شيعة مصر في أتون التعصب الديني والصراع الإقليمي
 
 

لا يتجاوز عدد المنتمين للأقلية الشيعية في مصر بأي حال 1% من إجمالي السكان، ورغم ذلك، ففي السنوات الأخيرة تحولت احتفالات يوم عاشوراء في  مساجد مثل الحسين إلى مصدر سنوي لتصاعد التوتر بين المسلمين الشيعة من ناحية والسلفيين والدولة من ناحية أخرى. لكن الشيعة يشكون من التمييز والتضييق طوال أيام العام، على الرغم من التصريحات الرسمية والوعود المستهلكة حول بناء مصر جديدة على أساس من احترام التسامح الديني وحرية المعتقد ومناهضة التطرف.

لم يكن الأمر هذا العام مختلفا، حيث أعلن محمد عبد الرازق، وزير الأوقاف، قبل يوم من حلول ذكرى عاشوراء في الجمعة الموافق 23 أكتوبر الجاري–-والتي يحيي فيها الشيعة ذكرى مقتل الحسين، أحد أحفاد النبي، في عام 680 ميلاديا- أن الوزارة لن تسمح للمسلمين الشيعة بإقامة مظاهر الاحتفال بعاشوراء هذا العام، وأمر بإغلاق عدد من المساجد من الخميس إلى السبت، خاصة في مساجد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة.

وأضاف عبد الرازق أن “الشيعة يستغلون يومي تاسوعاء وعاشوراء ، للاحتفال بمعتقداتهم من خلال طقوس خاصة مثل لطم الخدود وشق الجيوب، في مخالفة لتعاليم الكتاب والسنة”.

كما برر تصريح صادر عن وزارة الأوقاف إغلاق المساجد على أساس “أن الاحتفال قد تترتب عليه طقوس لا أساس لها في الإسلام وقد تتسبب في حدوث مشاكل.”

“لم يعد الأمر يتعلق بالدين”

قبل عدة أشهر من حلول ذكرى عاشوراء، ألقت قوات الأمن في يوم 18 مايو من هذا العام على الشيخ الشيعي طاهر الهاشمي، حيث اقتحمت قوات الأمن الوطني مسكنه في الدقي وصادرت منه كتبا وممتلكات أخرى. واتهمت النيابة الهاشمي بإدارة جماعة سرية، وطباعة كتب عن الإسلام الشيعي بدون تصريح، وانتهاك قانون الأزهر، وخرق حقوق الملكية الفكرية، بحسب موقع ميدل ايست آي.

الهاشمي عضو في المجمع العالمي لأهل البيت، وهو منظمة شيعية دولية تأسست في طهران بمباركة آية الله الخميني في عام 1990. وقد سبق للهاشمي أن انتقد عملية عاصفة الحزم السعودية على اليمن، كما طالب بتمكين الشيعة المصريين من ممارسة ديانتهم بحرية في مصر.

في نفس الوقت، وبحسب جريدة البوابة المقربة إلى الحكومة، فقد ادعى ناشط سلفي يحمل اسم وليد إسماعيل أنه تواصل حديثا مع السلطات كي تلقي القبض على الهاشمي بسبب نشره الفتنة وترويجه للإسلام الشيعي، بل ووجههم إلى عنوان مسكنه.  ويقدم إسماعيل نفسه كشخصية قيادية في جماعة سلفية تطلق على نفسها اسم “ائتلاف المسلمين للدفاع عن الصحابة وآل البيت”، والتي طالما هاجمت الشيعة المصريين واحتفالهم بذكرى عاشوراء في جامع الحسين بالقاهرة في الماضي.

في تصريحات صحفية بعد إخلاء سبيله قال الهاشمي إن القضية “تكشف سوء المعاملة التي يعاني منها الشيعة المصريون”، على حين قال المحامي يوسف قنديل الموكل عنه لـ”مدى مصر” أن قضية الهاشمي مجرد نموذج “للإستراتيجية الجديدة” التي تنتهجها الحكومة المصرية تجاه الشيعة.

وأضاف قنديل لـ”مدى مصر” أن “الأمر يتعلق بالتمييز القانوني ضد الشيعة”، مفسرا أن ملاحقات المسلمين الشيعة وراءها دوافع سياسية وليس الإسلام، مشددا على أن “الأمر لم يعد يتعلق بالدين”.

أخلي سبيل الهاشمي في أواخر شهر مايو على ذمة القضية مقابل كفالة قدرها ألف جنيه. والآن يستطيع الأزهر ووزارة الثقافة أن ينظروا فيما توفر من أدلة نتيجة اقتحام منزل الهاشمي ليقرروا الخطوات التالية، حسب قول قنديل.

حتى الآن لم تتحرك القضية ولم تحلها النيابة إلى المحكمة أو تصدر قرار اتهام بشأن الهاشمي.

مع ذلك فقد سلطت السلطات في مصر خلال السنوات الأخيرة غضبها على عدد من أفراد الشيعة المصريين الأقل شهرة. 

الشيعة وقضايا ازدراء الأديان

قبل إلقاء القبض على الهاشمي بأسبوع واحد، صدر حكم قضائي بإدانة محمود دحروج، طبيب أسنان من محافظة الدقهلية، بالسجن ستة أشهر بتهمة ازدراء الأديان و”إحراز كتب ومطبوعات تثير الفتنة الطائفية”، بحسب المادة 98(و) من قانون العقوبات المصري التي تجرم “تحقير أو ازدراء الأديان السماوية أو إثارة الفتنة الطائفية”. وكانت السلطات قد اقتحمت مسكن دحروج حيث وجدت كتبا عن الإسلام الشيعي وأشياء أخرى “يستخدمها الشيعة في ممارسة الطقوس الدينية”، بحسب تعليق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على الحكم.

مثل هذه القضايا ليست نادرة. فبحسب تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في عام 2014، شهدت مصر في الفترة ما بين ثورة 2011 ونهاية عام 2012 محاكمات قضائية لعشرة من المسلمين الشيعة، وهو ما يمثل 27% من إجمالي المسلمين المتهمين في قضايا ازدراء أديان خلال تلك الفترة. كما واجه ستة متهمين آخرين الاتهام بنشر الفكر الشيعي رغم تأكيدهم أنهم من المسلمين السنة، إضافة إلى 26 قبطي شملتهم مثل هذه القضايا في نفس الفترة.

وقد وثق التقرير الذي صدر بعنوان “حرية الفكر تحت الحصار: قضايا ازدراء الأديان في عامين بعد الثورة” 36 قضية شهدت انتهاكات للحريات المدنية والحق في حرية المعتقد والتعبير لشيعيين وغير شيعيين. 

ومنذ بداية 2015 ارتفع عدد قضايا ازدراء الأديان إلى 17 قضية شملت كل الأطراف، من ملحدين إلى أقباط إلى مسلمين شيعة وسنة، بما في ذلك قضية واحدة ضد مسلم شيعي – دحروج – رغم أن الهاشمي قد يكون التالي في حال تم تحريك القضية.

إسحاق إبراهيم، من برنامج حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وكاتب التقرير، ذكر لـ”مدى مصر” إنه بعد وصول الجيش إلى السلطة في 3 يوليو 2013 “انخفضت وتيرة خطاب الكراهية الحكومي ضد الشيعة لفترة من الزمن، لكنها عادت للتسارع مرة أخرى منذ منتصف 2014 حين حاول العديد من الجماعات السلفية تصوير الشيعة باعتبارهم العدو، وتحريض الحكومة على القبض عليهم”.

لكن هناك عنصرا آخر تزامن مع هذه التصاعد، ولا علاقة له تُذكر بالدين.

“فزاعة الشيعة”

كثيرا ما تصور المؤسسة الدينية السنية الإسلام الشيعي باعتباره تشويها للإسلام السني “الصحيح”، وذلك رغم اعتراف الأزهر بالشيعة كأحد المذاهب المقبولة للإسلام منذ عام 1959.

في عاشوراء من هذا العام تحدث مسئولون في وزارة الأوقاف الأسبوع الماضي عن “مغالطات” المذهب الشيعي “الذي لا أساس له في الإسلام”.  إلا أن مثل هذه المشاعر لا تقتصر على عاشوراء.

ففي شهر مايو الماضي أيضا أسس عدد من الباحثين والعلماء الإسلاميين جماعة أطلقوا عليها اسم “الأئمة”، تستهدف مناهضة انتشار الإسلام الشيعي في مصر.

وفي بدايات العام الجاري أعاد الأزهر طباعة كتاب صدر منذ نحو ستين عاما بعنوان “الخطوط العريضة لدين الشيعة“، والذي أكد على أن الإسلام الشيعي  ليس مذهبا إسلاميا وإنما هو دين قائم بذاته. وفي تقديم جديد للكتاب ادعى الباحث الإسلامي محمد عمارة أن المسلمين الشيعة كانوا عبر التاريخ متحالفين مع الصليبيين والإمبريالية الأمريكية-الصهيونية-المسيحية ضد المسلمين.

بحسب وثائق ويكيليكس السعودية، والتي حصل “مدى مصر” عليها حصريا من خلال مذكرة تفاهم،  فإن الخوف من “الزحف الشيعي” عادة ما يتم التعامل معه من بالتعاون بين الأزهر والمملكة العربية السعودية

إحدى تلك الوثائق المرسلة من رئيس المخابرات السعودية إلى عدد من المسئولين داخل المملكة بما في ذلك وزير الخارجية، حذرت من أن “المذهب الشيعي وجد مساحة كبيرة للتوسع بعد ثورة 25 يناير” وأضافت “أن الحركة الشيعية انتهزت هذه الفرصة وضاعفت من نشاطها ورفعت من سقف مطالبها.”

وثيقة أخرى، أرسلها وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل إلى رئيس الديوان الملكي ادعى فيها أن مصطفى بكري مالك صحيفة “الأسبوع” وصاحب أحد البرامج التليفزيونية المصرية- والمنتخب مؤخرا لعضوية مجلس النواب القادم- التقى السفير السعودي في القاهرة وأخبره أن إيران تسعى للتواصل مع قنوات إعلامية مصرية بهدف اجتذابها.

ثم عبر بكري عن رغبته في تحويل جريدته الأسبوعية إلى جريدة يومية وتأسيس حزب سياسي وإطلاق فضائية تليفزيونية لتكون “صوتا قويا ضد الشيعة، بحسب الوثيقة.

في كل من تلك الحالات لا يتم الحديث عن الشيعة باعتبارهم يمثلون تهديدا دينيا فحسب، بل هم مصدر للقلق السياسي أيضا.

تذكر هولي داجرس، المحللة السياسية الإيرانية الأمريكية والمتخصصة في شئون الشرق الأوسط، أن القوى والتطورات الإقليمية سبق لها أن أثرت على حياة الشيعة المصريين من قبل. وتقول إن “الطائفية أداة طالما استغلتها القوى الإقليمية لتبرير أجنداتها وطموحاتها السياسية. فإيران تستخدم الشيعة لدعم أجندتها في العراق وسوريا ولبنان. والسعودية تستخدم الشيعة “البعبع الإيراني” لتبرير تدخلها في سوريا واليمن وذلك رغم دعمها السابق للحوثيين في السبعينيات”.

وترى داجرس أوجه شبه بين المخاوف الحالية من الهلال الشيعي وبين الفزع الأحمر خلال الحرب الباردة.

مع “فزاعة الشيعة” هذه يصبح من السهل نسيان أن مصر لم تكن لديها تاريخيا أي مشاكل مع الإسلام الشيعي.

تقول داجرس: “لقد كان شاه إيران الشيعي متزوجا من الأميرة المصرية السنية فوزية. وفي عام 1959 أصدر الأزهر فتوى باعتبار الإسلام الشيعي أحد مذاهب الإسلام. وظل الأمر على هذا الحال حتى غزو العراق في عام 2003 حين بدأ نظام مبارك الهجوم على الشيعة”.

على المستوى الإقليمي تلعب الشعبية المتنامية للفكر السلفي والوهابي أيضا دورا هاما. حيث تقول داجرس إن “بعض الادعاءات الوهمية القادمة من بعض دول الخليج تصر أن الإيرانيين يسعون إلى استعادة امبراطوريتهم [الفارسية]”.

شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات كبيرة منذ عام 2011، وبعض هذه التغيرات يتم تقديمه كثيرا في إطار رواية أحادية طائفية تصور كافة الأحداث السياسية وكأنها جزء من معركة حياة أو موت مستمرة منذ القرون الوسطى دون انقطاع بين الإسلامين السني والشيعي. وبالتالي تتدعي هذه المدرسة في التفكير أن عملية عاصفة الحزم بقيادة السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن هي معركة طائفية بحتة، وأن التقارب الظاهري بين أوباما وإيران طائفي الهدف والتأثير، وكذلك معركة الوجود بين قيادة حزب الله ممثلة في حسن نصر الله وجبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني في سوريا، وهكذا.

لكن الطائفية هي أيضا شأن سياسي.

لا يعتقد إبراهيم من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الطائفية التي تمزق المنطقة هي الحافز الرئيسي حين تحكم محكمة مصرية على شخص ما بتهمة ازدراء الأديان لأنه يمارس عباداته أو لأنه افتراضا يحاول “نشر” الإسلام الشيعي.  لكنه يضيف أن تصاعد الطائفية في الإقليم واقع لا يمكن إنكاره.

“لقد عدنا إلى زمن يعتقد فيه الناس أن الشيعة تعني إيران”، يقول إبراهيم.

يوافقه في ذلك عمرو عزت، الباحث أيضا في وحدة حرية المعتقد بالمبادرة المصرية: “التغيرات الإقليمية وظهور الحوثيين في اليمن والحرب في سوريا والصراع بين داعش والشيعة في العراق.. كل ذلك يزيد توتر الموقف بين السنة والشيعة، لكنه ليس أصل المشكلة”.

وبالتالي فإن هناك اعتقادا متصاعدا بأن الإسلام الشيعي ليس مذهبا دينيا فحسب، بل وحركة سياسية هدامة أيضا.

يفسر إبراهيم ذلك كالتالي: “هناك قضيتان مختلفتان  – الأيديولوجية الدينية والأيديولوجية السياسية. بحسب ادعاءات السلفيين  فإن الشيعة دائما ما يهينون الرموز الإسلامية، وفي نفس الوقت حين يتصل الأمر بالسياسة فإن ذلك يؤجج الكراهية ضد الشيعة في كل مكان”.

“أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يجتمع الموقفان في نفس الوقت”.

 

اعلان
 
 
توم رولينز