أمام الإجلاء البريطاني ووقف الرحلات الروسي.. مصر بين الدفاع والتكذيب والصمت
 
 

بعد ستة أيام من حادث تحطم طائرة روسية في صحراء سيناء، تستمر البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية في الدفاع عن إجراءاتها اﻷمنية، وتكذيب أي فرضيات تخرج عن أطراف غيرها. ووسط حالة غياب الثقة والمعلومات، قررت الدول اﻷخرى البدء في إجراءات لضمان أمن وسلامة مواطنيها، وجمع المعلومات بشكل مستقل عن الجانب المصري.

وبعد الكثير من التداعيات، والكثير من الانتظار لتصريحات رسمية مصرية، تم الإعلان مساء اليوم، الجمعة، عن مؤتمر صحفي سيعقده وزير الطيران المدني ورئيس لجنة التحقيقات حول الطائرة الروسية غدًا السبت، في الخامسة مساء بمقر وزارة الطيران.

كان وزير الخارجية المصري سامح شكري قد صرح بعد يوم واحد من الحادث أنه “يجب ألا تتخذ الدول الأخرى إجراءات تحمل أي نوع من الإيحاء الذي لا يعكس حقيقة الأمر” مطالبًا بـ “ضرورة انتظار انتهاء التحقيقات لمعرفة ملابسات الحادث”. لكن تلك الدول لم تستجب لطلب شكري.

حيث نقلت وكالة انترفاكس الروسية اليوم، الجمعة، عن متحدث باسم الكريملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أوقف جميع الرحلات المتجهة إلى مصر بناءً على نصيحة من رئيس قطاع الأمن.

وتكررت نصائح مكتب الأمن التابع لبوتين بتعليق الطيران إلى مصر لحين الانتهاء من التحقيقات المتعلقة بالحادث المميت الذي تعرضت له الطائرة الروسية يوم السبت الماضي، والذي أودى بحياة 224 شخص كانوا على متن الطائرة. ويسرى قرار تعليق الرحلات الذي أصدره الرئيس الروسي من لحظة إصداره.

ويعد هذا التحرك نقلة في خطاب الكريملين. فخلال الاسبوع المنقضي، كرر المسؤولون الروس أن سبب الحادث لا يزال مجهولاً وأن وسائل الإعلام عليها ألا تقفز لاستنتاجات، وسط انتشار تكهنات بأن الطائرة قد جرى إسقاطها بقنبلة زرعت على متنها.

ونقلت وكالة رويترز للانباء أن بوتين هاتف رئيس الوزراء الإنجليزي ديفيد كاميرون أمس الخميس، بعدما أعلن الأخير لوسائل الإعلام أن السبب الاكثر ترجيحًا “لوقوع الكارثة” هو انفجار قنبلة. ونبه بوتين رئيس الوزراء البريطاني لأهمية التراجع عن طرح الافتراضات لحين الإعلان عن نتيجة التحقيقات الرسمية.

وقال ديمتري ببسكوف المتحدث باسم الكريملين أمس الخميس إن الطائرات الروسية ستستمر في التحليق من وإلى شرم الشيخ. قبل أن يصرح اليوم بأن: “التحقيقات وحدها ستفصح عما حدث للطائرة والأسباب التي أدت إليه”.

وبدأت نظرية تفجير قنبلة تمت زراعتها بالطائرة تكتسب المزيد من التصديق حاليًا. إذ صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما مساء الخميس في مقابلة إذاعية أن “هناك احتمالية” أن تكون هناك قنبلة كانت على متن الطائرة الروسية المنفجرة.  

وأضاف أوباما: “سنقضي وقتًا طويلًا لنتاكد أن محققينا وطاقمنا الاستخباراتي قد عرف ما حدث وتأكد منه تمامًا قبل أن نصدر أية تصريحات مؤكدة”. وتابع: “ولكن المؤكد أن هناك احتمالية أنه كانت هناك قنبلة على متن الطائرة”.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أعلن عبر صفحته الرسمية على فيسبوك منذ قليل أنه اتفق مع بوتين على استئناف رحلات الطيران الروسية إلى مصر “في أقرب وقت ممكن”، وذلك خلال اتصال هاتفي جمعهما اليوم، لكن السيسي لم يحدد  متى سيتم تنفيذ هذا الاتفاق الذي يلغي القرار الذي أصدره بوتين اليوم.

وبالقرار الذي أصدره بوتين اليوم تكون روسيا هي الأحدث في قائمة طويلة من الدول الأوروبية التي ترفض السماح لطائراتها بالوصول لشرم الشيخ، ولكن معظم هذه الشركات لم تغير خططها بالطيران نحو العاصمة المصرية. وكانت بريطانيا هي الأولى.

فتزامنًا مع أول زيارة رسمية  للرئيس السيسي إلى لندن، قررت الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات وصفها البعض بأنها “غير مسبوقة” في تعبيرها عن عدم ثقتها في الجانب المصري، وأعلنت مساء الأربعاء الماضي تعليقها للرحلات الجوية المغادرة من مطار شرم الشيخ وإرسال خبراءها اﻷمنيين إلى شرم الشيخ لتأمين رعاياها، بعد ورود معلومات استخباراتية قد تشير إلى أن حادث الطائرة جاء نتيجة انفجار قنبلة داخل الطائرة.

ونصحت الحكومة البريطانية مواطنيها بتجنب استخدام رحلات طيران غير ضرورية هناك، مؤكدة أنها تستعد لتنظيم رحلات طيران آمنة لنقل مواطنيها العالقين في شرم الشيخ.

في الوقت ذاته أصرت السلطات المصرية على رفض كافة المزاعم المتجهة إلى أن جهاز متفجر كان هو السبب في الحادث، ووجهوا انتقادات للحكومة البريطانية بكونها تتصرف من طرف واحد ولا تنتظر نتائج التحقيقات التي تجريها مصر.

إلا أن الانتقادات المصرية لم تمنع بعض شركات الطيران البريطانية من مواصلة رحلاتها إلى مصر اليوم الجمعة فقط لتساعد على إجلاء ما يقدر بعشرين ألف سائح بريطاني عالقين في المنتجع الساحلي. وحاول ما يقرب من 4000 شخص الوصول إلى متن طائرات الإنقاذ المتجهة إلى خارج المنتجع يوم الجمعة.

إحدى تلك الشركات كان شركة إيزي جيت البريطانية، التي تم إبلاغها صباح الجمعة أن السلطات المصرية ترفض السماح لطائراتها بالعمل، قبل أن تقول الشركة في وقت مبكر من ظهر الجمعة إن اثنتين من طائراتها في طريقهما أخيرا نحو المملكة المتحدة، ولكن باقي طائراتها لن تحلق اليوم، وأضافت أن المسؤولين المصريين متشددين بشأن عدد الطائرات المسموح لها بالمغادرة للمملكة المتحدة.  

شركات طيران بريطانية أخرى ومنها بريتيش إيرلاينز ومونارك، واللتان كانتا تباشران رحلات طيران من مطار شرم الشيخ يوم الجمعة أيضًا لتعيد السائحين العالقين إلى بلادهم، لم تواجها بذات المشاكل في ترتيب جدول الطيران كتلك المشاكل التي واجهتها إيزي جيت.

قالت شركة مونارك عبر حسابها على تويتر: “طائراتنا حاليا في طريقها إلى شرم”. وتابعت: “نحن نتوقع أن تغادر جميع طائراتنا اليوم وفقًا للجدول الموضوع”.  

ونقلت مراسلة بي بي سي في القاهرة أورلا جورين عبر حسابها على تويتر  تصريحات للسفير البريطاني جون كاسون أدلى بها في شرم الشيخ صباح الجمعة، ونفى خلالها أن تكون السلطات المصرية قد منعت طائرات بريطانية من الوصول.  

ولكن في توقيت متأخر من يوم الجمعة أكد وزير الطيران المدني حسام كمال لرويترز أن المسؤولين أعادوا طائرات إيزي جيت بالفعل ولم يسمحوا لها بالهبوط. وقال إن شركة الطيران أدرجت على جدولها طائرات أكثر من الطاقة الاستيعابية للمطار، وأن المسؤولين حاولوا التعاون مع الشركة لتقليص هذا العدد.

وطالبت إيزي جيت المسافرين بحجز إقامتهم بشرم الشيخ ليومين آخرين. وقالت الشركة إنها ستعوضهم عن التكلفة التي سيتحملوها وفقًا لأسعار “معقولة”.

وفي إجراء أمني إضافي، فإن الركاب البريطانيين الذين سيستقلون طائرات مغادرة من شرم الشيخ سيكون مسموحًا لهم فقط بحمل حقائب يد، حسبما نقل موقع “أصوات مصرية”، بينما سيتم نقل الحقائب الاخرى بشكل منفصل.

الحظر على الحقائب والمتعلقات تبنته أيضًا شركة الطيران الهولندية KLM، التي أصدرت بيانًا اليوم قالت فيه إن الطائرات المغادرة من القاهرة لأمستردام سيسمح لركابها فقط باصطحاب حقائب اليد، بسبب ” احتياطات مستندة لمعلومات محلية ودولية”.

كانت ألمانيا هي الأخرى قد طالبت مواطنيها بتجنب السفر إلى سيناء، وأعلنت شركة الطيران اﻷلمانية لوفتهانزا تعليق رحلاتها إلى سيناء.

 

في الوقت ذاته، أعلن عدد من شركات الطيران العالمية والعربية تجنب الطيران فوق شبه جزيرة سيناء في انتظار معرفة أسباب سقوط الطائرة.

تعكس تلك القرارات غياب الثقة في الإجراءات التي يمكن أن تتخذها مصر من أجل منع تكرار الحادث. وذلك بعد حالة من التخبط اتصفت بها ردود الفعل المصرية المختلفة، خصوصًا في ظل غياب أي تحديثات من الجانب المصري حول النتائج التي تصل إليها التحقيقات.

فبعد ساعات قليلة من الحادث، نفت النيابة العامة المصرية، حسبما نشرت صحيفة المصري اليوم، مشاركة جهات خارجية في تحقيقات الحادث، إلا أنها تراجعت وأعلنت  في وقت لاحق انضمام خبراء روس وأيرلنديين إلى فريق المحققين المصري.، كما أعلن لاحقًا عن انضمام خبراء ألمان فرنسيون إلى فريق التحقيق.

وصرح الطيار عادل المحجوب، رئيس الشركة المصرية للمطارات، لموقع CNN العربي أن “الطائرة الروسية التي تحطمت في سيناء قد تم فحصها فنيا قبل إقلاعها كإجراء روتيني لأي طائرة، كما أن عمليات التفتيش عليها كانت سليمة” لكنه أصر على أن “أسباب تحطم الطائرة غير معلومة حتى الآن، وستتضح الأمور عند الانتهاء من التحقيقات”.

وعلى الرغم من تسريبات ومعلومات تتواتر في وسائل اﻹعلام حول أسباب الحادث، إلا أن الحكومة المصرية لم تقم بتوفير أي معلومات رسمية عن تطورات التحقيق.

واكتفت البيانات الرسمية المصرية بعد إعلان هذه الحكومات موقفها بوصف وزير الخارجية المصري للتصريحات البريطانية بأنها “مثيرة للدهشة“، وتصريح وزير السياحة هشام زعزوع بأن هذه المواقف “غير مبررة” باﻹضافة إلى بيان رسمي يقول إن “التعزيزات الأمنية بشرم الشيخ، جاءت كإجراءات إيجابية بشكل عام، ويتم تفعيله بشكل دوري، وليس مؤشرا لأسباب سقوط الطائرة أو استباقا بأي حال من الاحوال لنتائج التحقيقات الجارية مؤكدة أن “القرار البريطاني، بتعليق رحلات لشرم الشيخ، تم اتخاذه بشكل منفرد، ولم يتم التشاور بشأنه مع مصر، على الرغم من الاتصالات التي تمت بين الجانبين قبل ساعات من اتخاذ القرار”.

اعلان