Define your generation here. Generation What

عن الصحافة.. لا عن حُسام

لن تفهمَ هذه الحفريات نقاشًا ساخنًا يمتد بالساعات عن مستقبل الصحافة في بلد يعتقل صحفيين بتهمٍ مُلفقّة. سيفتحون عيونَهم دهشة من ربط مستقبل خدمة أوبر، التاكسي الملاكي، بمستقبل الصحافة الإلكترونية وطرق الدفع بالنقود البلاستيكية في مصر. أو اشتباكاً حول مفاهيم صحافة التيار الرئيسي المملوكة لرجال الأعمال والمواقع المستقلة، ومستقبل أي أنماط الملكية قابل للاستمرار في عالم إنتاج واستهلاك الأخبار. أو انتظارًا محمومًا في الدور لتجربة إنتاج قصص صحفية لا يكتبها صحفيون وإنما“كود برمجة” بمساعدة بشرية محدودة، أيّنا يسبق الآخر إليها، أو خلافًا على الغبار الصحفي الذي أثاره“ڤايس” شين سميث، ونوعية التحقيقات التي يقدمها مقارنة بـ “انترسيبت” جلين جرينوالد.

لن يفهموا. لا لأنهم بلا عقول، وإنما لأنهم“مخطوفون ذهنيًا” في عصرٍ ثانٍ نعرفه جيدًا لكننا لا نريد أن نعيشه ونجرّبه مرةً أخرى. لا أحد يستطيع إعادة إنتاج الماضي.. والمسألة ليست بالسن، ولا هي صراع أجيال ولا يحزنون. أحدهم قالَ جادّاً عندما رفض نشر مقالٍ يناقش إحدى الزوابع المفتعلة، الكثيرة، لحسنين هيكل “كيف تُهاجِم الأستاذ، وأعظم أعظم تلاميذه لا يرتقي إلى نِصف ساقِه”. كان بليغًا حقًا في توصيفه وتشبيهه للأستاذ وتلاميذ الأستاذ، ربما أبلغ ما قال في حياته. هو لا يكبرك في العمر كثيرًا يا حُسام بالمناسبة.

هؤلاء لا يعرفون من الشغلانة إلا تظبيط المسائل، وترتيب المصالح، وتأمين فلوسٍ بالباطل لورثتِهمْ، وفي أحسنِ الأحوال يُجيدون “الضربَ والمِلاقيّة” ويسمونها “حرفنة وصَنعة”، وعلى هامشِ الهامش تأتي الصحافة التي، والحق يُقال، يعرفون جيدًا أفضالها، البنكيّة، عليهم. هل يضيّع أحدهم دقيقة واحدة للتفكير  في مهنة تصارع البقاء حرفيًا، لا حبًا فيها وإنما خوفًا على استمرار الشغلانة/ السبوبة، سنواتٍ أكثر. لا يطلبُ أحدٌ منهم الجهادَ في سبيل الشغلانة، فالكلُ يبحث عن لقمةِ عَيش، لكنّ الفارق البسيط/الكبير: مَن يفكرُ مِثلنا في مستقبلِ مهنة يقولُ إنّه يُحبّها.

كُنّا نقول أنّ هذا المستقبلَ قريب من أصابعنا، فإذا به يتسرب حتى وصلنا لواقعِ أنّ واحدًا منّا يدخلُ أحدَ بناياتِ الحيّ العاشر الكئيب في مدينة نصر مُتهمًا في قضية عسكرية بعد التحقيق معه، لأنه كتبَ ما نعرفه، لكنْ لا نستطيعُ كتابتَه في صُحفِنا.

في حديثٍ ليلةَ الذهابِ إلى المخابرات، قُلتَ ضاحكًا: الجيش هايريحكم منّي وإبقوا انبسطوا بتغطية الرياضة في اليوميات مِن بعدي، فرددتُ: المهم ما نوصلش لمرحلة #فين_أخونا_حسام. لكننا نقولها الآن.. تصوّر؟

في حوارٍ قبل نحو عامين مع المحقق الصحفيّ سيمور هيرش، نشرته الجارديان، عن مستقبل الصحافة، قال إن حلّ أزمتها بسيطٌ جدًا: قَسّم المحررين إلى نوعين؛ الأول مطيعٌ ينفّذ المطلوبَ دون دوشة ووجع دماغ، وهؤلاء يشكّلون نحو ٩٠٪ من مجموع الصحفيين. اطردهمْ واغلقْ مكاتبَهم. سيتبقى ١٠٪، هم المشاغبين، فقط هؤلاء مَن يُمكن الاعتماد عليه حتى تنجو المهنة.. اليوم اختُطف واحدٌ من هؤلاء في مكان ما بأحد السجون العسكرية في مصر.

اعلان