في النوبة.. احتفاء حذر بمقعد البرلمان
 
 

يبدو أن بعض المعلومات التاريخية المتعلقة بالنوبة معروفة لدى جميع سكان قرية بلّانة، الموجودة بالنوبة الجديدة على بعد ٤٠ كم من مدينة أسوان، حيث تم نقل النوبيين بعد تهجيرهم على أربع مراحل انتهت في عام ١٩٦٤ لبناء السد العالي.

“تعرفي إن النوبيين حكموا إمبراطورية تمتد من السودان إلى تركيا؟”، يسأل الموظف الحكومي شوقي حسين. “وأن كلمة السر التي استخدمت في حرب أكتوبر هي الكلمة النوبية “أوشر” يعني اضرب؟”، يضيف سليمان سري، أكبر الأفراد عمراً في مجموعة تجلس داخل أحد بيوت الضيافة الخاصة بالقرية استعداداً لمقابلة أحد المترشحين في الانتخابات البرلمانية الحالية التي يصوت فيها النوبيون على مقعد مستقل خاص بهم للمرة الأولى منذ عقود.

يشارك جميع الموجودين بمزيج من المعلومات والأساطير المماثلة ليؤكدوا على فخرهم بأصولهم النوبية، مشيرين إلى إنجازات حضارتهم ليوضحوا فجاجة ما تعرضوا له من ظلم.

فقد النوبيون مقعديهما بالبرلمان في الثمانينيات تحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك، حين تم تخصيصهما لصالح مدينة الزرقا بدمياط، بينما تقاسمت النوبة مقعدين مع منطقة كوم أمبو المجاورة.

بعد إعادة توزيع الدوائر الإنتخابية في شهر يونيو الماضي، استرجع النوبيون مقعدًا واحدًا في مجلس النواب. واعتبر أهالي بلّانة هذا التطور خطوة أولى طال انتظارها في طريق طويل لرفع الظلم عن النوبيين.

ولكن على الرغم من ذلك، لا يزال البعض لديه تشكك في أن هذا النصر الصغير سيؤدي إلى أي حلول لمشاكل المجتمع النوبي الأكثر إلحاحاً.

مثل القرى الـ٤٤ لمنطقة نصر النوبة، المعروفة بالنوبة الجديدة، تعاني بلّانة من ضعف في جميع الخدمات الأساسية. بالرغم من وجود وحدات طبية بالمنطقة، بعضها مجهز بالمعدات المطلوبة، إلا أن خلوها من أطباء مدربين يجبر المرضى على السفر أحياناً إلى محافظات أخرى. ومع انعدام الاستثمارات في المنطقة، تُعد البطالة من أكبر المشاكل بالمنطقة.

وإن كان أغلب أهالي النوبة يتمسكون بالعودة للنوبة القديمة كحق أصيل، ويعتبرون أن تهجيرهم منها هو أقدم وأكبر مظالمهم، لكن السياسات التي اتبعتها معهم الحكومات المتتالية كانت سببًا في استمرار إحساسهم بالظلم، وهو ما جعل المرشحين والناخبين يفضلون استخدام مقعدهم الجديد في البرلمان في محاولة الحصول على حقوقهم الأكثر إلحاحاً.

حسين جبر- مرشح تابع لحزب الإصلاح والتنمية، يتنافس مع ١٢ آخرين على مقعد نصر النوبة- يقول: “يجب أن نجد أنفسنا قبل أن نبحث عن أرضنا”، يعتقد جبر أن استرجاع النوبيين لحقوقهم الأساسية سيعيدهم لطبيعتهم الهادئة المسالمة، وهو ما يراه أهم شيء.

جبر هو أحد ثلاثة مرشحين من قرية بلّانة، وهو سياسي محنك ينتمي لأحد العائلات الكبيرة بالقرية، وكان عضوًا في الحزب الوطني قبل تجميد عضويته في ٢٠١٠.

يتفق مدكور رمضان مع جبر على ترتيب أولويات ممثل النوبة في البرلمان، مع تركيزه بشكل أكبر على الصحة.

رمضان الذي يعمل نجارًا هو مرشح آخر من القرية. يتحدث بلغة عربية مثيرة للإعجاب ويعلن بفخر أنه ورث لغته العربية وصنعته من أبيه وأجداده. ولكن جبر هو من يتحدث اللغة السياسية المنتشرة في العاصمة (القاهرة) وباقي المدن الكبرى.

يحذر جبر: “المواطن النوبي البسيط تحول لغول، ويجب على الحكومة أن تلتفت لهذا الخطر. لقد أصبح بيننا من يحمل السكاكين والأسلحة ويرفع علم إسرائيل وداعش”.

يعكس كلام جبر تخوف أهل القرية من الحراك السياسي الذي بدأ في المنطقة منذ ٢٠١١ وتصاحبه حركات تظاهر غريبة على المنطقة التي عرفت بسلميتها، بحسب الأهالي. يقول بعضهم إن شباب النشطاء قد تمادوا أكثر مما ينبغي حيث طالب بعضهم بتدويل القضية.

ويحتوي دستور ٢٠١٤ على مادتين تتطرقان للقضايا النوبية، مما أعطى للمجتمع هناك أملًا بعودته إلى المشهد. وتلزم المادتان الدولة بإعادة توطين النوبيين في خلال ١٠ سنوات، كما تلزماها بتنفيذ مشروعات تنمية بمناطق الحدود ومنها النوبة.

إلا أن تشريعًا تم تمريره مؤخراً أثار شك البعض في نية الدولة تنفيذ فحوى المادتين. ويضع القرار الجمهوري الصادر في ٢٠١٤ أكثر من ١٧ قرية في النوبة القديمة من ضمن المناطق المحظور الإقامة أو التوطين بها، وهو القرار الذي طعن عليه بعض ممثلي المجتمع النوبي.

يقول جبر إن إهمال الدولة قد أدى لعزل النوبيين عن باقي المصريين إلى الحد الذي لا تشعر المنطقة معه بأثر أكبر الاحتفالات الوطنية مثل ٦ أكتوبر.

“أحلامنا هنا بسيطة، نحن لا نتحدث عن منع كتب أو قضايا مماثلة، أحلامنا تتمحور حول الأكل والشرب والمأوى، وهذا لم يعد متوفرًا”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي