ضاعت أم استعيدت؟.. “وسط البلد” في عيون سكانها وروادها
 
 

“وسط البلد” ليس مجرد حي آخر من أحياء القاهرة. بل كان لعقود، ولا يزال، محورًا للنشاط الاجتماعي والثقافي والسياسي، كما أن كثيرون يشعرون بانتماء إلى المكان.

ولكن منذ أصبح مركزًا للاحتجاجات التي شملت أنحاء البلاد كافة في عام 2011، والتي أدت إلى عزل ديكتاتور الثلاثين عامًا حسني مبارك، توقفت خطط تنمية الحي لتعود وتستكمل من جديد الآن.

في تلك الشهور الأولى من 2011، وفي ظل الصحوة الثورية وتراجع قوات الأمن شهدت منطقة وسط البلد حيوية وفورة من الممارسات العشوائية. لكن خلال الثمانية شهور الماضية اتخذت الدولة إجراءات مختلفة سعيًا لإعادة النظام إلى الحي، بما في ذلك إزالة الباعة الجائلين ومنع انتظار السيارات في أغلب شوارع وسط البلد وتجديد بعض مبانيه.

مستخدمو  وسكان “وسط البلد” لديهم آراء مختلفة تجاه تلك التغيرات. بعضهم يرحب بما اتخذته الدولة من إجراءات؛ باعتبارها خطوات إيجابية لاستعادة رونق المنطقة الضائع، في حين يرى البعض الآخر أنها تنزع عن المنطقة كل ما يميزها عن غيرها.

استعادة النظام

يدعم العديد من سكان المنطقة محاولات الدولة لإزالة آثار الفوضى التي كانت قائمة منذ عام 2011. وإن كان البعض يقول إن تلك الإجراءات أصبحت مبالغًا فيها، حتى أنها أصبحت مصدرًا للإزعاج في حد ذاتها، في حين يرى آخرون أن الحلول اللازمة لم تفعل بعد.

خلال صيف 2014 قامت قوات الأمن بعدة حملات لإجلاء الباعة الجائلين خارج منطقة وسط البلد ونقلهم إلى موقع تجاري مؤقت في الترجمان.

وافقت أغلب الأطراف المعنية بوسط البلد على نقل الباعة الجائلين، الذين انتهى بهم الأمر إلى  شغل الجزء الأكبر من أرصفة شارع طلعت حرب وشوارع أخرى، ما أدى في بعض الحالات إلى نزاعات عنيفة من أجل استخدام المساحات المتاحة.

الآن أصبح شكل “طلعت حرب” مختلفًا تمامًا، حيث اتسع في غياب السيارات المنتظرة والباعة الجائلين الذين كانوا مرصوصين على جانبيه.  كما تقوم البلدية بحملات تفتيش دورية بواسطة شاحنات النقل التي يعتليها أفراد الأمن ومعهم ما تم مصادرته مثل “فَرشات” الشاي والسلع المختلفة.

منذ فترة وجيزة كنت أسير في شارع طلعت حرب حيث التقيت رامي صموئيل، ذا الأربعة وسبعين عامَا، والذي كان يبيع مختلف الأشياء في هذا الشارع طوال أربعين عامًا.

لكن مائدته الطويلة التي كان يضع عليها مختلف المنتجات استبدلت حاليًا بمقعد واحد يعرض عليه بعض أزواج الجوارب، على أمل أن يبيعها مقابل القليل الذي يسد احتياجاته. ولكونه أحد الباعة الجائلين القلائل الذين بقوا في الشارع فإنه دائم الحذر  من قوات الأمن.

فجأة، يأتي شابان مسرعان يصرخان “عربي، عربي”، وهي كلمة السر التي تشير إلى وصول حملة “البلدية”، فيسرع صموئيل بدفع مقعده إلى داخل ممر  ليخفي بضاعته القليلة.

وبخلاف الباعة الجائلين، قامت السلطات كذلك بإغلاق عدد من أكبر مقاهي وسط البلد وأكثرها شعبية بما في ذلك قهوة البورصة الشهيرة وغيرها.

يقول باتريك ور، وهو محرر اقتصادي يسكن في وسط البلد منذ عام 1999، إنه رغم كون جهود الدولة الأخيرة هي خطوة في الاتجاه الصحيح إلا أنه لا يزال هناك الكثير  مما يجب عمله من أجل حماية المنطقة التاريخية من الانهيار.

ورغم إغلاق بعض المقاهي الكبرى إلا أن البعض الآخر لا يزال باقيا ومعه جوانبه السلبية: الضجيج والإزعاج البصري.  ورغم أن ور ليس من هواة المقاهي بوجه عام، لكنه يتفهم الحاجة إليها في أي منطقة تاريخية، ويقترح تنظيمها بإزالة أجهزة التليفزيون والمقاعد البلاستيكية.

كذلك يشكو ور من التعدي المستمر على المساحة العامة في منطقة وسط البلد بواسطة المشروعات الخاصة. ويشير إلى محل بجوار منزله استولى على الرصيف مؤخرًا، ويشاع أنه دفع للمسئولين مقابل ذلك.  كما يشكو أيضا مما يسميه “ظاهرة الثلاجات”. حيث توجد ثلاجات وصناديق وأشياء أخرى تبرز من الأكشاك وتسد الأرصفة في مناطق كثيرة من وسط البلد.

لكن المشكلات ليست في الشوارع فقط

بدأت الدولة منذ شهور حملة تجديدات في وسط البلد، لكن الحملة، بحسب السكان، لا تتجاوز طلاء المباني من الخارج، في حين يُترك داخلها مهملًا.

يحدث هذا بعد أن ارتفع عدد المكاتب في منطقة وسط البلد بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، خاصة مع اقتراب نهاية عقود الإيجار القديمة وسعي المستأجرين إلى التنازل عن ممتلكاتهم للمؤسسات.  فضلًا عن وجود الكثير من المساحات في بعض أجمل شوارع وسط البلد، مثل شارع أحمد عبد العزيز، التي تستخدم كمخازن.

يعتقد ور أن المطلوب لحماية المباني هو تغيير أعمق في السياسات، ويقترح فرض ضريبة عالية على النشاط التجاري في المنطقة من أجل تشجيع استخدام الشقق في السكن والذي يتسبب في أضرار أقل بالمباني.

عاش شريف التابعي أغلب حياته في مسكن أسرته في شارع البستان، كما أنه يعمل في شركة قانونية في شارع قصر النيل. وهو يؤيد محاولات الدولة استعادة النظام لكنه يشعر أن التطبيق يفتقد إلى الحكمة.

يتحدث التابعي عن منع الدولة انتظار السيارات في أغلب شوارع وسط البلد، في محاولة لتوجيه المرور إلى جراج التحرير الذي تم افتتاحه أخيرا. ويعبر عن ضيقه بدرجة الحزم التي تطبق بها القواعد وبغياب البدائل العملية.  فهو كثيرا ما يحصل على مخالفة في كل مرة يوقف فيها السائق سيارته عند توصيله إلى المكتب، كما أن زملائه وعملائه كثيرا ما يتأخرون عن مواعيدهم بسبب صعوبات الانتظار. ويقترح إعادة النظر في مستوى خدمة أوتوبيسات النقل التي يستخدمها الناس من وإلى الجراج.

أما عن التغيير الذي يرغب تابعي في رؤيته على مستوى الشكل، فهو  يحن إلى وسط البلد القديمة، الراقية. ويرى أن منظر المحلات يحتاج إلى تنظيم بحيث تنسجم مع المظهر القديم للمباني.

.. أم إغلاق للمساحة العامة؟

لكن هناك آخرون يرون الوجود الأمني الأخير في وسط البلد في ضوء آخر ، ويعتبرونه خنق لمساحة عامة بعد انهيار قصير  لسلطة الحكومة على المنطقة.

بعد عام 2011 مرت المنطقة بفترة بدا فيها أن الأمن غائب، مثلها مثل باقي البلاد. فأصبح الناس يدخنون الحشيش علانية في شارع هدى شعراوي والفلكي ومناطق أخرى من وسط البلد.

أعقب ذلك عودة بعض ممارسات الماضي مرة أخرى بقوة، مثل انتشار رجال الشرطة في ملابس مدنية في ميكروباصات تحمل أرقاما سياحية، يوقفون المارة ويسألونهم عن هوياتهم، وأحيانا يأخذونهم إلى أقسام الشرطة. كما أصبحت المنطقة مليئة بالكمائن الأمنية التي يزداد عددها باستمرار .

كريم منير، الذي يعيش في وسط البلد منذ ثلاث سنوات، تعرض شخصيا لعمليات الرقابة التي أصبحت تحيط بالمنطقة، ولتقييد الحريات الذي أصبح سمة لها.

لكن أسوأ ما يراه كريم هو التعدي الذي يقوم به المواطنون أنفسهم، ما يعكس حالة عامة من الشعور بالشك المفرط أصبحت تعم البلاد بأكملها.

في بدايات هذا العام كان كريم يسير مع صديقة له، حين قامت بالتقاط صورة بواسطة هاتفها المحمول وهما يسيران في اتجاه وزارة الأوقاف، فقام المارة باحتجازهما وأحضروا الشرطة وهم يصرخون أنه يجب إلقاء القبض عليهما ثأرا لدماء زملائهم الذين قتلوا، متهمين الاثنين بالانتماء للإخوان المسلمين.

موقع الهزيمة

هذا الشعور بالانزعاج من تضييق الشرطة يصاحبه شعور بفقدان الانتماء عند من يرتبطون بوسط البلد ارتباطًا سياسيًا. أثناء الثورة والفترة التي تلتها كان ميدان التحرير والشوارع المحيطة به موقعًا دائمًا للاحتجاجات وهو ما أصبح الوجود الدائم لقوات الأمن يحول دونه حاليًا.

بالنسبة لنيرة عبد الرحمن- باحثة تبلغ من العمر 26 عاما- كانت وسط البلد هي بوابتها للخروج من المجتمع الضيق للشرائح العليا من الطبقة الوسطى إلى المجتمع الأوسع. اعتادت عبد الرحمن أن تتجول في وسط البلد أثناء سنوات دراستها الجامعية. كان هذا هو  المكان الذي تعرفت من خلاله على المجتمع، والذي عقدت أثمن علاقاتها فيه، وهو المكان الذي ترى أنها حصلت فيه على أكثر  دروس حياتها قيمة.

تقول: “أشعر أنني أدين بالكثير  لهذا المكان. تعلمت الكثير، وما زلت أتذكر بعضًا من أثرى النقاشات في حياتي التي تمت في وسط البلد”.

وقد تعمقت هذه العلاقة مع مشاركتها في ثورة 2011، إلا أنها حاليا تشعر بنمو الشعور بالانفصال داخلها. وكانت اللحظة الفاصلة بالنسبة لها حين ألقي القبض على صديق لها عشوائيا في وسط البلد، ومكث على إثر ذلك شهرا في السجن.

“حين ذهبت إلى وسط البلد بعد هذه الحادثة، شعرت لأول مرة أنني لا أريد أن أكون هناك. شعرت بالشوارع تضيق عليّ. لا زلت أذهب ولا زلت أحب المكان ولكن ليس كما في الماضي. أحيانا أشعر بثقله”، تقول عبد الرحمن.

في العام الماضي بدّل المحامي أحمد فرج ومجموعة من أصدقائه- وكلهم ممن دعموا ثورة يناير- مكان لقائهم المعتاد من وسط البلد إلى السيدة زينب. يقول: “أصبح من الصعب علينا أن نرى ميدان التحرير الذي كان جبهة المقاومة السلمية في مصر وقد تحول إلى ثكنة عسكرية”.

أغلب الأماكن التي كان فرج يحب أن يمضي فيها وقته إما أزيلت أو أصبحت مليئة بالمخبرين، بحسب زعمه.

كانت آخر مرة تردد فيها فرج وأصدقاءه على وسط البلد في يونيو 2013، حين بدأ الزخم للاحتجاجات التي انتهت بإزاحة الجيش للرئيس السابق محمد مرسي.

يقول فرج: “بدأت أشعر  وقتها أن شيئًا ما خطأ، ومنذ ذلك الوقت لم يعد التحرير مكاننا.”

الازدهار الثقافي يستمر مع بعض الانتكاسات

تظل الساحة الثقافية هي أحد الجوانب المستمرة في الازدهار منذ عام 2011، وإن كان هذا الازدهار مصحوبًا ببعض التحديات ذات الصلة بالأمن.

تدير نيفين إبياري ورشات عمل في ستوديو  عماد الدين بوسط البلد وعملت في الساحة الثقافية بالمنطقة منذ عام 2005. تقول نيفين إن الانفتاح الذي حدث مع 2011 صحبه ازدهار كبير  للساحة الثقافية، قد يكون فقد بعضًا من زخمه، لكنه لم يختف تمامًا.

لقد كان الفن المستقل مهمشًا قبل عام 2011، بحسب إبياري، حين جاءت الثورة لتلقي عليه الضوء. وبدأت الفضاءات الفنية مثل “مركز الصورة المعاصرة” و”التاون هاوس” و”مسرح روابط” تظهر على السطح، كما بدأت الفرق الموسيقية محدودة الانتشار تشتهر.

بعد 2011 اتسع جمهور الفعاليات الثقافية بشكل كبير بما يتجاوز الحشد المعتاد على ارتياد وسط البلد.  وبدأ الناس في الانتباه إلى وجود مساحات بديلة وفي التعرف على الأنشطة الجارية في وسط البلد. وبدلا من الذهاب إلى دور السينما بدأوا ينفتحون على زيارة المعارض وحضور الندوات.

تقول إبياري: “تحول وسط البلد إلى مكان شاب ينتقل إليه الشباب ويتشاركون في السكن بعد أن كان مكانا لكبار السن والمحلات”.

على سبيل المثال اتسع ستوديو عماد الدين منذ ذلك الوقت وأصبح يضم فريقا كبيرا وعددا من المشروعات والأنشطة المتصلة بعد أن كان يضم أربعة أشخاص فقط.

حاليا، انطفأ الشعور بتلك النشوة، لكنها لم تمت تماما بحسب إبياري.

تتفق إبياري جزئيا مع الوجود الجديد للدولة في وسط البلد وتعترض على جزء منه. إذ أنها تدعم الحملة على الباعة الجائلين وتنظيم المرور، حيث ترى أن الفوضى وصلت حدًا مدمرًا تعذر معه استخدام الأرصفة وانسدت الشوارع بصفوف السيارات على الجانبين، التي قد تصل إلى صفين أو ثلاث.

ولكن التكثيف الأمني الأخير أدى بالتأكيد إلى تقييد القدرة على تنظيم الفعاليات التي كانت بلا قيود تقريبا لفترة قصيرة تالية على 2011.

تتذكر إبياري تنظيم فعاليات في الشارع دون الحاجة إلى تصريح، بل وكانت الشرطة توفر لها الحماية. الآن أصبح ذلك مستحيلا تمامًا حتى وإن حاول المنظمون الحصول على التصريحات اللازمة، حسبما تقول: “حاليا لا توجد تصاريح، والأسوأ من ذلك أنه لا يوجد منطق ” .

تقول إبياري أن البيروقراطية المصرية المعتادة بدأت من جديد تسيطر على وسط البلد. قد يمنع تصريح فاعلية بدون أي سبب، أو تتوقف عملية الحصول عليه فجأة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“مدى مصر” كان الراعي الإعلامي للمؤتمر الدولي للمدن المبدعة الذي نظمته كلاستر والجامعة الأمريكية بالقاهرة. سعى المؤتمر إلى جمع الأطراف المعنية التي كثيرا ما تبقى معزولة عن بعضها البعض، وأن تخلق قدرا من الشفافية أمام الرأي العام بشأن خطط التطوير العمراني الجارية في مصر. عُقِد المؤتمر من يوم 31 أكتوبر إلى 1 نوفمبر.

اعلان
 
 
هبة عفيفي