البناء القانوني والتاريخي الأمريكي للتمييز ضد العرب والمسلمين

في خطوة أذهلت الكثير من المتابعين، قرر الكونجرس الأمريكي أن يمرر قانوناً يحد من استقبال اللاجئين السوريين والعراقيين في الأراضي الأمريكية. بعيدًا عن العواطف في التعامل مع هذا الأمر المشين، علينا أن ندرك قصة العرب والمسلمين في إطار التاريخ القانوني الذي ينظم العلاقة بين تلك الدولة الجديدة نسبيًا وبينهم.

من جانبه، عَلَّق الرئيس باراك أوباما وبعض مناصريه على أن هذا القانون يعد وصمة عار في حق الولايات المتحدة، وأنه خارج على المبادئ التي بنيت عليها الولايات المتحدة، وهدد باستخدامحق الفيتو” لينهي العمل بهذا القانون الجديد.

الحقيقة أن تاريخ الولايات المتحدة ومبادئ تأسيسها عكس الصورة التي يتخيلها أو يروج لها أوباما. جميعنا يدرك تاريخ العنصرية والاضطهاد الأمريكي القانوني الممنهج ضد بعض طوائف المجتمع الأمريكي منذ نشأته. أولاً، قام هذا المجتمع الجديد على شبه إبادة المجتمع الأصلي للقارة الأمريكية، الذين يعرفون اليوم باسم عنصري أطلق عليهم من قبل الأمريكان الجدد وهو “الهنود الحمر”. ثانياً، قام اقتصاد هذا المجتمع على أكتاف الأفارقة المستعبدين الذين شهدوا أكبر مأساة إنسانية في تاريخ القارة بعد السكان الأصليين. ثالثاً، الموضوع لا يتوقف هنا، بل نرى اضطهادًا دينيًا ضد اليهود، واضطهادًا عنصريًا ضد أبناء آسيا، كما نرى اضطهادًا حتى بين المصنفين على أنهم أصحاب البشرة البيضاء. مثلاً، عانى القادمون من أيرلندا من معاملة تحقير وعنصرية على الرغم من كونهم أصحاب بشرة بيضاء مثل أقرانهم. هذا المقال سيتحدث عن العلاقة التاريخية القانونية بين العرب والمسلمين والولايات المتحدة الأمريكية. 

يظن البعض أن تاريخ اضطهاد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية بدأ بعد أحداث ١١ سبتمبر من خلال الأفراد أو المؤسسات والمنظمات التي تبنت هذا الفكر، أو حتى قبل ذلك بعدة عقود. الحقيقة أن هذا ليس حقيقيًا بالمرة. هذه العلاقة السلبية قائمة منذ نشأة الولايات المتحدة تقريبًا. كما يعلم الكثير منا أن الولايات المتحدة أنشئت في التاريخ الشهير ٤ يوليو ١٧٧٦. تلك البلد الجديدة المتحررة من الاستعمار البريطاني، والقائمة على المهاجرين والعبيد، أرست قوانين الجنسية في عام ١٧٩٠ تحت ما يعرف بقانون ١٧٩٠ للتطبيع. نص هذا القانون قطعياً على حصر الجنسية الأمريكية لأصحاب البشرة البيضاء. بهذه القاعدة، تبدأ الدولة على أساس عنصري بحت وهو رفض كل من لا يصنف على أنه أبيض. حتى البيض، مثل المهاجرين من أيرلندا والذي أعطاهم القانون حق التجنيس كانوا يتعرضون لسوء المعاملة ومن بعدهم أصحاب الأصل الإيطالي، ولكن على الأقل حصلوا على الحق القانوني في الهجرة والتجنيس. لكن ماذا عن العرب؟

الآن عندما نملأ استمارة الهوية ونحن نتقدم للحصول على تأشيرة للولايات المتحدة أو أي استمارة أمريكية أخرى لها علاقة بالتأصيل الإثني أو العرقي للمتقدم، نرى أن العرب يصنفوا على أنهم “أصحاب بشرة بيضاء” أو “أصحاب بشرة بيضاء من أصل غير أوروبي”.

عزيزي القارئ، وفقاً للمعايير القانونية الأمريكية، هذا لم يكن وضعنا طول الوقت. تطور القانون الأمريكي مع الوقت ليرى لون بشرتنا، والتي بالطبع لا يمكن جمعها في تلك القوالب العنصرية البغيضة. القانون الأمريكي للتجنيس، والذي تم إلغاؤه في خمسينيات القرن الماضي فقط، ظل هو القانون الأهم في تصدر مشهد ربط الهوية بالقانون.

وفقاً لقانون ١٧٩٠ لم يصنف العرب على أنهم أصحاب بشرة بيضاء، وبالتالي لا يمكن تجنيسهم بأي شكل من الأشكال. ولكن القوانين يغيرها الأشخاص.

في ورقته البحثية الرائعة، بين المسلم والأبيض: البناء القانوني للهوية العربية الأمريكية، يقص علينا د. خالد بيضون قصة رجل ذو خلفية عربية تقدم للحصول على الجنسية الأمريكية سنة ١٩٠٩. هذا الرجل السوري، بالمناسبة، قوبل بمعارضة قوية في معرض استماع القاضي لعريضته، معارضة مبنية على كونه عربي، وبالتالي غير أبيض. فوقف الرجل مدافعاً عن حقه، وألقى خطاباً قوياً مضمونه هو أن ما يسري عليه يسري على المسيح لأنهم من نفس الأرض ونفس الدين. هذا الرجل الذكي أدرك جيداً أن الدستور الأمريكي وكل قيم الولايات المتحدة في هذه الفترة مبنية على ما يعرف بالمبادئ الجودو-بروتستانتيّة (نسبة لليهوديّة والبروتستانتيّة المسيحيّة)، لذلك أن يقضي القاضي بمنعه من الجنسية هو أيضاً حكم منه بمنع المسيح عيسى بن مريم من الجنسية لكونه “غير أبيض”. ومن هنا أتى تحول في القصة وفي الإطار القانوني المعرف لمن يملك حق التجنيس. قضت المحكمة، وقضاء المحكمة يدخل في إطار التشريع، بأن العرب الذين يثبتون أنهم معتنقين للمسيحية يعتبرون من “أصحاب البشرة البيضاء”. ووفقاً لتحليل الورقة البحثية نفسها عن رؤية القانون وتطوره لهذا الأمر نجد أن:

  • أولاً، الهوية العربية والهوية الإسلامية شبه واحدة.
  • ثانياً، العرب المسلمون لم ينتموا إلى أصحاب البشرة البيضاء حتى عام ١٩٤٤.
  • ثالثاً، يعامل العرب (مسلمون ومسيحيون) على أنهم لا ينتمون إلى أصحاب البشرة البيضاء.. حتى..
  • رابعاً، يثبت المهاجر أنه مسيحي. فإذا أثبت أنه مسيحي، أصبح في نظر القانون أبيضاً.

استخدمت المحكمة لفظ “نقاء المسيحية” Christian Purity ومعناه أنه مسيحي من أصول مسيحية غير مختلطة بالعرب المسلمين.

… 

ولكن لماذا كل هذه الكراهية؟ هل لأننا شعب الله المختار؟ أم لأن العرب المسلمين غير آدميين؟

الإجابة: “تتبع المال” – كل رجال الرئيس

في مقال بحثي بعنوان الاستشراق الأطلسي، توضح لنا د. أنجيلا ساتون عن الاحتكاك الحربي الأول بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب. يبدو للكثير أن التاريخ العسكري بين العرب والمسلمين ومن الناحية الأخرى الولايات المتحدة يرجع إلى الحقبة الماضية فقط.. هذا غير حقيقي. ترجع الحروب بين العرب والأمريكان للعقود الأولى لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. العلاقة بالدولة الجديدة وقتها في غير إطار الحرب كانت من خلال الأفارقة المستعبدين الذين أجبروا على الذهاب إلى الولايات المتحدة لكي يقتلوا ببطء في زراعة القطن وقصب السكر، وأجبر الكثير منهم على تغيير دينهم وأسمائهم لاعتبارها تمثل الوثنية التي تخالف العقيدة المسيحية البروتستانتية في ذلك الوقت. عندما توسعت الولايات المتحدة الأمريكية وأخذت تجارتها تتجه شرقاً وغرباً، عبرت من خلال البحر الأبيض المتوسط دون أن تدفع “تأمين مرور” لما يعرف الآن بدول المغرب العربي. وبالرغم من التزام الدول الأوروبية الأخرى بهذا الشرط المالي، والتي كانت بدورها تجبر الآخرين على دفع نفس الضريبة عند المرور ببحارها، إلا أن الولايات المتحدة وقتها لم تدفع لتلك الدول المغاربية، واعتبرت الأمر أشبه “بالإتاوة” التي تعيق حركة التجارة الحرة العالمية. كان العرف الدولي وقتها أن من لا يدفع تسلط عليه سفن تقطع عليه الطريق وهو ما يعرف الآن “بالقرصنة”. وكان لفرنسا قراصنتها ولإنجلترا قراصنتها وكانوا على علاقة بحكوماتهم. لكن في عرف الدولة الأمريكية الحديثة، كان كل هذا يتعارض مع قيم الرأسمالية وحرية التجارة العالمية. بالطبع، استولى القادة في المغرب العربي وقتها على السفن الأمريكية، وكما جرى العرف وقتها أيضاً استعبدوا ركابها الذين يعملون عليها، واشترطوا على الولايات المتحدة أن تدفع كي تطلق سراحهم. لم يصدق الأمريكان أنفسهم في ذلك الوقت وجرت أقلام الصحف تكتب كيف لرجل أبيض مسيحي أن يستعبد؟ كان الاستعباد وقتها ضمن المعاملات الاقتصادية، ولكن في عقلية الرجل الأبيض كان حكرًا على أصحاب البشرة السمراء البربريين الذين يعيشون في أدغال أفريقيا. رضخت الحكومة الأمريكية في دفع المبالغ المطلوبة ولكن سرعان ما شرعت في إنشاء أسطول قوي يقيها من دفع الأموال للعرب والمرور من خلال مياههم بقوة السلاح، والذي برره توماس جيفرسون (أحد مؤسسي الولايات المتحدة والكاتب الأساسي لدستورها) وقتها بكونه “السياسة الأوفر للولايات المتحدة على المدى البعيد”.

كانت هذه أولى المواجهات العسكرية بين الأمريكان والعرب وتعرف هذه الحروب في الولايات المتحدة والعالم الغربي حتى الآن بـ “حروب البربرية الأولى والثانية” تحقيراً من العرب والأمازيغ وقتها. ولكن اسمها التاريخي العلمي: “حروب طرابلس” و”حروب الجزائر”. المهم في هذه الحروب وفقاً لد. ساتون هو اللغة التي استخدمت ضد العرب والمسلمين وقتها والتي تداولتها الصحافة والرئاسة الأمريكية وقتها (١٧٩٠ – ١٨١٥):

أولاً، تم تعميم الأمر على أن كل من في هذه المنطقة عرب بغض النظر عن أي إثنيات أخرى أو أعراق أخرى.

ثانياً، تم تفريغ الأمر من محتواه الاقتصادي، وتحول الأمر إلى أنهم يمنعونا من المرور لأنهم مسلمين وبالتالي يعادوننا.

ثالثاً، بدأ تصوير سكان المنطقة على أنهم همج، غير متحضرين، بل وأحياناً على أنهم يأكلون لحم البشر. بعض الصحف شرعت في وصف العرب على أنهم همج مثل “الهنود الحمر” (السكان الأصليين لما يعرف اليوم بأمريكا).

رابعاً، المبالغ المدفوعة لتحرير المأسورين من ركاب السفن الأمريكية والتي دفعتها الحكومة الأمريكية تحولت بعدها لديون مستحقة الدفع من قبل المأسورين أنفسهم! لذلك وفقاً لساتون كان بعض المأسورين يفضلون البقاء في الدول المغاربية على العودة للولايات المتحدة. أما من عادوا فتقسمهم لنوعين. نوع غير قادر على الدفع، وآخر قادر. غير القادرين على الدفع اضطروا إلى بيع قصصهم في الأسر للصحافة ودور النشر كي يحصلوا على الأموال. وفقاً لساتون، دفعت الحاجة البعض لاختلاق القصص واستخدام مصطلحات عنصرية لوصف آسريهم. مثلًاً، سرد أحدهم أن آسريهم عمالقة، أقوياء، أشداء، أكبر من الحجم الطبيعي، وفي ومنتهى الشراسة. وسرد آخر أنه عندما أعلن قرار تحريرهم، ظهرت حالة من الفوضى حتى هاجم الجنود بعضهم بعضاً وظهر من بينهم آكلي للحوم البشر. ولكن كان هناك آخرين لم يحتاجوا للكذب والفانتازيا العنصرية. بالرغم من ضيقهم من فكرة الاستعباد والأسر، إلا أن أحد قادة السفن الأمريكية سرد أنه عومل معاملة كريمة ولكنه أجبر على العمل الشاق والمرهق ولم يحترم كونه إنساناً حراً وليس عبداً. كما سرد أن المتعلمين منهم أمروا بأن يعلموا لغتهم لبعض أبناء القبائل. كما سرد أيضاً، أن بعضهم أظهر قدرًا عاليًا من التعليم فوصل بهم الأمر أن أصبحوا مستشارين للموظفين الإداريين وقتها (والذين تعادل وظائفهم وظائف المحافظين، شيوخ البلد، إلخ).

خامساً، استخدم رؤساء وسياسو الولايات المتحدة وقتها، مثل جيفرسون وأدامز، مصطلحات لوصف خصومهم على الجانب الآخر من الأطلسي بالهمج، البربريين.. أكد جيفرسون على ضرورة إدراك “أنهم ليسوا (مثلنا) من الجنس البشري”.

تسببت المطامع الاستعمارية والاقتصادية والتوسعية والإمبريالية في حملة شرسة لتجريد خصوم الولايات المتحدة وقتها من آدميتهم ووصفهم ووصف دينهم بأفظع الأوصاف. هذه الأوصاف الاستشراقية والعنصرية أدت إلى حالة احتقان ضد المسلمين والعرب بالرغم من قلة الاحتكاك معهم والمعلومات عنهم. كان المجتمع الأمريكي -الذي كان يبنى وقتها على جثث السكان الأصليين وبسواعد العبيد الأفارقة- مستعداً أيضاً لتقبل هذه الافتراءات. بل وشارك في هذه الافتراءات مؤسسو الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وكتاب دستورها. لذلك فافتراض البعض أن الأمر حديث، هو افتراض خاطئ. والافتراض أن هذا حدث مع منطقتنا لأننا شعب الله المختار ولأنهم يعلمون فضل محمد على العالمين، هو أيضاً تفسير خاطئ. مفتاح التفسير والتحليل هنا هو اتّباع المال. الحاجة إلى المال والقوة تقود الأمم لأفظع وأشنع ما فيها. البغضاء والكراهية والعنصرية هي أدوات في معركة تسعى للمادة والقوة والاحتكار والاحتقار والتوسع على حساب الآخرين. إذا استخدمت عدسة المصالح الاقتصادية والسياسية، ستجد أن غير العرب والمسلمين أيضاً مروا بمثل ما مررنا/نمر به. ما زلت لا تصدق؟ الق نظرة على بعض نتائج الاستطلاعات التي قد تغير رأيك.

الأسف، كل الأسف، هو ألا نحلل ما يحدث حولنا من خلال عدسة أصول السياسة ونتحول إلى مجموعات غوغائية لا تؤمن إلا بنظريات المؤامرة أو نقيضها في صرف الحقائق التاريخية على أنها نظريات مؤامرة. الأسف، كل الأسف، هو أن تعلو أصوات معسكر “نحن شعب الله المختار، لهذا يكرهوننا”.. وعلى نقيضه معسكر محمد الصاوي في فيلم ليلة سقوط بغداد من أنصار “والله حينضفونا”.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين