‫#‏مع_سيف‬ *

أول مرة قابلت “عمو سيف” كان لسه بالنسبة لي “الأستاذ أحمد سيف الدين”، لأني عمري ما بفتكر الأسامي صح.

يوم ٢٥ مايو ٢٠٠٥، رحت قسم شرطة الدقي، معايا بطاقتي الانتخابية عشان أصوت ضد الاستفتاء على تعديل المادة ٧٦ في الدستور. بطاقتي الشخصية كانت ضايعة مني. وبالتالي نزلنا في أرشيف القسم ندور على اسمي في السجلّات. وقتها، إدّعوا إني غير مُسجّلة وبالتالي مليش حق التصويت.

خرجت من القسم وطلعت على ضريح سعد زغلول، في المنيرة، أدوّر على المظاهرة، اللي دعت لها حركة كفاية احتجاجًا على التعديل الدستوري. كنّا أيامها بنطوف حوالين النقطة المتفق عليها للتظاهر فردين.. فردين، عشان ما يتقبضش علينا بحجة التجمهر. أول ما نتأكد إن عددنا زاد وبقي ١٠ أو ٢٠ متظاهر بنضم على بعض بسرعة والأمن يتجمّع علينا ويعمل كوردون.

طبعًا شويه والمظاهرة قلبت غم. بعد كام ساعة لقيت نفسي على سلالم نقابة الصحفيين، ظهري لباب النقابة اللي إتقفل وحبسنا خارجها، وقدامي كوردون من الشباب وكلاب سعرانة من بلطجية الحزب الوطني بيحاولوا يهبشونا من خلال الكوردون. أيامها كان عندي قدر من السذاجة والرومانسية، مقدرش أدّعي إني تخلصت منهم تمامًا، وكنت مخضوضة جدًا من وجوه الناس اللي بتحاول تهبشني أنا والبنات اللي معايا. عينيهم كانت بتقول “أنا هعمل فيكي حاجة عمرك ما تنسيها”. وأنا كنت واقفة متسمّرة مش قادرة أتحرك وكل اللي في ذهني سؤال متكرر، “ليه؟ ليه حد ما عرفوش ولا آذيته يكون مُحمّل بهذا الكم من الغل والرغبة في كَسري وانتهاكي؟”. فضلت عيني في عين واحد منهم – عينيه كانت عسلية اللون- مش معاه حتى عصاية يضربني بيها، بيحاول بس يهبش بإيديه. الوضع تطور أكتر لما حبسونا في جراج جنب النقابة. تجربة نجوت منها أنا ونورا يونس، المُدوِّنة وقتها، وفضلت شايلة، لسنين بعد الواقعة، ذنب اللي اتحبسوا مع البلطجية جوه.

بالليل أخدتني نورا لمركز هشام مبارك، وكانت أول زيارة للمركز. كان في ناس كتيرة جدا هناك زيّنا. أفواج من الشباب لاجئة لأحمد سيف. ناس مهزوزة ومتلخبطة، جاية له عشان يساعدهم في استيعاب اللي حصل. عشان يساعدنا نصيغ التجربة في جملة مفيدة. إحنا كده إيه؟ خسرنا؟ كسبنا؟ إنكسرنا؟ ولا نجونا؟

رغم كل شيء قبيح شوفناه وتعرضنا له، عمو سيف إتكلم على اليوم والأحداث اللي حصلت بمنتهى السلاسة والخفة والتفهّم والتعاطف. أنا مش فاكرة هو قال إيه بالظبط، فاكرة بس إعجابي وامتناني لقدرته على تفسير اليوم بشكل لا يقلل من وطئة التجربة ولا يضخم من حجم الفجيعة. في كل اللي شفته ومررت به، حسيت إن مقابلته كانت بمثابة حضن دافىء. مع إني لا قربت منه ولا حتى تبادلنا الحديث. نورا قالت لي بعدها إن أحمد سيف قضى ٥ سنين في السجن ومر بالكثير من التعذيب، وإنه درس القانون وحصل على ليسانس كلية الحقوق أثناء قترة حبسه.

عرفت بعد كده من سيف في مرحلة ما، إنه ظل على علاقة طيبة واتصال دائم مع السجّانين، وإنهم ساعات بيساعدوه يلاقي مساجين تانيين في لحظات اختفائهم بعد القبض عليهم.

أحمد سيف كان نموذج للإنسان الخيالي اللي كان نفسي أبقى زيه، وأفضل زيه. يفضل دايما عندي إيمان في انتصار الحق والعدالة في نهاية كل قصة، وفي ذرة الخير اللي في كل بني آدم غصب عنه ومهما ارتكب أخطاء، واللي بتخلي كل بني آدم يستحق الدفاع عنه. دلوقتي هو نموذج البني آدم اللي ساعات يصعب على الخيال تجسيده.

في ٢٠٠٦ مررت بتجربة شخصية مؤلمة جدًا هزت ثقتي في طبيعة البني آدمين عامة، ولخبطت كل معاييري ومفاهيمي عن قدرة البني آدمين على فعل الخير والشر. فضلت أحاول أتخيل تجربة سيف في السجن كانت عاملة إزاي. أكيد مرّ بلحظات من الإحساس بالألم والقهر ويمكن حتى المرارة أو الهزيمة. ويمكن ساعتها أو في لحظات إلتئام جروحه كان بيفكر “ياااااه.. طيب والناس اللي ملهاش أصحاب ولا أحباب يدافعوا عنهم أو يعرفوا يوصلوا لهم  بيكونوا عاملين إزاي؟”.

فضلت أقتدي به وبتجربته في السجن، اللي عمري ما كان عندي الشجاعة إني أسأله عنها. فضلت بعافر في هذه التجربة الوجودية لحد ما تعلمت منه درس ملهم جدًا من غير حتى ما أشاركه فيه أو أشكره عليه. إتعلمت إن الواحد لما بيدي نفسه فرصة للألم، ولما بيدي فرصة للخسارة والحزن يتغلبوا عليه ويتمكنوا منه، مش بيفقد نفسه. بالعكس، الحزن والألم والخوف والإحساس بالضياع التام واختفاء المعايير بيخلق جوانا بير غويط، مظلم ومخيف، مليان بكل أنواع الأحاسيس العميقة. والبير ده عمقه بقدر إنسانيتنا. الاستسلام المؤقت للغوص في البير ده بيطلعنا منه بني آدمين أكثر حساسية. ولما بتذول حدة الأحاسيس والمشاعر بنوصل لمفترق طرق: إما إننا نقفل على البير ونقرر إننا مش هنخلي التجارب تنزّلنا هناك تاني، أو إننا نخليه مفتوح ونفضل دايمًا نحب ونتألم بعمق أكبر، والأهم من ده كله إننا بنحس بالبني آدمين بشكل أعمق. وساعتها الواحد بيحس بآلام ومعاناة الآخرين، غصب عنه، بشكل أكبر. وده مش نابع من الشفقة، لأ، هو إحساس نابع من بير غويط موجود في عمق  كل بني آدم. بير بيجمعنا كبني آدمين عبر الأزمنة وهو دافع البشرية في كفاحها لما هو أحسن. التفاؤل والإحساس بالآخرين مش بيجي من السذاجة والتجارب الإيجابية، بالعكس، يأتي مما هو أعمق. وبيفكر الواحد دايما بوحدة الحزن وعتمة الفقدان. وبيفكر الإنسان دايمًا بساعات الليل المتأخرة وكل ما تحتويه من بني آدمين في عتمة وحدتهم، بيفكروا في مفقوداتهم ومفقودينهم من أحباب وأفكار ومثاليات.

سيف عرف يستفيد بده كله، وقضى معظم أيامه ينور العتمة ويرجع المفقودين لأحبابهم.

روّحت البيت يوم ٢٥ مايو، وقطّعت الهدوم اللي كنت لابساها، مفيش كمية من أي مسحوق غسيل كان ممكن تزيل الوساخة اللي عليها. وكتبت عن اليوم والتجربة ويقيني إن الدفاع عن الحق، حقنا وحق غيرنا، كفاح مرير ومش بالضرورة تجربة سامية ونظيفة زي ما كنت متخيلاها. وكتبت طبعًا عن حضن أحمد سيف. بعثت اللي كتبته على الإيميل ووصل لعلاء سيف بالصدفة. بعتلي وعرّفني بنفسه. إقترح عليا إني أعمل مدونة وأنشر المكتوب عليها، وقاللي إنه قرا اللي كتبته لوالده. وعمري ما عرفت لما قراها لسيف حس بإيه!

بعد ٢٠١١ كان فيه فوج من الأفواج العديدة اللي جات عشان تلمس كعبة ثورتنا. وجاتلي بنت نفسها تقابل المحامي الكبير اللي ورا مركز هشام مبارك، ناصف المظلومين وظهر المتظاهرين، واللي أعطى لوجودنا في الشارع شرعية. قعدت أترجم أسألتها وأترجم ردوده، وهو مرضيش يكسفني وكان بيستنى الترجمة لكل سؤال وكل رد، لحد ماترددت في ترجمة أحد الردود. وقتها، كلّمها على طول وبسلاسة بالإنجليزي. آخر سؤال سألته له كان عن أكبر وأهم قصة نجاح لمركز هشام مبارك في رأيه. رجع في كرسيه، ورجّع راسه لورا وقعد يقلب في دفاتر ذاكرته وتجاربه.

بالتأكيد البنت كانت منتظره قصة تغيير قانون مُعيّن، أو تدريب جيل من المحامين الحقوقيين، أو حتى قصة عن  فلسفة محاولة فرض القانون على دولة اللاقانون. توقف سيف عن هزّ كرسيه، وظهرت ابتسامة عريضة على وجهه. ورجع لنا بالذكرى اللي افتكرها.

حكى لنا على يوم جات له فيه ست كبيرة من نجع في قرية في بلد بعيدة، بعد ما أخدت عدد كبير من المواصلات خلال عدد أكبر من الأيام والساعات عشان توصل له. ابنها كان اتقبض عليه واتلفّقت له تهمة. ميعرفش عرفته إزاي ولا سمعة عنه منين. أخد منها الأوراق واشتغل على القضية لحد ما الولد أخد حكم بالبراءة.

رجعت له الست من البلد البعيدة بعد فترة، بس المرة دي مش لابسة أسود ومعاها ابنها. كانت جايبة له هدية- يمكن طبخة-  مش فاكرة هي إيه. وهي دي أكبر وأبرز قصة نجاح شخصية له. واللي هي أكبر من قصة المركز نفسه. وقاللي بالعربي “قصص الناس الصغيرة تطغى على كل شيء”، واتشاركنا ابتسامة لذكرى قديمة.

مررنا بتجارب كثيرة في الأربع سنين اللي فاتوا شيّبتنا، وبنتمنى إننا ننساها ونخلص من ثِقلها. لكن ذكرى فراق أحمد سيف، بقدر ما هي مؤلمة ووقعها مرعب، بقدر ما مليانة بالحب والأمل والطمأنينة، زي الحضن الدافي في الأيام الصعبة، زي روح أحمد سيف الإسلام بالضبط.

* طلبت أسرة الراحل أحمد سيف الإسلام من محبيه وتلامذته استخدام ذلك الوسم (‫#‏مع_سيف‬) للكتابة عنه في ذكرى رحيله الأولى.

اعلان
 
 
علياء مسلم