لماذا يخشى السيسي الدستور؟
 
 

بعد مرور ما يقرب من سنتين على إقرار الدستور الحالي، ولسبب ما، تذكر الرئيس عبد الفتاح السيسي أن ثمة ما يعيب هذا الدستور، إذ يرى الرئيس أن الدستور كُتب بنوايا حسنة، والبلاد لا يمكن أن تدار بالنوايا الحسنة فقط تبعا لتصريحاته أمس، الأحد، خلال افتتاح أسبوع شباب الجامعات.

إحدى اللقطات المثيرة للاهتمام في ما قاله السيسي عن “النوايا الحسنة”، هو أنه حين أذاع التليفزيون والإذاعة الرسميين خطاب الرئيس، بعد أكثر من ساعة من إلقائه له، تم حذف الجملة الخاصة بالنوايا الحسنة، والتي كانت قد أثارت الكثير من الجدل حين نقلتها المواقع الإخبارية أثناء فعاليات الحفل الذي أقيم في جامعة قناة السويس.

وبغض النظر عما يعيب تلك النوايا الحسنة من وجهة نظر الرئيس، إلا أن حديث السيسي فتح الباب أمام التوقعات بشأن نية الرجل الدعوة لتعديل الدستور- الذي أقسم على احترامه- بعدما أقدم على تعيين حكومة جديدة قبيل أسابيع من بدء الانتخابات البرلمانية التي يفترض أن تمهد الطريق لأول مجلس نواب يحق له مناصفة الرئيس “حقه” التاريخي في مصر في تشكيل الحكومات دون مراجعة.

يرى مصطفى كامل السيد- أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة- أن حديث السيسي يشير بوضوح لرغبته في تعديل الدستور”في محاولة لتجنب التخلي عن السلطات التي ينص الدستور على منحها للبرلمان، وعلى رأسها حقه في منح الثقة لرئيس الحكومة الذي يعينه الرئيس من عدمه، وسحب الثقة من الرئيس نفسه”.

وتنص المادة 161 من الدستور الحالي على حق مجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بناءً على طلب مسبب وموقع من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل، وموافقة ثلثي أعضائه، بشرط عدم جواز تقديم هذا الطلب لذات السبب خلال المدة الرئاسية إلا مرة واحدة. وبمجرد الموافقة على اقتراح سحب الثقة، يطرح أمر سحب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في استفتاء عام، بدعوة من رئيس مجلس الوزراء، فإذا وافقت الأغلبية على قرار سحب الثقة، يُعفى رئيس الجمهورية من منصبه ويُعد منصب رئيس الجمهورية خاليًا، وتجري الانتخابات الرئاسية المبكرة خلال ستين يومًا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.

أما”إذا كانت نتيجة الاستفتاء بالرفض، عُد مجلس النواب منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس جديد للنواب خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الحل”، تبعا لنص المادة.

ويرى السيد أن السيسي (وزير الدفاع السابق) “يريد إدارة البلاد على النحو الذي اعتاده في الجيش دون مراجعة لقراراته” على حد قوله، مضيفا: “الرجل لا يرغب مثلا في برلمان تحق له مراجعة كل تلك التشريعات التي أصدرها في غيبة مجلس النواب”.

ووفقًا للمادة 156 من دستور 2014، ينبغي على مجلس النواب الجديد مراجعة القوانين التي صدرت قبل انتخاب المجلس، في غضون خمسة عشر يومًا من انعقاد دورته الأولى، كي تُصبح لها قوة القانون وإلا أُلغيت بأثر رجعي إلا إذا رأي البرلمان غير ذلك. غير أنه مع صدور مئات القوانين منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، فربما تعذر بشدة تطبيق هذه المادة عمليًا.

وقال مصطفى كامل السيد: “أي سعي من جانب السيسي لإعادة توسيع سلطات الرئيس لا يمثل إلا تجاوزًا لتاريخ الحركة الوطنية المصرية منذ ستينيات القرن التاسع عشر، والتي كان المحرك الرئيس لها دومًا هو مطالب الجلاء، والدستور الذي يضمن تقليص اختصاصات السلطة التنفيذية، خاصة وأن الدستور الحالي يمنح الرئيس سلطات لم يمنحها له دستور 2012 من قبيل حق حل البرلمان و جواز تعيين 5% من أعضاء البرلمان”

وتنص المادة 102 من الدستور على أنه يجوز لرئيس الجمهورية تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5% فى مجلس النواب.

وعلى الرغم من أن هدى الصدة- عضو لجنة صياغة الدستور- ليس لديها اليقين نفسه حول نية الرئيس حيال تعديل الدستور، إلا انها تدعو بشدة لـ “الإبقاء على الدستور كما هو دون تعديل لمدة عشر سنوات على الأقل” على حد قولها.

تقول الصدة لـ«مدى مصر»: “التوجهات الشائعة للمطالبين بتعديل الدستور تشمل محاولة تقليص سلطات البرلمان مجددًا.. ثمة تيار في الإعلام على سبيل المثال حاول تمهيد الطريق على ما يبدو لمثل هذه الخطوة (تعديل الدستور) وهذا التيار يحاول إقناع الرأي العام أن البرلمان يتمتع بسلطات أوسع من اللازم في الدستور الجديد”.

غير أنها تدافع عن الدستور قائلة: “أعرف أن قطاعًا ممن رفضوا الدستور استندوا إلى تحفظاتهم حول المناخ السياسي الذي أحاط  بصياغة الدستور والاستفتاء عليه، لكن ينبغي أن نتذكر أن المناخ السياسي وقتها (في عام 2013) سمح بأكثر مما يسمح به المناخ الآن. نواجه الآن أوضاعًا صعبة على صعيد الحريات العامة”.

على سبيل المثال، كان حزب مصر القوية إحدى القوى التي دعت للتصويت بـ”لا” في الاستفتاء على الدستور، لكن محمد عثمان- عضو الهيئة العليا في الحزب- قال لـ«مدى مصر» إن محاولة تعديل الدستور من جانب الرئيس يجب أن تواجَه على الفور عبر تشكيل أوسع جبهة ممكنة من الأحزاب سواءً التي صوتت على الدستور بـ”نعم” أو “لا”.

وأوضح عثمان قائلًا: “الدفاع عن الدستور في مثل هذه الحالة ليس إلا محاولة لمنع ما سيترتب عليه تعديله من توسيع سلطات الرئيس وصولًا لاحتمال العمل على مد رئاسته (بدلا من ثماني سنوات كحد أقصى حاليا)”.

كان “مصر القوية” قد أعلن مقاطعته للانتخابات المقبلة، اعتراضًا منه على القوانين المنظمة لها، والتي اعتبرها غير دستورية، بالإضافة إلى ما وصفه بالتدخل من الأجهزة الأمنية وكافة مؤسسات الدولة في العملية الانتخابية، التي اعتبرها لن تؤدي إلى مجلس نواب يقوم بالدور المنوط به بسبب ما وصفه المتحدث باسم الحزب بـ”القمع الأمني والسياسي”.

إلا أن شهاب وجيه- المتحدث باسم حزب المصريين الأحرار- قال لـ«مدى مصر»: “من غير المحتمل أن يدعو الرئيس لتعديل الدستور أصلًا.. الرئيس لا يخشى سلطات مجلس النواب الواسعة لأن شعبيته تفوق كل الأحزاب التي ستخوض الانتخابات البرلمانية أصلًا”.

ويخوض “المصريين الأحرار” الانتخابات البرلمانية بـ 210 مرشحًا، وهو إحدى القوى المشاركة في قائمة “في حب مصر” التي يشارك فيها أيضًا عدة أحزاب،  “الوفد، والمحافظين، ومستقبل وطن، والمؤتمر”.

وقال وجيه- الذي روَّج حزبه للتصويت على الدستور بـ”نعم”- إنه “لا مجال لتوقع تعديل الدستور على خلفية السلطات الواسعة التي منحها للبرلمان، إلا إذا اتضح مثلًا أن تشكيل الحكومة أصبح عسيرًا نتيجة تنازع الاختصاصات بين الرئيس والبرلمان، وهو ما ليس متوقعا في كل الأحوال”.

من جانبه، قال مسعد أبو فجر- عضو لجنة صياغة الدستور- لـ«مدى مصر»: “نتيجة الاستفتاء على الدستور تشير إلى أن شعبيته تفوق شعبية السيسي نفسه، على نحو يمكن أن يوضح أولويات الشعب وقتها.. ومع ذلك فلا بد أن نعترف أن نفس الشعب لن يبالي بتعديل الدستور من عدمه؛ نتيجة الانتهاكات المتتالية لنصوصه”.

كانت نسبة التصويت لصالح تمرير الدستور في الاستفتاء الأخير قد وصلت إلى 98.1%، في حين لم تتعد نسبة التصويت للسيسي في الانتخابات الرئاسية العام الماضي 90%.

 وأضاف أبو فجر: “ما قيل من الرئيس حول حسن النوايا لا يستقيم مع دستور نص على حظر الأحزاب الدينية، على نحو يفترض ألا يترك مجالا مجددا لاستخدام الدين في السياسة.. أي شيء بخلاف هذا ليس إلا محض صراعات أخرى تخص الرئيس وحده.. ربما تكون صراعات مع أجنحة في الدولة نفسها يخشى الرئيس من نفوذها المحتمل في البرلمان”.

إلا أن عمرو هاشم ربيع- نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية- يرى من جانبه أن السيسي لا يخشى نفوذ الإسلاميين الذين غالبًا ما سيقتصر وجودهم في البرلمان على حزب النور السلفي .

مضيفًا أن “الرئيس هو من استقدم حزب النور لمشهد الثالث من يوليو (عام 2013) في مسعى منه لكبح نفوذ الإخوان المسلمين.. والحاجة إلى حزب النور في هذا السياق لا زالت قائمة”.

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن