الانتخابات في أسيوط …الماضي يعود

كباقي المحافظات، شهدت اللجان الانتخابية في محافظة أسيوط إقبالا ضعيفا، حيث خلت معظم اللجان من الناخبين في دائرة مدينة أسيوط. وبحسب مراسل “مدى مصر” في المحافظة فلم يظهر اليوم بكثافة أمام اللجان الانتخابية سوى أنصار المرشحين المنتمين في السابق للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، والذين التقطوا الصور وتبادلوا التهاني على الرغم من ضعف إقبال الناخبين.

كما كان من اللافت اليوم قلة عدد الناخبين في القرى والمراكز المحيطة بمدينة أسيوط، حيث تسود العصبيات العائلية التي تعتبر محركا أساسيا للناخبين. غير أن مصادر محلية ومراقبين توقعوا أن يدفع مرشحو “الوطني” بأنصارهم من الناخبين في الساعات الأخيرة قبل انتهاء عملية الاقتراع مساء الغد الموافق 19 أكتوبر.

قبل أيام قليلة من بدء السباق الانتخابي، كان المشهد الأول الذي يراه زائر المحافظة عند وصول القطار إلى أسيوط هو الطابور الطويل من السيارات المصطفة أمام محطة الوقود، بينما العشرات من لافتات دعاية المرشحين المتنافسين في الانتخابات تتدلى فوق رؤوس السائقين الناقمين من طول الانتظار.

كان سائق التاكسي محمد طلعت أحدهم، حيث أُجبر على الانتظار في الطابور لساعتين قبل ملء خزان سيارته بالوقود. لم يُظهر طلعت أي اهتمام باللافتات المعلقة في المنطقة، بقدر ما كانت أزمة الوقود المتفاقمة في المحافظة هي ما يشغل تفكيره.

“انتخابات إيه؟ هيعملوا لنا إيه المرشحين؟ هيحلوا أزمة البنزين؟” لا ينتظر طلعت إجابة سؤاله بينما يقود سيارته للخروج من الشوارع المزدحمة بسيارات بقيت في انتظار الوقود، يجيب على نفسه: “أبداً..نفس الوشوش اللي حفظناها طول السنين اللي فاتت، نفس الناس اللي معملتش حاجة لنا”.

عبارة “نفس الوجوه القديمة” ترددت كثيرا بين سكان المدينة اللذين تحدثوا لـ”مدى مصر”، في إشارة للمرشحين الذين اعتادوا قبل الثورة خوض الانتخابات البرلمانية عن الحزب الوطني المنحل.

هدى حسن، ربة منزل تقول إنها أدلت بصوتها في كل الاستحقاقات الانتخابية منذ عام 2011، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي صوتت فيها لصالح الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنها لا تجد ما يدفعها هذه المرة للمشاركة في الجولة الحالية.

تشكو هدى من ارتفاع أسعار الخضراوات واللحوم، وتضيف: “كلهم وعدونا العيشة تبقى أحسن، بس محدش فيهم بيوعد ويوفي، أضيع وقتي ليه؟ أربّي عيالي أحسن”.

على الرغم من ذلك المزاج العام اللامبالي، إلا أن المنافسة تبدو حامية على المقعدين الفرديين في دائرة مدينة أسيوط. فللمرة الاولي منذ 2011 تشهد الدائرة ترشح هذه الأعداد الكبيرة من المرتبطين بالحزب الوطني سابقا في مواجهة بعضهم البعض.

أحد أبرز هؤلاء المرشحين هو محمد أحمد فرغلي، المعروف باسم محمد الصحفي، وعلى عكس لقبه فهو ضابط شرطة سابق فاز في الانتخابات البرلمانية عام 2005 ممثلا عن الحزب الوطني الحاكم وقتها. وينافس فرغلي بالأساس المرشح محمد حمدي الدسوقي، وهو برلماني سابق انتمى في السابق إلى نفس الحزب، وكان قد شغل عضوية البرلمان لست دورات انتخابية متتالية قبل أن يفقد مقعده في 2011 أمام مرشح ينتمي لحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين.

وبينما يعتمد فرغلي على دوائر النفوذ والمال المتقاطعة، فإن الدسوقي يرتكز في الأساس على ما ورثه من سمعة والده البرلماني المخضرم حمدي الدسوقي الذي كان قد مثل الدائرة في الستينيات.

إبراهيم خشبة مرشح بارز آخر يعتمد في المعركة الانتخابية على الثروة من ناحية وسمعة عائلته الراسخة في المدينة من ناحية أخرى. وينتمي المرشح الشاب إلى حزب مستقبل وطن الذي يتمتع مؤسسه محمد بدران بعلاقة وطيدة بالسيسي.

كما يخوض الانتخابات البرلمانية في نفس الدائرة رجل الأعمال أحمد علام شلتوت، ممثلا لحزب المصريين الأحرار. كان شلتوت قد خاض الانتخابات البرلمانية في مواجهة مرشحين من الحزب الوطني في السابق، وتمكن من الوصول لجولة الإعادة في انتخابات العام 2010 لكنه لم يفز بالمقعد في نهاية المطاف.

يختلف المشهد قليلا في المراكز المحيطة بمدينة أسيوط، حيث للقبلية وسيطرة العائلات اليد العليا في تحديد المسيطرين على المشهد الانتخابي. ففي دائرة البداري على سبيل المثال، يخوض عضو مجلس إدارة نادي الزمالك وعضو الحزب الوطني الأسبق عمر جلال هريدي السباق الانتخابي. وفي دائرة منفلوط يخوض أيضا عضو الحزب الوطني عبد الحكيم الطرش الانتخابات مرشحا عن حزب المصريين الأحرار.

وتعتبر أسيوط من أكبر محافظات الصعيد التي تتقاطع فيها العصبيات العائلية والسياسة بشكل كبير، حيث ينتمي أعضاء سابقون بالحزب الوطني من أعضاء المجالس المحلية ونواب مجلس الشعب السابقين لعائلات كبيرة تمتلك المال والأراضي والنفوذ و في بعض الأحيان السلاح. لكن نفوذ العائلات الكبيرة تراجع بشكل كبير بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث يقول الصحفي محب عماد المقيم بالمحافظة إن معظم المنتمين للحزب الوطني تم تهميشهم واستبدالهم بمرشحي جماعة الإخوان المسلمين الذين أتيحت لهم للمرة الأولى القدرة على الحشد والتفاعل مع الناخبين بحرية. ومن بين 54 نائب مثلوا المحافظة في برلمان عام 2012 المنحل، جاء 22 من حزب الحرية والعدالة المنحل بدوره الآن. ويضيف عماد: “تبدلت الأدوار الآن. عدنا للنظام القديم. اختفى أعضاء الاخوان وعاد رجال الحزب الوطني للسياسة”.

ويذكر عماد أن منافسة أعضاء سابقين بالحزب الوطني لبعضهم البعض هي العلامة الأبرز للمشهد الانتخابي الحالي، مضيفاً: “ممثلو حزب النور ليسوا بالقوة الكافية ولا يمتلكون تواجدا حقيقيا على الأرض. بينما يخوض ممثلو الأحزاب المدنية معركة خاسرة في هذا السباق”.

حسام مصطفى، مرشح الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في أسيوط، يتفق في الرأي مع عماد ويعبر عن نفس الشعور بالتشاؤم. فبينما تعاني حملته من ضعف الامكانات المتاحة، يرى مصطفى أن المال السياسي والرشاوى الانتخابية تسيطران على المشهد، ويقول: “هناك شعور عام بالإحباط وعدم الاهتمام. هناك حالة زهق في أوساط الناخبين من الوجوه القديمة. لولا لافتات الدعاية المعلقة في كل مكان، ربما كانت الانتخابات مرت بدون أن يشعر بها أحد”.

مع نهاية اليوم الأول من الاقتراع، بدا أن “حالة الزهق” تلك قد تسيدت المشهد بالفعل، في أسيوط وغيرها.

 

اعلان
 
 
مي شمس الدين