هل يمكن استعادة الفرصة الديجولية التي ضاعت على مصر؟

يقال إن التاريخ هو معمل التجربة السياسية.. وهذا صحيح، بشرط أن يعني تاريخنا وتاريخ غيرنا من الشعوب بل وتاريخ الإنسانية كلها.

لذا كانت دروس التاريخ، وستبقى مدخلا بالغ الأهمية للفهم والحكم والتنبؤ.. النظام السياسي الذي يتعلم منها هو القادر على النجاح، والنظام أو القائد السياسي الذي يتجاهلها أو يتذاكى عليها مصيره الفشل.

ما أقرب دروس التاريخ التي كان يجب على النظام السياسي المصري أن يتعلمها في ضوء الإخفاقات المتتالية لنظام 23 يوليو 1952، في إقامة حياة سياسية قابلة للتجدد مع متغيرات التطور الداخلي، والعالمي، حياة سياسية لا تُعرّض الوطن والمواطن لأخطار الانفصام في النظام ذاته ما بين ناصرية وساداتية، مع العجز عن التنمية المستدامة، وصراعات القوة في أعلى السلطة، وأزمة الثقة بين المواطن وحكومته بسبب الافتئات على حقوق المواطنين تلبية لاحتياجات الأمن السياسي، فضلا عن شيوع الفساد، والظلم الاجتماعي، والعقم الفاضح للإدارة العامة، وتردي التعليم والبحث العلمي.

الدرس الأقرب لنا زمانًا ومكانًا هو درس فرنسا الديجولية، وهذه هي الأسباب:

كان نظام الجمهورية الثالثة الفرنسية (البرلماني) قد وصل إلى حالة من العجز والتيه قبيل الحرب العالمية الثانية، بسبب تناحر الأحزاب السياسية، وكانت هذه الأحزاب متكافئة في الوزن الانتخابي لليمين ككل أو اليسار ككل، بمعنى أن هامش الفوز في الانتخابات كان ضئيلًا للغاية، بما لا يسمح بقيام حكومة قادرة على اتخاذ القرارات المهمة، فضلا عن القدرة على الاستمرار.

لذا.. فإن فرنسا شهدت تغييرًا حكوميًا كل ستة أشهر تقريبًا بعد سقوط حكومة الجبهة الشعبية عام 1936.

وفي موضع تال من هذا المقال، سوف نرى أن هذا الحال البائس قد استمر في نظام الجمهورية الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال له بقايا في نظام الجمهورية الخامسة الذي أقامه ديجول لتخليص فرنسا من هذه المأساة، وتتمثل هذه البقايا في أن هامش الفوز الانتخابى لكل رئيس جمهورية فرنسي لم يتجاوز نسبة 3% من الأصوات، إلا في حالة ديجول في فترته الرئاسية الأولى، مما يدل على استمرار التكافؤ النسبي بين قوة اليمين الانتخابية ككل، وقوة اليسار الانتخابية ككل.

ماذا كان يحدث في مصر في تلك الحقبة؟

كان التناحر الحزبي مستمرًا بين حزب الوفد صاحب الأغلبية الحقيقية، وأحزاب الأقليات، ليس بسبب التكافؤ النسبي في القوة الانتخابية -كما كان الحال في فرنسا- ولكن بسبب دخول القصر الملكي طرفًا في اللعبة السياسية لتعويض أحزاب الأقلية عن فقدانها الشعبية في مواجهة الوفد، ولكي يحتفظ القصر بالكلمة العليا في شؤون الحكم، وبالطبع لم تعرف مصر- مثلها مثل فرنسا- حكومة أكملت مدتها، أو برلمانًا استوفى دورته التشريعية.

أورثت هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، واحتلالها من جانب الألمان بسبب فوضى الحكم فيها ديجول شكًا عميقًا في جدوى الأحزاب السياسية، أو لنقل أورثته الهزيمة عدم ثقة في الأحزاب؛ لأن تناحرها وانشغال كل جانب منها بالمؤامرات البرلمانية لإسقاط خصمه، والحلول في الحكم محله، أعجزها عن أن تستمع لتحذيرات “الكولونيل” ديجول وقتها من عدم كفاية الجيش الفرنسي لمواجهة الحرب الآتية لا محالة مع ألمانيا الهتلرية، كما عجزت تلك الحكومات عن اتخاذ القرارات المطلوبة لرفع كفاءة الجيش، بل كان هناك تيار يقوده المارشال فيليب بيتان (بطل الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا) يثبط أي جهد يقوم به ديجول ومؤيدوه من السياسيين، ويدعو علنا إلى الاستجابة لكل مطالب هتلر حتى من قبل أن تبدأ الحرب.

ينسب لديجول أنه أطلق في تلك الفترة عبارته التي يقول فيها: “إن السياسة أخطر من أن تترك للسياسيين”، لكننا سنرى فيما يلي أنها ليست كفرًا بالسياسة نفسها، بقدر ما كانت كفرًا بالسياسيين من الطراز الذي حكم فرنسا في جمهوريتها الثالثة بعد الحرب العالمية الأولى، والدليل أنه كان شديد الإعجاب بالزعيم السياسي لفرنسا في أثناء الحرب نفسها، أي جورج كليمنصو.

وفي مصر أورثت فوضى العهد الملكي السياسية، وعجز النظام السياسي بسبب هذه الفوضى في تحقيق الحد الأدنى من مطالب الجماعة الوطنية في الاستقلال، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، وهزيمة 1948 في فلسطين أورثت ضباط يوليو حالة انعدام ثقة في السياسة والسياسيين، بل وربما حالة ازدراء للعمل السياسي ككل..

حتى إن جمال عبد الناصر نفسه قال ذات مرة في خطاب عام في أوائل الستينيات، إنه يفخر ويحمد الله على أنه ليس سياسيًا، وكان الرجل وقتها في ذروة زعامته (على الرغم من انهيار الوحدة المصرية السورية).

(لمراجعة مزيد من مواقف رؤساء يوليو من السياسة والأحزاب طالع على الجانب مقالنا “السلطة كفاعل أصلي في ضعف الأحزاب“).

لن نقف طويلًا أمام تجربة ديجول الأولى على رأس الحكومة الانتقالية في فرنسا بعد التحرير؛ لأنه استقال واعتزل الحياة السياسية، بسبب رفض الأحزاب- ومن ثم الجمعية التأسيسية- لشروطه للبقاء على رأس الحكومة بعد الانتخابات، والتي تمثلت في إقامة نظام رئاسي، بما يتيح تشكيل حكومة قوية وقادرة على الاستمرار، ولأننا في حاجة إلى الانتقال بسرعة إلى تجربته بعد عودته إلى السلطة عام 1958 بطلب شعبي، رضخت له الأحزاب لإنقاذ هيبة فرنسا التي ضاعت في حرب التحرير الجزائرية، ومن قبلها في حرب السويس على مصر، ومن قبلهما في معركة “ديان بيان فو” التي ألحقت الهزيمة النهائية بفرنسا في حرب تحرير فيتنام.

فهذه التجربة هي المفعمة بالدروس الصالحة لمصر، وكل ما سبق كان تمهيدًا ضروريًا للوصول إليها، ولكن علينا أن نتذكر قبل ذلك أن مصر تعرضت في حرب 1967 لمهانة مماثلة لما جرى لفرنسا في “ديان بيان فو” والسويس، وفي الجزائر، وعلى أيدي ضباط يوليو أنفسهم، الذين عادوا وصححوا الوضع في حرب 1973 بالتفاف كامل من الشعب حولهم، إلا أنهم لم يستوعبوا أبدًا الحاجة الماسة إلى تعديل بنية النظام نفسه، وفتح الأبواب للمشاركة السياسية لقوى المجتمع.

أول ما يستلفت النظر في تجربة ديجول الثانية في حكم فرنسا، أي تجربة الجمهورية الخامسة، أنه أدرك خطأه الشخصي في التجربة الأولى، وصحح هذا الخطأ.

تمثل هذا الخطأ في أنه- وبسبب رأيه السلبي السابق ذكره في الأحزاب- كان مصممًا على تجاوز هذه الأحزاب، وحكم فرنسا من فوق رؤوسها، تحت لافتة قائد وشعب فقط، لذا عزف عن تشكيل حزبه، ولم يرتبط بأي من الأحزاب القائمة، وروج لنفسه بأنه فوق الأحزاب، وأنه يمثل فرنسا كلها التي قال إن صوتها بالنسبة إليه هو صوت الله، لكنه لم يعمل على تقويضها، ولم يحرض على تشويهها، وفضل الابتعاد قائلا إنه سيجلس بجانب الهاتف بمنزله ينتظر استدعاء فرنسا له مرة أخرى، دون أن يمن على وطنه أنه أنقذه من مهانة الاستسلام لهتلر- كما فعلت حكومة فيشى. وأسس في الخارج حركة فرنسا الحرة، وجيش التحرير، وألهم ونظم المقاومة في الداخل، وشارك جيوش الحلفاء في حرب التحرير ذاتها، وطبعًا دون أن يتهم الشعب الفرنسي بالجحود.

إذن كان عليه، وهو عائد لإنقاذ فرنسا مرة ثانية أن لا يتعالى على الشروط الضرورية للحياة السياسية، التي لم ينفعه فيها، ولم ينفع فرنسا فيها في المرة السابقة إيمانه بأنه فوق الأحزاب، وأنه يمثل الوطن كله، ولكن ما العمل، وهو لا يريد أن يغير موقفه الأول بمقدار 18 درجة، فيشكل حزبًا، ويصبح أحد رجال السياسة بالمعنى الحزبي الضيق.

هنا ابتكر الرجل صيغة عبقرية، فأوحى إلى كل السياسيين الذين ارتبطوا به في حرب التحرير، والذين يؤيدون رؤاه بأن يشكلوا هم الحزب المطلوب، دون أن يكون هو عضوًا فيه، فضلًا عن أن يكون زعيمًا رسميًا له، وهكذا ظهر إلى الوجود حزب أو جبهة الدفاع عن الجمهورية، وضم ساسة من الطراز الرفيع من أمثال ميشيل دوبريه، وجاك شابان ديلماس، وموريس كوف دي مورفيل، وجورج بومبيدو، وجاك شيراك، وحلفاء مهمين مثل فاليري جيسكار ديستان، وأصبح هذا الحزب (أو التيار) هو الجامع لقوى الوسط في البلاد، وأصبح الاسم الشائع له هو الحزب الديجولي، أوالتيار الديجولي، أي أنه لم يصطنع سياسيين من الموظفين السابقين وأمثالهم ممن لا يستمدون قوتهم إلا من السلطة وأجهزة الأمن.

وبدلًا من أن يدعو إلى جمعية تأسيسية لوضع الدستور الذي يطمح إليه، قرر أن يضع  الدستور بنفسه (من خلال لجنة فنية وسياسية بطبيعة الحال)، ويطرحه للاستفتاء الشعبي، على أن يقود هو بنفسه، ومعه كل الديجوليين الدعوة إلى إقراره، وسط حالة من الرقص الشرس من معسكر اليسار، فقال فرانسوا ميتران زعيم الحزب الاشتراكى (والرئيس فيما بعد على الدستور الديجولي): “إن ديجول 1958 ليس ديجول 1941: ففي عام 1941 كان الشرف والوطن رفيقيه، أما في عام 1958 فإن الرجعية والدكتاتورية هما رفيقاه”.

بإيجاز، فهم الفرنسيون هذه المرة رسالة ديجول من مشروع دستوره؛ فإذا كان مرض فرنسا السياسي هو تناحر الأحزاب المنقسمة بالتساوي تقريبًا بين معسكرين، مما يعني ضعف الحكومات، وسقوطها سريعًا، فلنعط البلاد نظامًا يحقق الاستقرار، ولا يلغي التنوع، أي نظام رئاسي، ينتخب فيه الرئيس مباشرة من الشعب، ومن ثم لا يكون عرضه لابتزاز الأحزاب، ومؤامراتها البرلمانية، ولكن لكي لا يتحول الرئيس إلى دكتاتور فلتكن الحكومة المنبثقة عن برلمان منتخب (أيضًا) ذات اختصاصات أصلية، ما دامت تتمتع بالثقة النيابية.

وهو ما أسفر عند التطبيق عن عُرف دستوري سياسي، يؤدي إلى اعتبار السياسة الخارجية والدفاع اختصاصًا أصليًا للرئيس، أما إدارة شؤون الداخل فهي جميعها من اختصاص الحكومة.

وقد بقى الديجوليون يحرزون الأغلبية النيابية إلى جانب منصب الرئيس حتى عام 1981، حين فاز ميتران كأول رئيس جمهورية يساري في الجمهورية الخامسة، وبعده عاد الديجوليون لثلاث فترات رئاسية، قبل أن يفوز الرئيس الحالي هولاند كثاني رئيس جمهورية يساري على الدستور الديجولي، بل نجحت تجربة الرئيس الاشتراكي مع حكومة ديجولية في الفترة الثانية من حكم ميتران.

إذن فإن ديجول أعطى فرنسا نظامًا سياسيًا قويًا وديمقراطيًا في آن واحد، وصحح الحياة السياسية، ولم يدمرها باسم ثقة الشعب فيه، رغم أنه أنقذ فرنسا مرتين، مرة حين انتدب نفسه بعد الهزيمة أمام ألمانيا، والأخرى حين استدعاه الفرنسيون أنفسهم من عزلته- كما سبق البيان.

كل ما فعله هو تشخيص المرض، ووضع العلاج المناسب له…

وربما كانت الجرعات زائدة في بعض الأحيان، ولكنها لم تزد إلى الحد الذي يقضي على المريض بدلًا من أن يشفيه.

مثلاً، مبالغة منه في الحرص على الاستقرار جعل مدة الرئاسة سبع سنوات قابلة للتجديد، ومبالغة منه في تفادى أثر المناورات البرلمانية على أداء الحكومة، اختزل في البداية فترات انعقاد الجمعية الوطنية (البرلمان)، ثم أعادها إلى الوضع الطبيعي في تعديل دستوري عام 1965، وهو نفسه لم يكمل مدته الدستورية الثانية، إذ استقال بعد أن رفض الفرنسيون في استفتاء عام مقترحاته لتعديلات دستورية، إثر ثورة الطلبة عام 1968، أي أنه قبل مقتضيات الديمقراطية، وكان الرئيس الفرنسي الوحيد الذي أكمل مدتين رئاسيتين أي 14 سنة هو الاشتراكي ميتران المعارض الشرس لدستور ديجول، قبل أن يخفض خلفه الديجولي جاك شيراك المدة الرئاسية إلى خمس سنوات في تعديل للدستور، وصحيح أنه عدل النظام الانتخابي بإلغاء الدوائر المستقلة في حزام باريس الصناعي (معقل الطبقة العاملة الموالية للحزب الشيوعي)، لكن لم يزور الانتخابات، ولم يستخدم جهاز الدولة في التآمر على الأحزاب المنافسة، وتدميرها من داخلها، ولم يضطهد أنصارها، ولم يعط القانون إجازة، ويطلق العنان للشرطة لقمع معارضيه، ولم يتبن في أية لحظة سياسة الامتيازات الفئوية، ولم يجعل لنظامه قاعدة غير انتخاب الشعب له، وللأغلبية البرلمانية الممثلة للتيار الديجولي دون أي امتيازات خاصة، أو محاباة لهذا التيار، لا من المال العام، ولا من سلطات الدولة، ولم يعطل الرقابة البرلمانية والمحاسبية على الإنفاق الحكومي، ولم يمتلك الصحف والإذاعة والتليفزيون باسم الدولة، ولم تكن البنوك الكبرى مملوكة للدولة في الأصل كما هو الحال في مصر، أما القضاء فقد ظل مستقلًا كما كان دائمًا.

السؤال الآن: كيف أضاعت مصر الفرصة الديجولية على نفسها؟

والاجابة: أن هذه الفرصة كانت سانحة  في محطات رئيسية عدة، فكانت متاحة أمام جمال عبد الناصر بعد حرب السويس عام 1956، وأتيحت لأنور السادات بعد حرب 1973، وأتيحت مرة ثالثة لحسني مبارك عقب اغتيال السادات، ثم أتيحت له عقب إسقاط الديون ونجاح سياسة الإصلاح المالي والنقدي في أوائل التسعينيات، وأتيحت له هو نفسه أيضا عام 2005 حين اشتد الحراك السياسي المجتمعي، لكن المشكلة أن أحدًا منهم لم يكن مؤمنًا بالسياسة والمشاركة المجتمعية (مرة أخرى راجع مقالنا المجاور بعنوان “السلطة كفاعل أصلي في ضعف الأحزاب”).

لكن الفرصة الأكبر هي التي أتيحت في ثنايا الإطاحة بحكم الإخوان بثورة 30 يونيه، فقد كانت كوادر جبهة الإنقاذ، والكوادر الشبابية التي التفت حول حركة “تمرد”، صالحة لأن تشكل تيارًا رئيسيًا في الحياة السياسية المصرية للدفاع عن الجمهورية، والدولة الوطنية، وكان من الملح وقتها أن يؤمن الشريك الثاني- أي القوات المسلحة- بأن هذه فرصة تاريخية لتدارك أخطاء نظام يوليو.. وأن النفور من السياسة وكراهيتها، وازدراء السياسيين، أو استخدامهم كمناديل ورقية تلقى بعد ذلك، لم يعد على مصر ولا على نظام الحكم، ولا على رئيس الجمهورية نفسه بأية فائدة، بل العكس هو الصحيح.

لذا لا يفهم الكثير حتى الآن لماذا عزف الرئيس عبد الفتاح السيسي- ولا يزال- عن تشجيع تكوين تيار سياسي أصيل من المؤمنين بقيم الدولة الوطنية والنظام الجمهوري، وليس شرطًا أن يتزعمه، ولكن الشرط الواجب والذي لا غنى عنه أن يكون حزبًا حقيقيًا من ساسة حقيقيين، وأن تتاح لهم المساحة الحقيقية للمشاركة، وأن يكون مقبولًا أن يختلفوا مع الرئيس الذي يساندونه عندما يتطلب الأمر ذلك تصويبًا، أو طرحًا لسياسات بديلة أفضل.

مع الحرص كل الحرص على وقف استخدام سلطات الدولة والمال العام لإضعاف الأحزاب المنافسة.

إن الحديث المتوالي عن ضعف الأحزاب، لا يعيب هذه الأحزاب وحدها، ولكنه يعيب النظام السياسي كله، بل إنه يهدد الجميع، إذ لا يبقى هناك حائط صد أمام عودة أو ظهور بدائل غير ديموقراطية، وغير مدنية، ومتجاوزة للوطنية لتملأ الفراغ السياسي في قاع المجتمع.

سيقول الكثير، وهم يقولون الآن بالفعل، إن مصر ليست فرنسا ذات الماضي السياسي الحافل بالأحزاب والخبرات والمكتملة البناء الطبقي، أرض التنوير، وملهمة العالم مبادئ الحرية والإخاء والمساواة، لكن هذا القول غير دقيق، وهو يظلم المصريين، من ناحيتين: الأولى أن مصر في منطقتها هي رائدة الحداثة والتنوير، والطموح الديموقراطي، والثانية أن الشعب الفرنسي ونخبته ارتكبا أخطاء لا تقل في فداحتها عن أخطاء الشعب المصري ونخبته السياسية، وقد ذكرنا نماذج منها قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، ونذكر نماذج أخرى الآن، منها رضوخهم لانقلاب نابليون الأول على النظام الجمهوري، ومساندته في حروبه القارية التي ضعضعت فرنسا، وأدت إلى هزيمته النهائية، ومنها محاولة استعادة “هذه الأمجاد النابليونية”، بانتخابهم لابن أخيه “لويس بونابرت” رئيسًا للبلاد عام 1848، ثم رضوخهم لانقلابه على الجمهورية، وإعادة ما يسمى بـ “الامبراطورية الثانية أوالشعبية” عام 1853، حتى أهينت فرنسا مرة أخرى بهزيمة ساحقة أمام ألمانيا عام 1870.

وسيقول آخرون.. لكن القوى المجتمعية في مصر ليست منظمة، وذات جذور عميقة كمثيلتها في فرنسا، ولكن ذلك يتأتى بالتراكم، وليس بالوأد المتوالي لكل تجربة على طريق الديموقراطية.

ويقول الجميع إن مصر محاطة بالأعداء والمتآمرين، وهي منذ بزوغ دولتها الحديثة مطمع للقوى الخارجية، وهذا أيضًا كان حال فرنسا، منذ الحروب النابليونية، وبعدها، فكانت فرنسا أيضًا محاطة بالأعداء، واحتل الألمان عاصمتها مرتين في أقل من سبعين سنة، ولم تتحرر فرنسا من الاحتلال الألماني اعتمادًا على نفسها فقط.

حجة رابعة وأخيرة للقائلين بأن مصر مختلفة؛ لأن فيها قوى لا تؤمن بالديموقراطية، ولا بالحكم الوطني، وهؤلاء ينسون أن الشيوعيين في كل أوروبا- ومن بينها فرنسا- لم يكونوا يؤمنون بالديموقراطية، وظلوا حتى قيام الحرب العالمية الثانية يخططون للاستيلاء على السلطة بالقوة (الثورة الحمراء).

ولكن الديموقراطية هي التي روضتهم، وألزمتهم بالسعي للسلطة من خلال الانتخابات والبرلمان، حتى سقطت الأسطورة الشيوعية بسبب قصورها الذاتي.

إذن أين يكمن الفرق الحقيقي بين فرنسا ومصر، وبين ديجول وضباط يوليو ومن يسير على دربهم.. هنا تظهر أهمية دور الفرد في التاريخ.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد