الجمال السياسي

إحدى المشاركات في مسيرة الجمال السياسي

إحدى المشاركات في مسيرة الجمال السياسي

هل هناك ما يمكن وصفه في السياسة في آخر ١٠ سنوات بالجمال؟ هل يمكن أن نجد جمالًا في السياسة في العالم الآن في العقد الذي شهد ظهور داعش وبجيدا (Pegida) وبوكو حرام “حركة شباب المجاهدين” وقلعة أوروبا “fortress europe” وسياسات التقشف الإجبارية في اليونان. هل يمكن أن نجد جمالًا بعد النكوص والارتداد إلى ما بعد الربيع العربي والحنين إلي الحكومات والممارسات  السياسية التي تنتمي إلى منتصف القرن العشرين فكرًا وممارسة، وإذا تركنا المنطقة العربية والشرق الأوسط، هل هناك ما يمكن وصفه بالجمال السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا.. هل يمكن بشكل عام أن نصف السياسة بالجمال؟

الإجابة عند هذا المشروع أو المبادرة التي تسمى بـ “الجمال السياسي”- كما يسميه أصحابه الذين يصنفونه بأنه مشروع فني نوعًا ما، أو مشروع يستخدم التدخل الفني.

والجمال السياسي ليس مشروعًا سياسيًا أو حركة سياسية احتجاجية، وهذا يدفعني مرة أخرى للتفكير في آليات المقاومة السلمية المجتمعية وإبداع طرائق وأفكار جديدة قديمة لتسجيل موقف سياسي أو تحريك الرأي العام والحشد والتغيير حتى في ظل حكومة يمينية محافظة مستقرة وقوية، وفي ظل صعود يمين مسيحي غربي راديكالي ينمو في ظل الديموقراطية المستقرة، وهنا أتحدث عن أوروبا وعن ألمانيا وتحديدًا برلين التي شهدت أكبر حدث دعا له ما يسمي بـ “مركز الجمال السياسي”.

“مركز الجمال السياسي”، وكما يقول موقعهم على الإنترنت وصفحتهم علي facebook هو مصنع أفكار think tank- مؤسس من ٢٠٠٨ في برلين- يصل الفن التفاعلي بالسياسة بحقوق الإنسان، ويسعى إلى جذب انتباه وسائل الإعلام لحماية أرواح الناس. والوسائل التي يستخدمونها هي العروض المسرحية والمعارض والمبادرات والمجسمات الفنية في المساحات العامة والأفلام والاحتفالات والتجمعات. ويمكن أن تتعرف على أعضاء مجموعة الجمال السياسي من خلال علامات الفحم والهباب (السخام) على وجوههم وهم يؤدون أو يتحدثون في العلن والمساحات العامة.

دعا مركز الجمال السياسي، في يوم الأحد ٢١ يونيه الماضي، لمسيرة تبدأ عند مبنى البرلمان الألماني وتمر من أمام مكتب المستشارة الألمانية وتنتهي في حديقة البرلمان الألماني، لدفن أحد المهاجرين الذين غرقوا على شواطئ إيطاليا في إحدى محاولات الهجرة الفاشلة من جنوب المتوسط إلى شماله، هذا هو إعلانهم ودعوتهم والغرض هو محاولة دفن جثة حقيقية لسيدة مسلمة تم جلب جثمانها إلى ألمانيا وتم استئذان أسرتها، هذا ما سمعت ولم أسع للتأكد والتوثق منه بدقة، ولكن ما أردت التوثق منه هو الآليات التي اتخذوها للبرهنة على صدق هذا الفعل المثير للجدل والصادم، أناس يدعون أنهم ينظمون عمل ما بين الفن والسياسة، ويدعون الناس العاديين للمشاركة في دفن جثمان غرق في دولة أخرى، إنها محاولة مجنونة لإحراج حكومة من أقوى الحكومات في العالم. هذه المرة لن نقوم بفعل رمزي ولكننا سنضع جثة قذفها البحر على شواطئ أوروبا وأنتم مسؤولون عنها لذا سندفنها في حديقتكم.

المسيرة كانت كبيرة جدًا بالنسبة للمظاهرات الأسبوعية المعتادة التي تنظم في ميدان “أورنيون” في برلين؛ فقرابة الـ١٠ آلاف شخص متجمعين في انتظار إشارة التحرك، أعلام قليلة، وهتافات ضعيفة ومن حين لآخر يظر شخص يهتف لثوانٍ ضد سياسات رفض الهجرة والمهاجرين، وكمصري شهد ٢٥ يناير في ميدان التحرير و٢٨ يناير في شوارع الإسكندرية، وما تبقى من معركة الاتحادية التي قضى فيها الحسيني أبو ضيف وآخرون في ٢٠١٢، ومظاهرات ٣٠ يونيه في ميدان سيدي جابر وشوارع الإسكندرية في ٢٠١٣ وغيرها من المسيرات والاشتباكات والاعتصامات على مدار السنوات منذ ٢٥ يناير ٢٠١١، فإن ١٠ آلاف من الألمان في برلين في مسيرة احتجاجية  يفترض أن يكون  بالنسبة لي مشهدًا عاديًا وليس استثنائيًا على الإطلاق، وخصوصا عندما أرى علامات بصرية تحيلني إلى سياقي المصري، فمثلًا رأيت متظاهرًا يرتدي قميص tshirt عليه صورة شهيرة لميدان التحرير، وهو ممتلئ بالمصريين ومكتوب عليها ٢٥ يناير، وهو يبيع ملصقات ومنتجات عليها صور جيفارا وأخرى كتب عليها ٢٥ يناير والعديد من المنتجات الأخرى التي تتصل والسياق الثوري أو الاحتجاجي .

فكرت أن خصوصية هذه المسيرة في تنوعها، ولكن ولا حتى هذا التنوع كان استثنائيًا، فالمسيرة/ المظاهرة كانت متنوعة جدًا ولا تقتصر على النشطاء الحقوقيين أو المهتمين بالقضايا السياسية ولا المؤدلجين أو الفنانين السياسيين، وإنما كان بها أسر وأطفال ومراهقون، فحتى هذا مررنا به في زخم الحراك السياسي والاجتماعي بعد يناير، وأصبحت صرعة (موضة) الذهاب للمسيرات والاعتصامات وأحيانًا الاشتباكات، وهذا أيضًا أحالني لسياقي المفتقد بعد أحداث رابعة الدموية والتواطؤ العام الذي اعتبر ٣٠ يونيه آخر التحركات في الشارع.

صورة من مسيرة الجمال السياسي

صورة من مسيرة الجمال السياسي

المثير للتفكير بالنسبة لي هو كيف تعامل الناس في هذه المسيرة مع المساحة العامة مع المجال العام: خالقو ومحركو الفعالية والمستجيبون لها والمشاركون بها، ووجدتني أفكر في المقارنة بين مصر وألمانيا، هل تعلمت هذه المسيرة منا؟ هل يمكن أن نتعلم نحن ما تعلموه منا مرة أخرى؟ وطبعًا عند التفكير في المقارنة بين مصر وألمانيا كان حاضرًا في ذهني أن هناك فوارق كثيرة، وأن الفارق الجوهري في أن المساحة العامة في برلين مقدسة ومحترمة من قبل الجميع بحكم القانون والإجماع الضمني العام على هذا المبدأ، وبحكم الواقع فهي تتسع للجميع ويسهم بها الجميع (المتدين والمثلي والشرطي والفنان والمحافظ سياسيًا والمحافظ دينيًا والملحد والمتشرد وعاملات الجنس ورجال وسيدات السياسة والناشط الراديكالي والمتدين الراديكالي والمهاجرين والمهاجرات)، كل ما ذكرته بين القوسين ذكر من منطلق التداعي الحر، كأنك تلعب لعبة مسرحية تذكر أنماطًا تمر على بالك بلا تفكير. ولكن اختزال كل مواطن أو إنسان فقط في كلمة تنمطه ليس إنسانيًا على الإطلاق، فهل أنا أقع في خطأ يتناقض مع مبادئ الديموقراطية العامة؟ ولكني فكرت أن تنميط الناس من خلال كونهم مواطنين من قبل الدول والمجتمعات هو اعتراف بهم وحفظ لحقوقهم؛ لأنك حين تشرع في سن قوانين للمساحات العامة والمجال العام يجب أن تأخذ الكل في اعتبارك بصفاتهم العامة جدًا المخلة أحيانًا.

التساؤل الثاني والمقارنة الثانية أثناء مسيري في المسيرة، التي هي ضد سياسات أوروبا في الهجرة، وأنا في ألمانيا، وهي البلد الحلم بالنسبة لكل من ركب مركب متهالك في البحر هربًا من الحرب في سوريا أو من جماعة الشباب في الصومال أو من الفقر المدقع في السودان أو من الحرب في ليبيا أو من الأوضاع الاقتصادية في مصر .

هل لو كان المجال العام مفتوحًا والمساحات العامة متاحة وحرية التظاهر في مصر مكفولة، هل كنا سنتمكن من تنظيم فعالية مثل هذه؟ ليس على مستوى الحشد ولا على مستوى التأثير وإنما على مستوى القناعات، هل لدينا من القناعات ما يمكننا من صياغة تصور حول طريقة لبناء زخم حول قضية كالهجرة غير الآمنة (الهجرة غير الشرعية) نحن طرف أصيل فيها؛ فمصر محطة لللاجئين وتنطلق من سواحلها قوافل الهجرة في المتوسط وتزدهر بها تجارة تهريب البشر.. كيف سنتظاهر؟ ماذا سنرفض؟

من متابعتي للقضايا التي تشبه هذه القضية، على سبيل المثال: التظاهرات ضد السعودية عقب جلد المواطن المصري أحمد الجيزاوي، فسرعان ما تختلط فيها الأهداف والصياغة فيخفت الجانب الإنساني كجوهر لقضية ما ويصبح انحيازنا لقضية ما قوميا أو دينيا أو نابع من استعلاء وعنصرية، وهنا أستثني إلى حد ما الفعاليات الاحتجاجية الثورية ضد الأنظمة السياسية المتعاقبة من ٢٠١١، وإن كانت هذه الدوافع أحيانًا محركة لكثير من الأحداث ولقطاعات كبيرة من الجماهير كما نرى مع جماهير الإسلام السياسي أو مع جماهير السلطة الأوتوقراطية الناشئة بعد ٣٠ يونيو.

صورة من مسيرة الجمال السياسي

صورة من مسيرة الجمال السياسي

التساؤل الثالث الذي خطر لي حول مسيرة مركز الجمال السياسي هو تصنيف هذه الفعالية أو تصنيف هذا الفعل.. هل هو فعل سياسي أم حدث تفاعلي فني؟

استمرت المسيرة ثم قام البعض بإزالة السور الحديدي القصير حول حديقة “الريتستاج”، وهنا تم اقتحام حديقة البرلمان الألماني بأعداد كبيرة، ثم بدأ الناس بحفر حديقة البرلمان عشرات الحفر وإلقاء الزهور بداخلها، حفروا قبورًا رمزية والشرطة موزعة حولنا في أكثر من مكان وبدأوا في إطلاق النداءات واعتقلوا شخصًا ما ثم تركوه، وكنت أنتظر لحظة الدفن الحقيقية ولم تحدث. وكما عرفت أنهم لم يستطيعوا دفن جثمان المهاجرة التي غرقت؛ لأن هذا يتنافي مع قوانين دفن الموتى في ألمانيا، رغم أن سيارة سوداء كانت تصاحب المسيرة كتب عليها “دفن وفقًا للشريعة الإسلامية”.

ماذا لو كان الدفن قد تم؟ هل هذا فعل سياسي أم مشهد سينمائي ملحمي؟ هل عندما سنقيم فعاليات مركز الجمال السياسي سنقيمها بمقاييس النقد الفني أم بمقاييس علوم الاجتماع والسياسة؟ هذا التداخل بين فعل الدفن كفعل إنساني يومي وتحويل هذا الفعل إلى فعل أدائي حي وملحمة جمعية سيتذكرها كل من عاصرها ويستدعيها ويبني عليها أفعال أخرى في حياته العملية والاجتماعية.

صورة من مسيرة الجمال السياسي

صورة من مسيرة الجمال السياسي

ذكرتني فعالية “الموتي قادمون” بتصنيف أرسطو في كتابه “فن الشعر عن التراجيديا” أن التراجيديا المسرحية الغرض منها التطهير من خلال إثارة الخوف والشفقة لدى المتلقي، فهو يرى أوديب يفقأ عينيه نتيجة خطأه التراجيدي، وهذا الخطأ هو الغرور فيعاقب نفسه ويذهب البطل إلى مصيره المأسوي المحتوم، فيشعر المتلقي بالخوف من مصير البطل والشفقة على حاله. المسيرة التي شاركنا فيها تشبه كثيرًا التراجيديا الإغريقية المسرحية “أنتيجون” الفتاة التي أصرت على أن يدفن شقيقها دفنًا لائقًا حتى يذهب إلى العالم السفلي بأمان؛ لأن هذه قوانين السماء، وهو ما كان ضد رغبة الملك كريون (عم أنتيجون) الذي أراد أن يتركه في العراء؛ لأنه كان يحارب طيبة مدينتهم ودولتهم، وهذه التراجيديا تحديدًا تحمل تكثيفًا للعلاقة بين السلطة الحاكمة والمدافعين عن حقوق الإنسان أن تدفن دفنًا لائقًا هو حق، كما أيضًا من حقوقك أن تعيش عيشة كريمة ولكن المسيرة تختلف في أننا المؤدون والفاعلون. نحن لا نرى تراجيديا، نحن نحاول أن نمنع تراجيديا أخرى لأبطال عاديين ليسوا نبلاء من خلال إثارة الخوف فقط لدى صناع التراجيديات اليومية، من خلال وضع المشاهد الصادمة أمامهم مباشرة .

مركز الجمال السياسي وفعاليته “الموتي قادمون” مبادرة من القرن الواحد والعشرين تحاول أن تردع سياسيي القرن العشرين وأفكارهم.

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب