تشريع جديد يعيد الحياة للصكوك الإسلامية
 
 

في 19 أغسطس الماضي، وافقت اللجنة التشريعية الاقتصادية التابعة للجنة العليا للإصلاح التشريعي، على التعديلات المقترحة لقانون الأوراق المالية الحالي. شملت هذه التعديلات إضافة بند إلى المادة 18 بحيث تنظم إصدار وتداول السندات المعروفة باسم “الصكوك الإسلامية” في السوق المالية المصرية، كأداة للتمويل وجمع رأس المال. وتعد هذه المادة موافقة مبدأية تنتظر الإقرار الرسمي، لتشريع جديد يمهد الطريق لطرح السندات الإسلامية كأداة مالية طال انتظارها.

وصرح وزير المالية هاني قدري دميان مؤخرًا في حوار مع جريدة المصري اليوم، أنه يتوقع إقرار التعديلات خلال العام المالي الحالي، على أمل أن يؤدي ذلك لسد عجز الموازنة.

وجاء هذا البند الإضافي في التعديلات المقترحة لقانون الأوراق المالية، بديلًا لقانون الصكوك المثير للجدل، الصادر في مايو 2013 في عهد الرئيس السابق محمد مرسي. والذي لقي وقتها معارضة كبيرة. فعندما أصدر مرسي قانون الصكوك، روجت له الحكومة التي كانت تعاني من العجز النقدي بصفته حلاً لمشاكل الركود الاقتصادي في مصر. ورأت أن من شأنه جذب مجموعة أكثر تنوعًا من المستثمرين المحليين والأجانب، ممن يفضلون الخيار الموافق للشريعة، التي ترفض- في بعض التفسيرات- الفوائد على القروض والسندات. وكان مقترحًا أن تستخدم تلك الصكوك في تمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، ومنها مشروع تطوير قناة السويس.

واجه هذا القانون معارضة شرسة، بعدما روج إعلاميون معارضون لحكم الإخوان المسلمين لكونه سيؤدي حتمًا إلى بيع أصول مصر القومية، وحذروا مما أسموه “الخطر الأكبر”، وهو أن تلك الصكوك تبيح بيع الأصول القومية إلى جهات أجنبية. كما كانت هناك مخاوف من أن هذا النموذج المقترح لا يضمن حقوق الدولة.

يقول شريف سامي، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية: “إن رد الفعل هذا كان مبالغًا فيه، ومع ذلك فالقانون شابه بعض العيوب التقنية بالفعل”.

وفي ظل التغيرات المتتالية في القيادات والحكومات، تنحى مفهوم إيجاد ادوات جديدة لرعاية التمويل الإسلامي، حتى أن بعض الاقتصاديين يرون أن تجربة مرسي أدت لوصم فكرة التمويل الإسلامي، لارتباطها بحكم الإخوان المسلمين.

لكن تاريخ مصر مع التمويل الإسلامي يعود إلى عقود قبل مرسي والإخوان. كما كان من المفترض تطبيق خطط لتوسيع نطاقه محليًا منذ زمن، أسوة بالأسواق المشابهة. وما زال التمويل الإسلامي هدفًا تسعى الحكومات المتتالية إلى تحقيقه، ولا يزال غيابه يترك فجوة في القطاع المالي في مصر. ولذلك كانت الموافقة على هذه التعديلات الأخيرة تأكيدًا على أن الدولة لا تعارض مبدأ تطوير التمويل الإسلامي من الأساس.

في عام 2014 وصلت أصول التمويل الإسلامي في مصر إلى 12.1 مليون دولار أمريكي، منها 11.5 مليون دولار من أصول البنوك الإسلامية، وذلك وفقًا لتقرير التنمية المالية الإسلامية الصادر عن المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، بالشراكة مع تومسون رويترز. ويهتم التقرير بإعطاء مؤشر سنوي على سلامة القطاع وتطوره. ووفقًا له جاءت مصر في المركز الثاني عشر ضمن أكبر 15 اقتصاد بتمويل إسلامي، وتلتها في الترتيب السودان والأردن وسويسرا.

وهناك حاليًا ثلاثة بنوك إسلامية في مصر تعمل بكامل طاقتها، و11 بنك آخر مصرح لها بإصدار الأدوات المالية الإسلامية، بمجموع 222 فرع نشط وفقَا لما يقوله محمد البلتاجي، رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي. ويضيف البلتاجي أنه في نهاية يونيو الماضي: “وصل حجم المعاملات البنكية الإسلامية في مصر إلى 150 مليار جنيه مصري”.

صفحة جديدة

يؤكد شريف سامي رئيس الهيئة العامة للرقبة المالية أن البند الجديد في قانون الأوراق المالية سينظم الإجراءات الفنية لإصدار السندات الإسلامية ويحدد تفاصيلها، مثل: “تاريخ إصدار السند، وشروط الموافقة عليه، وإدراج السند في البورصة، إلى آخره”. مضيفَا أن القانون السابق شابته ثغرات وعيوب عالجها هذا البند الجديد: “مثل تحديد الشركات المسموح لها بإصدار السندات الإسلامية وحجمها، وكيفية التعامل مع السندات في البورصة على المدى الطويل (بما أن السند قد يبقى مطروحًا لمدة 10 سنوات أو أكثر)”.

ولم يجد المسؤولون داعيًا لتشريع قانون منفصل للصكوك، وقرروا إضافة التعديل الجديد إلى الإطار التنظيمي الحالي للأوراق المالية، لتكون الصكوك الإسلامية مثل أية أداة مالية أخرى. يقول سامي: “نحتاج أيضًا إلى التخلص من قانون مرسي والوصمة المرتبطة به”.

يوضِّح إن الهيئة لن تقرر إذا ما كانت السندات إسلامية أم لا: “إذا كانت الجهة التي تصدرها [السندات] ترغب في إضافة هذا الوصف إليها، تُشكَّل لجنة لتقرر ذلك بدلاً من الهيئة”. ويختار البنك أو المؤسسة التي تريد إصدار الصكوك ثلاثة أعضاء على الأقل لتشكيل اللجنة، على أن يجري الاختيار من قاعدة بيانات تضم نحو 30 اسمًا. ويضيف سامي: “عندما يتعلق الأمر بمبادئ الشريعة الإسلامية، نجد أن بعض المفاهيم لا يزال محل جدل، ولهذا قررنا الابتعاد عن ذلك”.

كما صرح رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي الذي شارك في صياغة البند الجديد لـ”مدى مصر”، بأنه من الضروري أن “يكف الناس عن ربط السندات الإسلامية بتوجه سياسي بعينه، لينظروا إليها كطريقة لتمويل المشاريع وجمع رأس المال، تستخدمها دول غير إسلامية كذلك، مثل بريطانيا”.

وفي رأيه، قد يلعب طرح الأدوات المالية الجديدة دورًا في تحسين الاقتصاد المصري بشكل عام من خلال جذب استثمارات محلية وأجنبية.

كما تحظى الصكوك بدعم إقليمي أيضًا. فقد أصدرت مؤسسة التمويل الدولي، ذراع البنك الدولي بالقطاع الخاص، صكوكًا بقيمة 100 مليون دولار، لدعم تنمية القطاع الخاص في الدول النامية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى مناطق أخرى بالعالم. وسوف تدرج هذه الصكوك في بورصة ناسداك دبي وسوق لندن للأوراق المالية، طبقًا لما جاء في بيان مؤسسة التمويل الدولي.

وحسب الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي، وصل حجم التمويل الإسلامي عالميًا إلى 1.2 تريليون دولار في عام 2012. ذلك الرقم مقسم على 60 بلدًا ويضم معاملات نحو 800 بنك.

كانت الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي قد تأسست في شهر ديسمبر من عام 2010، لتمد البنوك الإسلامية والباحثين ببيانات جديرة بالثقة، وبالخدمات الاستشارية اللازمة. وتنظم الجمعية المؤتمرات والندوات، بالإضافة إلى إصدارها مجلة متخصصة بالقطاع وتقارير ربع سنوية.

وفي شهر يونيو الماضي حصلت الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي على ترخيص من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين، الهيئة التي تأسست عام 1990، وهي هيئة عالمية ذات شخصية معنوية مستقلة لا تسعى إلى الربح، تقوم بإعداد المحاسبات والمراجعات والضوابط والأخلاقيات للمؤسسات المالية الإسلامية والصناعات، وفقًا للشريعة الإسلامية.

محمد البلتاجي رئيس الجمعية، صرح لموقع “أموال الغد”: أن ترخيص هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، سوف يمكِّن الجمعية من إجراء اختبارات الاعتماد للمصرفيين والمراجعين بالبنوك الإسلامية في مصر. كما سيسمح لها بإعطاء الباحثين والمصرفيين شهادتين دوليتين في مجال التمويل الإسلامي، أولاهما شهادة شريك الاستثمار البنكي المعتمد CIBA، وثانيهما شهادة اعتماد المستشار والمراجع وفقًا للشريعة CSAA. كما ستقدم الجمعية تدريبًا للراغبين في الحصول على هذه الشهادات، وهي خطوة سوف تساعد في تحسين الموارد البشرية بالمجال.

تطور التمويل الإسلامي

يعود تاريخ التمويل الإسلامي والمصارف الإسلامية في مصر إلى بداية الستينيات، مع ظهور منتجات متفرقة تتوافق مع الشريعة. وكما جاء في دراسة أجراها بنك التنمية الأفريقي؛ كان الخليج يستهدف مصر في السبعينيات كسوق محتملة للتمويل الإسلامي، بسبب عدد سكانها والنسبة الكبيرة من المصريين الذين يعملون في الخليج ويرسلون حوالات لعائلاتهم. وفي عام 1977 صدر قانون يسمح بتأسيس البنوك الإسلامية، وعلى إثره تأسس بنك فيصل الإسلامي في مصر عام 1978، وتبعه بنك البركة عام 1980. وجاء تمويل البنكين بأموال خليجية.

وتأثر التمويل الإسلامي في مصر أثناء التسعينيات سلبًا بشركات الاستثمار الإسلامية غير المصرح بها، والتي حظيت بشعبية كبيرة وعرفت باسم شركات توظيف الأموال، لم تخضع هذه الشركات في معظمها للرقابة من المؤسسات المالية الحكومية المسؤولة، وخسر مئات العملاء قدرًا كبيرًا من الاستثمارات من خلالها. ومن أشهرها شركتي الريان والسعد، اللتان عرضتا عائدات كبيرة للغاية على المستثمرين مقارنة بالبنوك، ثم عجزتا عن الوفاء بوعودهما في النهاية.

وتأثر مفهوم التمويل الإسلامي لدى العامة سلبًا بعد هذه الواقعة، ولم تبادر الحكومات المتعاقبة للترويج لمصر باعتبارها مركزًا واعدًا للتمويل الإسلامي، كما يشير بنك التنمية الأفريقي، وذلك رغم تاريخها الطويل به وإمكاناتها الهائلة. وفي تلك الأثناء أصبحت بلاد مثل البحرين وماليزيا مراكزًا قوية للتمويل الإسلامي.

اعلان