ورومان وهنود وصينيين.. إلخ، وكأنه لم يكن على وجه الأرض قوى وحضارات قبل أن يظهر الألمان أنفسهم، وكأنه لم يكن هناك أوروبيون آخرون مجاورون سبقوهم في الحرب والعلم والصناعة.

وبالطبع؛ فقد كان هناك سياسيون، وأصحاب مصالح يوظفون هذه الأوهام لتعبئة الشعب وراء سلطتهم أو مصالحهم، ولاستمرار احتكار السلطة بمنع القوى الأخرى غير المتعصبة قوميًا، مثل الاشتراكيين والليبراليين، من المنافسة عليها.

وإذن، فعندما ينهزم الجيش الألماني على كل الجبهات، لا بد من تفسير من اثنين لا ثالث لهما، الأول الصحيح ولكن المرفوض لا شعوريًا، وهو أن الألمان مثلهم مثل بقية البشر قد ينتصرون مرة أو مرتين، ولكنهم لن ينتصروا دائمًا، وإذا كان بينهم شجعان وعباقرة، فلدى الشعوب الأخرى شجعانها وعباقرتها، ثم يأتي التفسير الثاني “الوهمي” ولكن المقبول والمريح، وهو أنه لا عيب في عقيدة التفوق الألماني، ولكن العيب في الغدر والخيانة والطعن في الظهر من قبل الطابور الخامس في الداخل، ورعاته من أعداء الخارج.

وماذا عن مصر الآن؟

ألسنا أقدم أمة في التاريخ؟ ألم يكفنا بناة الأهرام الكلام عند التحدى؟ أليس منا تحتمس الثالث الذي أقام أول امبراطورية في التاريخ؟ وأليس أحد ملوكنا أول الموحدين بين البشر؟

أليس أصل كل العلوم والمخترعات فرعونيًا؟ وفي العصور الوسطى، ألم تكن مصر هي من هزمت الصليبيين، والتتار، وفرضت سيطرتها على الشام والحجاز، وكان أزهرها منارة العلم في الإقليم كله، وكانت هي حامية الحرمين الشريفين؟

وفي العصر الحديث، أين بدأت النهضة في الشرق الأوسط إن لم يكن في مصر؟ فنحن من وضعنا أول دستور، وأقمنا أول برلمان، وأصدرنا أول صحيفة، وأسسنا أول جامعة حديثة، وبدأنا المسرح والسينما، ونحن، المصريين، من أوفدنا العلماء والمعلمين والقراء إلى جميع أنحاء العالم العربي، واستقبلنا المناضلين من كل مكان، وأسهمنا في جميع حركات التحرر العربية والإفريقية؟

كل هذا صحيح بالطبع، ولكن التاريخ لا يعرف الثبات على حال، وإلا لبقيت الإمبراطوريات القديمة على حالها، ولما تنقلت الحضارة والقيادة العالمية من دولة إلى أخرى، بل من قارة إلى أخرى، حين يفقد المتفوقون أسباب تفوقهم، ويكتسبها آخرون.

لكننا في مصر، والشرق الأوسط عمومًا، لا نعترف بهذه القوانين التاريخية، ومن ثم لا نفسر بها سوء أوضاعنا، مع أننا نعترف بسوء هذه الأوضاع، فكيف نوفق بين إيماننا بتميزنا واستحقاقنا أفضل الأوضاع، وبين حالنا المزري؟

فهل هي مؤامرات الأعداء الذين يخشون مصر منذ أن قدم إليها نابليون؟ فالاحتلال البريطاني كان- بحسب هذا- مجرد مؤامرة، وانفصال سوريا عن دولة الوحدة مع مصر كان كذلك مجرد مؤامرة، وكذلك هزيمة 1967، وثورة يناير، بل إن ثورة يوليو 1952 لا تزال في رأي البعض مؤامرة أمريكية لتفادي الثورة الشعبية الحقيقية، والديموقراطية نفسها مؤامرة تخدع بها أمريكا الشعوب العربية، ومصر في المقدمة، لكي تستولي عليها، وبالطبع فإن إقامة إسرائيل هو أكبر مؤامرة في التاريخ على مصر والعرب.

ولكن في الحقيقة، فقد حدث الاحتلال البريطاني في عصر كان عصر الاستعمار في العالم كله، وتفسيره بسيط، كما شرحه المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في كلامه عن “القابلية للاستعمار”.

وهزيمة 1967 كان سببها الاختلال الفادح في موازين القوى الشاملة لمصلحة إسرائيل، اختلال في طريقة صنع القرار، وفي العلاقة بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، وفي درجة استيعاب التكنولوجيا، وفي نوعية الفرد المقاتل، وفي التحالفات الدولية، وعندما أمكن تصحيح بعض هذه الاختلالات تحقق لنا نصر أكتوبر.

أما انفصال سوريا عن مصر فقد نتج عن سوء الإدارة المصرية، واحتكار السلطة -وكأن المصريين غزوا الإقليم- وكانا هما السبب الرئيسي الذي جعل السوريين يستجيبون لدعاوى الانفصال، ولم تكن المؤامرات الخارجية سوى عامل مساعد.

وكانت كل دوافع ثورة يناير ملحة منذ 15 سنة على الأقل، بتعبير الرئيس السيسي نفسه، سلطة احتكارية، عاجزة وفاسدة، وتخطط لتوريث الابن.

وأين المؤامرة في قيام إسرائيل؟ لقد كانت كل الخطط معلنة منذ لقاء هرتسل بالسلطان العثماني عبد الحميد طالبًا منه إعطاء فلسطين لليهود، حتى صدور وعد بلفور، وإذاعته من قبل حكومة الثورة البلشفية الروسية، بعد انسحاب روسيا من الحرب الأولى، ثم قبول الأمير فيصل بن الشريف حسين به في مؤتمر “فرساي” باتفاق مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت الأراضي تُشترى، والمستوطنات تقام، والميليشيات تتكون أمام نظر الجميع، كما كانت الثورات الفلسطينية تنشب وتخمد، والعرب والمسلمون جميعًا يسمعون وينظرون.

ثم ألم تلتزم الجيوش العربية سرًا في حرب 1948 بالوقوف عند حدود قرار التقسيم الدولي لفلسطين؟

مرة أخرى، إنها “القابلية للاستعمار والهزيمة”، لأسباب داخلية موضوعية، مع أن المؤامرة، بمعنى توظيف الظروف الموضوعية من قبل قوى أجنبية لتحقيق مصالحها على حساب مصالح وحقوق “الضعفاء”، كانت وستظل موجودة دائمًا في التاريخ، وستعمل ضدنا وضد غيرنا.

إلى جانب هذا السبب الرئيسي في رسوخ الإيمان بالمؤامرة العالمية ضدنا، والمتمثل في البحث عن حيلة نفسية للتوفيق بين عقيدة التفوق الذاتي، وعقدة النقص الناتجة عن التخلف والهزائم، فهناك أسباب “ظرفية” عدة، منها شيوع الثقافة البعثية في المشرق العربي وانتقالها إلى مصر؛ فقد كانت لدى البعثيين حالة فصام دائمة مع الواقع، جعلتهم يرون وراء كل حجر متآمرًا، متناسين أو متجاهلين أن الموزاييك الطائفي والقبلي، متفاعلًا مع التدخلات الأجنبية، كان هو المحرك لصراعاتهم الداخلية التي أديرت دائمًا بأسلوب العصابات الإجرامية.

ومن هذه الأسباب “الظرفية” أيضًا تراث الشيوعيين المصريين الحافل بنظريات التآمر عليهم، والتآمر فيما بينهم، وكذلك تراث الإخوان المسلمين الذي لا يرى في أي اختلاف معهم سوى مؤامرة من أعداء الإسلام، من صليبيين وعملاء للصليبيين.. إلخ، تلك القائمة من الأعداء الحقيقيين والوهميين.

وهذا التراث في حالة “الإسلاميين” يمتد إلى عصر الفتنة الكبرى، في أواخر حكم الخليفة الراشد عثمان بن عفان، فكل ما حدث في هذه الفتنة، في رأيهم، هو مؤامرة دبرها ابن اليهودية عبد الله بن سبأ، وكأنه لم تكن هناك مشكلات حقيقية، وصراعات مصالح، وخلافات فقهية حول هذه الصراعات، ولكنهم يتهربون من الاعتراف بهذا، ظنًا منهم أنه يتناقض مع قداسة أو عصمة أضفوها هم على الصحابة، ولم يطلبها الصحابة لأنفسهم، تمامًا مثلما ادّعوا في خمسينيات القرن الماضي أن أم جمال عبد الناصر يهودية، وأن هذا سبب اعتقاله للإخوان المسلمين، قبل أن يدّعوا في الستينيات، في سياق قضية سيد قطب، أن جمال عبد الناصر عميل للشيوعية الدولية، بدليل إعلانه نبأ اعتقالات الإخوان من على سلالم الكرملين كما زعموا، وهكذا فالمسألة كلها مؤامرات، ولا أسباب موضوعية للصراع، ولا أخطاء منهم، ولا حتى من عبد الناصر، إذ إنه ينفذ فقط الدور المرسوم له في المؤامرة اليهودية تارة والشيوعية أخرى.

حتى هنا يبدو لنا هذا التفسير لتجذر عقيدة المؤامرة في العقل الجمعي المصري مقنعًا، ولكنه لا يكفي لتبرير تقاعس النخبة السياسية عن التصدى لهذا الوهم، وإسقاطه، كمقدمة ضرورية للمواجهة الجادة والعلمية لمشكلاتنا المستعصية، بل إن ما يحدث هو العكس، فهذه القيادات، وإعلاميوها،  وأصحاب المصالح يستثمرون هذه العقيدة الفاسدة بطريقة أكفأ من استثمارهم لأموالهم ونفوذهم، بل وهناك بينهم من يؤمن بها إيمانًا حقيقيًا لا يتطرق إليه الشك.

لقد كتبت هنا ذات مرة عن قيادي كبير جدًا في نظام مبارك، واستمر في موقع قيادي آخر بعد سقوط مبارك، يؤكد أن واشنطن هي التي صنعت تنظيم داعش، وأن أبا بكر البغدادي (خليفة داعش) يهودي من أب وأم يهوديين، رغم أن العالم كله، غير الغارق في الأوهام، يعرف أن داعش تأسست بتحالف جناح منشق من القاعدة، مع ضباط جيش صدام حسين المسرّحين، وأنها تأسست ردًا على اضطهاد الشيعة العراقيين لأهل السنة، وعلى سيادة النفوذ الإيراني في العراق.

وأضيف هنا أن مسؤولين كبارًا آخرين (ولا أقول إعلاميين يقودون حملات دعاية وتشويه) يقسمون عن يقين أن كل من يطالب بالديموقراطية في مصر وبقية الدول العربية هو عميل أمريكي.

إذن فالتفسير واضح هنا أيضًا، فسيادة هذه العقيدة تؤدي تلقائيًا إلى اعتياد الشعب على كونه يعيش حالة استثنائية إلى ما لا نهاية، ومن ثم اضطراره للقبول بكل ما هو غير طبيعي، من أساليب في الحكم والإدارة، ومن هزائم ونكسات، ومن استغلال واحتكار وفساد، رغم أن نظرة سريعة على العالم من شرقه إلى غربه تؤكد أن الشعوب التي نهضت صنعت نهضتها في أجواء دولية أقسى مما حدث لمصر، فالصين تقدمت رغم الحصارين الأمريكي والياباني، ورغم العداء الهندي والسوفييتي، وكذلك فعلت إيران، وصنعت كوريا الجنوبية تقدمها وتحولها الديموقراطي تحت التهديد الدائم من كوريا الشمالية، ودول أمريكا اللاتينية تحولت ديموقراطيًا وتنمويًا وسط مكائد الاحتكارات الأمريكية، واستمرت الهند تراكم التقدم خطوة خطوة رغم عداء العملاق الصيني لها من الشرق، وعداء باكستان “النووية” من الغرب.

لقد شفيت ألمانيا من المتلازمة المرضية لعقدتي التفوق والانكسار، التي أنتجت عقيدة “الطعن في الظهر”، بعد هزيمة ماحقة في الحرب العالمية الثانية، وسادت أوروبا فعلًا بالعمل والإنتاج، فلماذا لا تكفي المصريين سلسلة الإخفاقات المتوالية على مدار قرنين من الزمان للشفاء من هذه العقدة؟

إن النهضة لا تتحقق في معامل معقمة، ولكنها تتحقق وسط خضم الصراعات في الداخل والخارج.

لا تكفي المؤامرة إذن لتفسير تعثر نهضة مصر مرة تلو المرة، وعلينا البحث عن أسباب أخرى، أهمها سرعة إصابة النخبة بالعطب كلما وقفت البلاد على عتبة النهوض، وهذا حديث تال.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد