​تدوينة: إحنا بتوع الكوارث
 
 

حوالي الحادية عشر من صباح أمس، الثلاثاء، وليس غريبا أن يكون أمس ثلاثاء، كانت الدولة الروسية بكامل طاقتها قد حسمت مشاوراتها واتصالاتها الداخلية. وذلك، وبفارق زمني لا يتجاوز الدقائق، عقب إعلان مجلس الأمن الفيدرالي أن عملية إرهابية كانت وراء سقوط الطائرة المنكوبة في مصر.

عقب دقائق من هذا الإعلان، بدأت القرارات الروسية الرسمية في الصدور. تجاوز الأمر التنسيق بين الحكومة وأجهزة الأمن، ووصل إلى تسمية الفرنسيين “حلفاء” والإعلان أن على البحرية الروسية في المتوسط التنسيق معهم لضرب مواقع “داعش” في سوريا والعراق. وبالفعل، وبفارق زمني يليق بكارثية الأمر، تم تنفيذ عدد كبير من الغارات على مواقع التنظيم المستهدف.

تجاوز الأمر الحكومتين الجريحتين، ووصل لكل من استيقظوا في العالم، وأُعلنت مواقف وقرارات رسمية من حكومات أخرى في أوروبا والمنطقة.

هنا، وكصحفي متابع للمسألة، هرعت للهاتف، واستنفرت بمسجل الصوت ودفتر كامل من الأوراق لنقل تصريحات المسؤولين المصريين “كما هي”، خاصة مع حساسية الموضوع وضرورة توخي الدقة في ما يخصه.

بدأ اليوم بمحاولات مع زميلة للاتصال بمسؤول رفيع المستوى في مطار شرم الشيخ الدولي. بعد دقات عديدة يأتي الصوت من الطرف الآخر رخيمًا وتائهًا، يرد بجملة واضحة: “أنا لسة نايم، ما أعرفش أي حاجة”.

حسنًا، لا وقت للاندهاش.. دعنا نذهب لآخر. أتصل بمدير العلاقات العامة في مديرية أمن جنوب سيناء. يأتي الرد: “لو سمحت كلِّم العلاقات العامة في وزارة الداخلية، خليهم يبعتولنا يقولولنا إنك مسجل عندهم، وإنك عايز تعرف معلومة أو تتأكد منها، وساعتها تقدر تكلم مدير الأمن”.

مممم.. لا بد من الوصول إلى مسؤول رسمي في الدولة. الأمر لا يحتمل تأويلات. نريد قولًا فصلًا ومن مصدره، ثم أن هؤلاء موظفين عموميين، وظيفتهم الرد، غير أننا أصبحنا نمضي تعهدات بالحصول على الأخبار من مصادرها، تذكروا قضية حسام بهجت.

تمر الدقائق، أتصل بوزير الداخلية، هاتفه مغلق. أتصل بمساعد وزير الداخلية للإعلام، هاتفه مغلق. أتصل بمساعد وزير الداخلية للعلاقات العامة، هاتفه مغلق. أتصل بضباط في العلاقات العامة للوزارة، هواتفهم مغلقة. أتصل بالمتحدث باسم الحكومة، لا يرد. أتصل بوزير الخارجية، لا يرد. أتصل بالمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، لا يرد.

تتسرب الأخبار من مصادر مُجهلة. وتنشر وكالة “رويترز” أن السلطات اعتقلت موظفين اثنين من مطار شرم الشيخ يشتبه في تورطهما في الحادث.

طيب.. بات الأمر ساخنًا أكثر ولا وقت للصمت. سنطلب من زميلة أخرى معاودة الاتصال بالمسؤول الهام في مطار شرم الشيخ، الذي كان نائمًا ونحن من أبلغناه الأمر. بعد ساعتين من الاتصال الأول، يرد المسؤول على الهاتف: “أنا لسة نايم وما أعرفش لو فيه حد من المطار اتقبض عليه”. الاندهاش علينا حَق.

على الجانب الروسي، دخل الأمر في منحنى الخطر. لا بد من تعليق. أتذكر أن مجلس الوزراء أبلغ الصحفيين من خمس ساعات أنه سيعلن بيانًا صحفيًا بعد انتهاء اجتماعه. انتهى الاجتماع. لا بيان صحفي رسمي. لا مؤتمر صحفي. لكن التللفزيون الرسمي بدأ في إذاعة جمل وتصريحات منسوبة لرئيس الوزراء، ثم يخرج البيان للصحفيين. ثم تأتي أخيرًا تصريحات وزير الطيران المدني.

بعد كل هذا يصل بيان على البريد الإلكتروني من وزارة الخارجية، الحمد لله بدأت تندع، يأتي الخبر: وزير الخارجية يلتقي نظيره من الجابون ويعقد اجتماعا معه.

بعد قليل، وبعد أكثر من ست ساعات على التصريحات الروسية في الصباح، وصلنا إلى/ وصلت إلينا التصريحات المصرية الخاصة بالأزمة التي تحدث فيها العالم كله.

وزير الطيران المدني: لجنة التحقيقات لم تتوصل بعد لأي أدلة على عمل جنائي في حادث تحطم الطائرة.

الوزير نفسه يستكمل التصريحات: تحقيقات الحوادث قد تصل الى سنة أو اثنين أو ثلاثة. لا توجد حادثة طيران في العالم تحصل اليوم ونتائج التحقيق تظهر غدًا.

من اجتماع مجلس الوزراء: تفويض وزير السياحة للتعاقد مع شركات علاقات عامة من أجل “تحسين صورة مصر الذهنية”، وطمأنة السياح.

“وعايزيني أكسبها؟!”.

*عزيزي القارئ: لضمان مستوى الخدمة جميع المكالمات قد تكون مسجلة.

اعلان