“بُنَى أهالي” وليس عشوائيات

“أنا لا مؤاخذة من دار السلام”.. كان هذا رد أحد سائقي التاكسي عندما سألته عن محل إقامته؟ أفزعني الرد لاستخدامه “لا مؤاخذة”، فأجبته بدافع طبقي وعمراني: “أنتو أحسن ناس وأنتو اللي عاملين بيوتكم بإيديكم، وأنتو اللي ممشيين اقتصاد البلد بشغلكم وما نقدرش نعيش من غيركم”.. رد أن “الكل بيسمونا عشوائيات”.

مؤتمر للقضاء على العشوائيات

في منتصف شهر يونيو، أقامت منظمة “الموئل العالمية” (UN-HABITAT) “المؤتمر المصري الحضري” المعني بشئون العمران ووضع خطة للمشاركة في المنتدى الحضري العالمي الذي يقام كل 20 عامًا. وفي تقديم المؤتمر، تحدث الرسميون المصريون عن “مخطط مصر الاستراتيجي للتنمية 2052”. وعند شرح مشاريع المخطط المختلفة، أكد هؤلاء مبدأ “القضاء على العشوائيات”. وطوال أيام ثلاثة، وفي الحلقات النقاشية، تعاقب ممثلو الحكومة المصرية بوزاراتها وجهاتها المختلفة، على شرح هذا “المبدأ”. ذكر أحدهم أنه “إزاي يعني يبقى في واحد معاه جاموسة وعايز يبقى ساكن على الطريق الدائري”. وأصر الحاضرون والحاضرات على استخدام لفظ “العشوائيات” طوال الوقت. ففي المحاضرة العامة الأولى، نعتت العشوائيات بأنها “سرطان يجب التخلص منه”، أو قيل إنها “وباء”. أما ممثل وزارة الإسكان فلم يتحدث عن سكان المناطق الفقيرة، واقتصرت الاستراتيجية 2025، التي عرضها على مخططات للتنمية على المستوى الاقتصادي والاستثماري.

.. وجمعية للغاية نفسها

شهر رمضان تلا المؤتمر، والشهر يصاحبه العديد من المسلسلات التليفزيونية الخاصة به التي تحتوي أثناء عرضها على الكثير من الإعلانات التجارية وتضم عددًا كبيرًا من نداءات تطلب التبرع لجمعيات أهلية، ومنها “جمعية معًا”، المبادرة التي أطلقها الممثل محمد صبحي في مارس 2011، بعد تولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد وحكمها، وسميت “مليار جنيه للقضاء على العشوائيات”. على صفحة الجمعية الرسمية على فيسبوك، أعلن أنها تأسست بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية. ووجه العديد من الناشطين العمرانيين وقتها انتقادات للمبادرة، فتغير الاسم إلى “معًا لتطوير العشوائيات”. المشروع يحتوي في مرحلته الأولى على نقل 5000 أسرة من مناطق مختلفة، لم يتم الإعلان عنها حتى الآن، وإسكانها في أرض المشروع المقام على مساحة في طريق القاهرة-الإسماعيلية، وتتبنى السلطة القائمة المشروع وتدعمه. وفي الإعلان التليفزيوني في رمضان من العام الفائت، 2014، أذيع نص مسجل بصوت محمد صبحي قال فيه: “إحنا مش بنبالغ ولا بنجمل في الصورة، ولا بنعمل إعلان، بس وأنت بتاكل لقمة نظيفة، ونايم على فرشة مريحة، وأنت ساكن في بيت جميل وآمن، وأنت بتبص على ولادك فرحان بيهم.. افتكر أهلنا في العشوائيات، اللي عايشين خارج الحياة.. من فضلك اتبرع، اتبرع لحساب 444333 في جميع البنوك. صدقني حياتك هتبقى أفضل لأنك ساهمت إن غيرك المحتاج يعيش حياة كريمة. مؤسسة “معًا لتطوير العشوائيات”. بتبرعك ده يبقى أنت ساعدت مصر”. والصور في الإعلان تبدأ بنقل “لمأسوية الحياة في المناطق الفقيرة”، ثم بمشاهد من مشروع محمد صبحي والإنشاءات في مرحلة البناء.. أما في شهر رمضان للعام الجاري، فبدأ الإعلان بغرق إحدى البواخر الضخمة، وركض الجميع من أجل إنقاذها. ثم يستيقظ محمد صبحي فنفهم أن ما شاهدناه كان كابوسًا يراوده، ويقول: “كلنا في مركب واحد، ماحدش فينا بعيد عن الخطر، وعشان كده لازم ندعم أهالينا في العشوائيات. إحنا في مؤسسة معًا خدنا خطوة وبنينا 5000 وحدة سكنية عشان يقدر أهالينا يعيشوا فيها. ولسه فاضل كتير عشان نقضي تمامًا على مشكلة العشوائيات.. اتبرعوا”.. إلخ إلخ.

ليست الإشكالية في المشروع نفسه، وإنما في الخطاب الذي يدعو للقضاء على العشوائيات والتعامل مع أهاليها وكأنهم شيء يجب التخلص منه. وبدهي أن 5 آلاف وحدة سكنية، بل و50 ألفًا، لن تحل مشكلة تُرِكت تتفاقم على مر السنين، وهي نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية متشابكة، وتجسد في الوقت نفسه لاستقالة السلطات من واجبها في توفير السكن للناس. وهي اليوم تعني ملايين السكان داخل القاهرة الكبرى والإسكندرية وحولهما.

استبطان الصورة

وبناءً عليه، لا يصبح غريبًا أن يكون جواب سائق التاكسي هو التأسف لذكر اسم المنطقة التي يقطنها، لأنه يسمع يوميًا من مسؤولين في الدولة ومن إعلانات التليفزيون والراديو أنها رديئة وغير مرغوب فيها. ونرى انعكاسات تلك الخطابات في عملنا الميداني وحينما نتناقش مع السكان، فيقولون: “عايزين تطورونا ليه.. احنا مش أماكن فيها زبالة وجرايم، وبيسمونا عشوائيات في التليفزيون والجرايد.. شيلونا وخلاص”. يغضب الأهالي من الصورة التي تُرسم لهم إعلاميًا وتقدمهم على أنهم مجرمون وبلطجية. ويؤكدون احتواء مجتمعاتهم على أشخاص يعملون في وظائف حكومية وشركات خاصة، وأن بينهم أطباء ومهندسين ومحامين. وكل هذا يعكس إحساسهم العميق بفصلهم المتعمد عن المجتمع وفئاته المختلفة. تتدهور الخدمات الأساسية في تلك المناطق التي أُنشئت بمجهودات ذاتية وتعاني انهيارًا عمرانيًا، سجلته مبادرة وزارة إسكان الظل وكتاب “العدالة الاجتماعية والعمران”؛ حيث استخدم الباحث العمراني يحيى شوكت تعبير “مجتمعات العمران المحروم” و”مجتمعات المجهودات الذاتية”، وهو بالتأكيد مسمى يعبر عن حالة تلك المناطق.

“دي منطقة بُنى أهالي يا باشمهندسة”.. جاءني هذا الرد من عدد من السكان في مناطق مختلفة في القاهرة والجيزة. وعند ذكرهم للجملة يستطردون في شرح مفهومها: أنهم هم من بنوا المنطقة وهم من أدخلوا إليها المرافق. طرْح الناس- وهم سكان تلك المناطق- تعبير “بُنى أهالي” مهم جدًا، ويجسد بشكل حقيقي الظاهرة. ورد سائق التاكسي يعبر تمامًا عن ردة فعل السكان على لفظ “عشوائيات”، كحالة غير حقيقية وكاستنكار شديد من قبل مجموعة من البشر هم من بنوا أحياءهم وهم من كوّنوا المناطق المشكِّلة للمدينة. إلى متى سيظل الخطاب الحكومي والمجتمعي يعبر عن دعوة لتجريم وجود عدد من السكان هم ناس المدينة وسكانها. استخدام لفظة عشوائيات يوحي بإقصاء وتهميش ملايين من سكان مصر عن بقية المجتمع، كما يتضمن دعوة لتحقير سكان تلك المناطق، وبالتالي لفصلهم عن المجتمع وليس إدماجهم أو تمكين وجودهم. مستخدمو لفظ “عشوائيات” يقولون إنهم يعنون العمران المادي وليس الناس، ولكن البُعد العمراني لا ينفصل عن البُعد المجتمعي.

*نُشر هذا المقال للمرة الأولى في جريدة “السفير العربي”.

اعلان
 
 
أمنية خليل