٤ أشياء لا تعرفها عن الاستعمار

 

تحذير: هذا المقال ليس مناسبًا لجميع الأعمار أو القارئ غير القادر على تحمل وصف أو صور بها مشاهد وحشية وغير إنسانية.

١) “الوَبَا”: الناموس وأكبر مذبحة في تاريح المصريين

في عام ١٩٤٢، شهدت مصر محنة عظيمة وفقًا لكتاب “حكم الخبراء” للبروفيسور تيموثي ميتشل- أحد أهم الباحثين في دراسات الاستعمار وشؤون الشرق الأوسط. في تلك السنة كانت مصر على أعتاب الاجتياح النازي من القوات الألمانية التي تخوض معركة شرسة في العلمين مع القوات الإنجليزية المحتلة. تلك المعركة الشرسة وضعت مصر في بؤرة الصراع العالمي في الحرب العالمية الثانية، والتي ندفع ثمنها حتى الآن بسبب الألغام المتروكة في شمال غرب البلاد، والتي تسببت في المئات من القتلى والمصابين الذين خسروا أجزاء من أجسادهم. هذه المعركة تطلبت خزين البلد من طعام وشراب ودواء للقوات الأجنبية المحاربة. في الوقت نفسه تقريبًا، دخل الحدود المصرية الجنوبية ناموس محمل بمرض “الملاريا” اللعين. هبط الناموس على أجساد أجدادنا وأهلنا في صعيد مصر كقنبلة بيولوجية عصفت بحياة المئات في أسبوعها الأول. يقول ميتشل إن مشروع سد أسوان قد غير من طبيعة أراضي مصر الزراعية في الجنوب، والتي كانت تشكل حائطًا طبيعيًا – قبل السد- لصد الأوبئة. السد وزراعة قصب السكر تحديدًا سهلا عملية استيطان الناموس، وبدأ يهلك حياة المصريين في الوقت نفسه الذي يواجهون فيه المجاعة ونقص الدواء بسبب سياسات الإنجليز. يقول ميتشل إن الوباء قضى على حوالي ٢٥٠ ألف مصري وتسبب في عدوى ٧٥٠ ألفًا آخرين في سنته الأولى، مما تسبب في غضب حكومي وشعبي بالذات، وأن الأخبار عن التصدي لهذا المرض في البرازيل قد وصلت إلى مصر. ولأن العلاج وآليات التصدي في البرازيل كانت تابعة لمشروع أمريكي، رفضت بريطانيا عروض الولايات المتحدة في مساعدة المصريين خوفًا من سقوط المستعمرة المصرية للأمريكان. نعم عزيزي القارئ، أجدادنا ماتوا هباءً من أجل محاولة الإنجليز السيطرة على رَبع من ربوع الأرض. عدد سكان مصر في ذلك الوقت كان ١٧ مليون تقريبًا، والوباء هدد حياة مليون منهم في أول سنة، فما كان من الاحتلال إلا أن أمر وزارة الصحة بالتوقف عن تدوين عدد الضحايا، وفقًا لميتشل. وبقي الوضع هكذا حتى أصيب البريطانيون أنفسهم بهذا المرض فلجأ المحتل أخيرًا للولايات المتحدة للقضاء على هذا الوباء.

٢) الألمان والهولوكوست الإفريقي

من الأشياء التي تجعل الولدان شيبًا هي قراءة تاريخ استعمار ألمانيا لناميبيا الشقيقة، والتي تحاول ألمانيا التستر عليه. ألمانيا لم تستعمر دولًا عدة مثل بريطانيا وفرنسا، ولكنها بالتأكيد تسببت في مجازر يعجز المرء عن وصفها أو شرحها. في بداية القرن الماضي انتفض الكثير من أبناء ناميبيا ضد بطش المستعمر الألماني الذي استولى على أغلب الأراضي وآثر أن يكون البطش هو أسلوبه الأنسب في إدارة ناميبيا. كان جزاء هذه الانتفاضة الشعبية الهولوكوست الأول في تاريخ ألمانيا وقبل أن تصبح ألمانيا نازية وتلقي بكل أخطائها على الحزب النازي وأدولف هيتلر السفاح. لا يوجد تقدير لعدد سكان ناميبيا في ١٩٠٤-١٩٠٧ وقت وقوع المجازر، ولكن عدد سكان ناميبيا الآن حوالي ٢.٥ مليون مواطن. وبالتالي عندما أخبرك أن ألمانيا قتلت حوالي ١٠٠ ألف من الشعب الناميبي من ١٩٠٤ لـ ١٩٠٧، عليك أن تصعق تمامًا. القتل -والذي كان يتضمن أحيانًا صورًا بشعة مثل فصل الرأس عن الجسد على طريقة داعش- لم يكن أسوأ ما في الأمر. ألمانيا جربت في ذلك الوقت نظام معسكرات الاعتقال غير الآدمية، والذي استخدمتها بعدها بشكل أكثر احترافية ضد اليهود واليساريين وغيرهم إبان الحرب العالمية الثانية. في تلك المعسكرات ارتكبت أسوأ أنواع الجرائم من الاغتصاب، للتشويه، للدراسات والتجارب الطبية المباشرة على المعتقلين رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا. قطع “العلماء” الألمان رؤوس نساء، أطفال، رجال، شيوخ لكي يدرسوها في معامل ومستشفيات برلين ليحاولوا إثبات تفوق الرجل الأبيض.

في ٢٠١١، طالبت ناميبيا بعودة ٣٠٠ جمجمة كي يُدفَنوا في أراضيهم. نعم، حتى عام ٢٠١١ كانت جماجم هؤلاء الضحايا في بعض الجامعات والمستشفيات الألمانية. الدراسات التي أجريت على هذه الجماجم استخدم بعدها لتغذية الفكر النازي الذي كان وما زال مؤمنًا أن الجنس الآري متطور عن باقي الأجناس. حتى الآن، ألمانيا لا تريد الاعتراف رسميًا بهذه الإبادة الجماعية، ولا تريد أن تُدرس هذه المجازر في نظامها التعليمي كما تدرس الانتهاكات البشعة التي حدثت مع اليهود إبان الحرب العالمية الثانية. وحتى بعد استقلال ناميبيا، ما زالت الأقلية الألمانية البيضاء (٦٪)  تتحكم في نصف الأراضي والكثير من مقدرات الدولة.

٣) “١٢ سنة من العبودية”.. النسخة المصرية

فيلم “١٢ سنة من العبودية” من أكثر الأفلام المؤثرة في تاريخ الدراما العالمية، والفيلم يعرض بشكل رائع معاناة حر يساق للعبودية كي يعمل في معسكرات زراعية Plantations، والتي تعد جريمة إنسانية بشعة. ما لا يدركه الكثير من المصريين أن هذه المعسكرات الزراعية كانت موجودة في مصر وببشاعة. استطاع المحتل مع قوى رأس المال والدولة وقتها من إخضاع الآلاف من المصريين على العمل في مزارع بالإجبار ودون أجر في كثير من الأحيان. ليس هذا فقط، بل نجد أيضًا أن القانون كان يتوقف تمامًا داخل هذه العزب. صاحب العزبة مصري أو أجنبي يستطيع أن ينتهك كل حق للمزارع المصري من دون أن يوقفه المحتل الحاكم أو الحكومة الصورية. وهذا الأسلوب البشع في التعامل مع المصريين صُدِر إلى مصر قبل احتلالها الفعلي عام ١٨٨٢. يذكر ميتشل في كتابه أن الآلاف راحوا ضحية هذه العبودية المقنعة (السخرة). مع الأسف، بل من المخزي، أننا نسمع مصريين اليوم يقولون “إن المصري لا يعمل إلا بالكرباج!”، هذه المقولة البشعة هي ثمرة سنوات من الاستعباد ولا يقولها إلا مستعبد. وفقًا لميتشل، الجيش والشرطة كانا مكلفين بضبط عملية السخرة ورقابة الشعب ووضعه تحت السيطرة. بل إنه يقص أن الفلاح المصري لم يكن يستطيع الخروج من قريته إلا بتصريح أشبه بجواز السفر!

٤) إخفاء جرائم الاحتلال

في ٢٠١٢، كتب الصحفي الشهير جورج مونبيوت عن جريمة حديثة  للاستعمار وهي … طمس الأدلة. على الرغم من أن القانون والعرف في بريطانيا يجبر الحكومة على نشر الوثائق المهمة بعد فترة من الزمان كحق أصيل للشعب في المعرفة، أخفت الحكومة لعقود الأوراق الخاصة ببشاعة الاحتلال. نجحت منظمة حقوقية في كينيا بعد سنوات من الكفاح بإجبار الحكومة البريطانية على كشف أوراقها في قضية مهمة خاصة بكينيا لتطالب بتعويض لضحايا جريمة من جرائم الاحتلال البريطاني. انصاعت الحكومة لأمر المحكمة كي يكتشف العالم – دون تغطية إعلامية مناسبة طبعًا- أن الحكومة البريطانية على مدار عقود كانت تتخلص من أي أوراق تدين حكومة جلالة الملكة! بل وكشفت تحقيقات أخرى عن وجود تزوير وكذب من قبل الحكومة المتحضرة، تدل على أن جريمة محل البحث، وهي معسكرات الاعتقال غير الإنسانية لم تحتجز ٨٠ ألفًا -وهو رقم ضخم على كل حال- كما ادعت بريطانيا بل كانوا حوالي مليون كيني!

وفقًا لمونبيوت، الصحفي البريطاني الشهير:

“كانت الاستجوابات (في معسكرات الاحتلال البريطاني) تتم تحت التعذيب على نطاق واسع. العديد من الرجال تعرضوا للاغتصاب شرجيًا، وذلك عن طريق استخدام السكاكين والزجاجات المكسورة، وفوهات البنادق، والثعابين والعقارب. وكانت هناك تقنية مفضلة لدى الجنود الإنجليز، وهي تعليق الرجل الكيني رأسا على عقب، ووضع رأسه في دلو من الماء، في حين توضع الرمال في مؤخرته بعصا. وكانت النساء تتعرضن للاغتصاب الجماعي من قبل الحراس. كما كان يتم الهجوم على المعتقلين بالكلاب والكهرباء. ابتكر حارس الاحتلال أداة خاصة تستخدم لسحق، أولاً، ثم تمزيق الخصيتين (للمعتقلين). كما استخدموا الكماشات لتشويه الثديين للمرأة. كما قطعوا أُذْن السجناء وأصابعهم واقتلعت أعينهم. وهذا بالإضافة إلى جر معتقلين بسيارات اللاندروفر حتى تفككت أجسادهم. كان الجنود الإنجليز يضعون المعتقل الكيني في وثاق حول جسده كله من السلوك الشائكة التي تحرس المباني عادة ثم يركلونهم كـ (البرميل) حول المعسكر”.

طالبت كينيا -التي استقلت في عام ١٩٦٣- الحكومة البريطانية بمحاكمة المسؤولين عن تلك المذابح، ولكن حتى الآن لم يتم ولو فقط توجيه التهمة لأي عسكري شارك في هذه الجرائم!  

ختامًا

نجح الاستعمار في خلق أنماط مراقبة لخضوع الشعوب، فتحررت الشعوب من جنود المستعمر وحافظت على أنماط المراقبة والسيطرة والخضوع. بينما إفريقيا تتحرر وتتقدم، نعيش نحن في منافسة من أجل مزيد من التخلف. إن مصر حاليًا قد وصلت إلى أسمى أحلام المشروع الاستعماري على قدم وساق دون أن يستمر الإنجليز أو الفرنسيين في احتلالها. دولة تخدم مصالح الأجانب والمحتكرين وتقسو على العامل والمزارع والطبيب والمهندس والمعلم. يقول مالكوم أكس إنه في الولايات المتحدة، في زمن العبودية، كان هناك نوعان من العبيد: عبيد الحقل وعبيد المنزل. عبيد الحقل هم الذين يُجبرون على الأعمال غيرالإنسانية ويضربون بالسياط. فهم يكرهون العبودية ويكرهون المستعبد. أما عبيد المنزل، فهم المرفهون الذين يخدمون في منزل المستعبد أو السيد. يتأثرون بكلامه ويحبونه كأنهم من عائلته، ولكنهم يعلمون أن السيد سيد والعبد عبد. التراث الاستعماري الاستعبادي ما زال حيًا بيننا. فقط…. تم تغيير المستعبد والذي بالوكالة يستعبدنا لمستعبدنا الأسبق.  

مصادر:

١) كتاب تيموثي ميتشل: حكم الخبراء Rule of Experts

٢)

أ) ديسكوفوري:

http://news.discovery.com/history/germany-return-skullsnamibia-genocide0110930.htm

ب) Olusoga, David and Erichsen, Casper W (2010). The Kaiser’s Holocaust. Germany’s Forgotten Genocide and the Colonial Roots of Nazism. Faber and Faber. ISBN 978-0-571-23141-6

ج) http://www.pbs.org/frontlineworld/rough/2005/08/this_land_is_ou.html

د) http://www.thelocal.de/20150428/renewed-calls-to-recognize-namibian-genocide

٣) كتابي تيموثي ميتشل: حكم الخبراء Rule of Experts واستعمار مصر Colonising Egypt

٤)

أ) مقالة جورج مونبيوت لـ “الجارديان” http://www.theguardian.com/commentisfree/2012/apr/23/british-empire-crimes-ignore-atrocities

ب) http://www.dailymail.co.uk/news/article-3016503/We-ll-bar-troops-don-t-pay-crimes-jails-Kenya-s-warning-Britain-claiming-soldiers-accused-assault-rape-murder-escaping-justice.html

 

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين