مهنة القتل البطىء 2

(1)

علّمني أبي منذ الصغر أن الحقيقة لا تحتمل الأوجه، وأن الكذب يمكن أن يتلوّن، حين كنت أعود إليه من المدرسة بحكايات من الأصدقاء وأخبره أن صديقي “سمع” يوقفني، يؤكد علىّ أن “ليس من سمع كمن رأى”. لا بد أن صديقك قد أضاف إلى الحكاية بعض الأطراف حتى تلاشى أصل القصة. لم أعد أفتي إلا بما رأيت، شعرت وأنا أعمل بالصحافة أن ما علّمني إياه أبي هو النبراس الذي ولا بد أن يضيء لي الطريق. طريق الصحافة بالغ الإظلام، لا يمكنك فيه الحصول على معلومة إلا بشق الأنفس، التخمين فيه هو السيد الآن. أحببت في الصحافة فن الحكي الذي كنت أحبّه صغيراً، لديّ العديد من القصص والتي سأستغل نافذة الصحافة لأرويها للناس كما هي دون تزيين، فقط سأستخدم أدوات اللغة التي تشذّب الألفاظ كما يفعل الجنايني مع العُشب. كثيراً ما انتقدني رؤسائي بالعمل لأنني أكتب بلغة القاص لا لغة الصحفي، أرى أن الصحافة قصة تولد من رحم الواقع، بينما الأدب يمتزج بالخيال.

عندما التحقت بقسم التحقيقات الاستقصائية أثناء عملي بجريدة الوطن، قرأت دليل شبكة أريج لفنون هذا القسم الصحفي، كان عنوان الكتاب “على درب الحقيقي”. تذكرت أبي حين قال لي إن الحُر لا يلفظ إلا الحقائق لأنه لا يخشى أحداً، أو كما يُردد في الموروث الشعبي “ليس على رأسه بطحة”.

نتابع الآن قصفًا لأقلام عملت بنصيحة “لا تقل إلا ما يمليه عليه قلبك وضميرك”، لكل مهنة سبب ومغزى، يشتغل الإنسان بها بحثاً عن ذلك المعنى، يعتمل المرء بالطب لكي يدفع بالميت إلى الحياة، ينظر إلى مريضه الناجي بكامل الزهو بالنفس؟.. ماذا تعني الصحافة؟.. قول الحقيقة وإنارة الناس. عندما تكشف لغزاّ محيّراً، تقرأ في ما وراء الخبر العادي، أنت تقوم بعملك. حين قمت بتنفيذ تحقيق استقصائي من قبل عن دور الأمن الصناعي في محطات الكهرباء، وسُئلت عن سبب قيامي بالتحقيق، أجبت أنني قرأت خبراً منزوياً في جريدة عن مقتل اثنين من الفنيين صعقاً في محطة للكهرباء. حين جال بخاطري صورتهما متفحمين، قررت ألا أكون عابراً كالناس وأضطلع بدوري الصحفي في الكشف عن أسباب الوفاة. يحب الصحفيون الاستقصائيون أن يرددوا تعبير “إحنا بتوع ليه”. أحب الصحفيين لقلبي من يسأل بشكل متكرر هذا السؤال في عمله.

***

(2)

نشرة تأريخ صحفية:

– المانشيت الرئيسي للنسخة الأولى من جريدة الوطن في 29 إبريل من عام 2012: “دولة العسكر.. وما مصر إلا معسكر كبير، نصف الوزارات في قبضة الميري والجنرالات يحكمون المحافظات”.

– في فيديو مصوّر بتاريخ 23 فبراير من عام 2014، نشرت صفحة “وكالة أنباء الشرق الأوسط” -الوكالة الرسمية للدولة- فيديو بعنوان: “الجيش المصري يعلن عن اختراع جهازين لعلاج فيروس سي والإيدز” وفي طيات الفيديو شعار للقوات المسلحة، ورجل يرفل في رداء الجيش يُدعى اللواء إبراهيم عبد العاطي.

– قالت الوطن في 19 يناير من عام 2015، على موقعها الإلكتروني، على لسان مصدر مطلع، إنه قد تم فقدان 250 عاملاً بعد تسرب المياه إلى قناة السويس الجديدة.

– نشرت بوابة الأهرام في 20 مايو من عام 2015 النص التالي: “نشرت “بوابة الأهرام” المستندات التي تفيد قيام نادي القضاة ببيع قطعة أرض مملوكة لنادي قضاة بورسعيد لقريب زوجة المستشار أحمد الزند، رئيس مجلس إدارة نادي قضاة مصر، وهو المدعو لطفي مصطفى عماشة، وشركائه، بسعر أقل من 18 ألف جنيه للمتر، بإجمالي 9 ملايين و153 ألف جنيه لقطعة الأرض البالغ مساحتها 508.5 متر مربع.

ووفقا للمستندات فإن قطعة الأرض المملوكة لنادي قضاة بورسعيد تقع بمنطقة “أرض جمرك الرحلات القديم”، والذي يقع خلف مبنى الغرف التجارية وهي منطقة حيوية يتجاوز فيها سعر المتر 50 ألف جنيه.

وحسب المستندات -فإن قطعة الأرض المملوكة لنادي قضاة بورسعيد- تم بيعها بموجب تفويض من مجلس إدارة نادي قضاة مصر الذي يرأسه المستشار أحمد الزند”.

– في 27 مارس من عام 2015، نسجت جريدة الأخبار قصتها عن دخول 13 عنصراً حوثياً إلى صحراء سيناء بهدف القيام بأعمال إرهابية. وبعيداً عن العنوان غير الموثّق بصور أو فيديوهات مثبتة، قالت الصحيفة إن الحوثيين المتوغلين في سيناء هم “فلسطينيون ومصريون من أنصار جماعة الإخوان المسلمين”. وكانت المجموعة تهدف لإقامة كتائب للحوثيين في سيناء، رغم أن أجهزة الأمن لم تستجوبهم، إذ بحسب الصحيفة ” تمكنت النسور الجوية من محاصرتهم جوياً؛ لتمهيد الطريق للقوات البرية للمداهمة، بعد تبادل لإطلاق النيران حيث نجحت القوات الأمنية في تصفيتهم”.

– في 9 نوفمبر من عام 2015، كتب دندراوي الهواري، وهو يشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة اليوم السابع، مقالاً بالصحيفة نفسها عنوانه: “بالأدلة.. المخابرات الأمريكية أسقطت الطائرة الروسية فى سيناء”.. ومن متن المقال يقول الهواري: “الشواهد تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كلفت إسرائيل بتنفيذ الحادث بدقة من خلال إطلاق صاروخ موجه من منظومة الصواريخ المتطورة التى حصلت عليها مؤخرا من الولايات المتحدة الأمريكية، وأسقطت الطائرة، ثم تكليف المخابرات البريطانية بسرعة استباق نتائج التحقيقات فى الحادث، والدفع بأن هناك عملا إرهابيا وراء سقوط الطائرة، من خلال زرع قنبلة فى حقيبة أحد الركاب، لإبعاد كل الشبهات عن إسرائيل”.

– تنشر الصحف المصرية، بشكل لا يمكن حصره، أخبار تصفية عشرات الإرهابيين دون أن تصدر بيانات رسمية من قبل “الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري”.

***

(3)

“الجمهورية وصحافتها سوف يرتقيان معا أو يسقطان معا”.

“أهتم بشدة بتقدم مجال الصحافة خاصة بعد أن بذلت حياتي من أجل الاحتراف في هذه المهنة النبيلة والتي لا تُعطَى حق قدرها في مدى تأثيرها على عقول وأخلاق الشعب”.

“إن الصحافة المستهترة، والمرتزقة، والغوغائية، سوف تنتج مع الوقت شعبا خسيسا مثلها”.

مقولات صحفية لجوزيف بوليتزر، واحد من أشهر الصحافيين عبر التاريخ، وتقدّم سنوياً أكبر الجوائز الصحفية باسمه منذ عام 1917، هو نظير نوبل للصحافة، وأغلب من حصدوا جوائز نسخته الأخيرة كانوا قد قدموا موضوعات صحفية تكشف فسادًا تغلغل داخل مؤسسات أمريكية حكومية.

***

الخناق بدأ يلف الطوق المكهرب حول عنق الإعلام، مقالات بدأت تُمنَع في “المصري اليوم”، ليخرج رئيس التحرير مبرراً المنع بموقع “زحمة”: “كان لأجل نقطة نظام، نريد الحفاظ على مؤسسات الدولة ونؤكد أحترامنا لكل شخوصها”. الرئيس عبد الفتاح السيسي يخصص جزءًا من خطابه لنقد الإعلام ويهدد بشكواه للشعب، مذيعة بالتلفزيون المصري تطلب رعاية المواطن فيتم إيقافها.

يبرز السؤال: هل قول الحقيقة خطير إلى هذه الدرجة، تحضر مقولة جوبلز بأن الإعلام بلا ضمير يرسّخ لشعب بلا وعي، والأنظمة في العالم كله تفضّل أن تحكم إناسًا ليسوا على مستوى كاف من الدراية.

كثير من أصدقائي يبدون ندمهم على دخولهم لهذه المهنة غير المستقرة مادياً، أفكّر في اليوم الذي هاتفتني فيه سيدة تخبرني بقبولي في وظيفة “البنكي” التي تقدمّت إليها منذ سنوات، وأجبتها ساخراً بأن هناك مشكلة عويصة تكمن في عدم مقدرتي على ارتداء نفس الملابس يومياً أو اضطراري لتهذيب شعري وحلاقة ذقني، لم تستفسر عن كلماتي، أغلقت في وجهي الخط وهي تخبرني بموعد الكشف الطبي.

هل أندم الآن؟.. أفكّر في كلمات والدي، في معلومة تحاول إيصالها بدّقة، في سيدة تتراجع عن الانتحار بعد قصة قمت بإذاعتها وساعدها الناس، في تحقق تصل إليه من مهنة وقعت بمحض إرادتك في براثنها.

لا أشعر بالندم، رغم جفاء كثيرين من حقائق لا تصيب هواهم. أشعر بالرغبة في الكتابة، والمزيد من الكتابة.

***

يقول بيرم التونسي:

“أنا اتلهيت وخدَل زِندي

مانيش نبيّ الله غاندي

إن كانت الغلطات من عندي

يكون ف عون اللي عمَلها

إن كان علي الملح، أكَلْنا

وان كان علي السجن، دخَلنا

والصوم نحَلنَاه ونحَلنا

خلي اللي فاضل لرجالها

..

قالوا اللي يشرب من نيلك

لا بد يرجع ويجي لك

وأنا اللي عطشان ف سبيلك

الدنيا إيه اللي جرالها؟؟”

اعلان