معاناتي مع متلازمة الناجي

عقب أحداث موقعة الجمل الدامية قابلت مينا دانيال لأول مرة في ميدان التحرير.

آمنت بمينا منذ أول لقاء لنا. كانت آمالي ترفرف عالية في السماء بسببه، وكان موضع فخر لي رغم أنه يصغرني بأعوام كثيرة. لم يكن انتماؤنا المشترك للميدان السبب الوحيد وراء ذلك، ولم نكتفِ بكون الدافع وراء كفاحنا أننا أقباط؛ فقد آمنّا بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية لجميع البشر، وكان قدرنا أن يكون الصليب الذي نفخر بحمله على أعتاقنا تلك الحرب من أجل المهمشين.

قابلته صدفة قبل أسبوع من مجزرة ماسبيرو التي سقط فيها قرابة 30 محتج قبطي، وحدثني في هذا اليوم عن أنه آن الأوان لننظر لحقوق الأقباط كقضية مواطنة، فرغم أننا كنا ضد تأسيس حركة قبطية لذاتها، لكننا قررنا العمل على الدعوة لمظاهرات تطالب بحقوق المواطنة، وأردنا أن ننضم للمظاهرات المطالبة بالمساواة في حق بناء دور العبادة بصفتنا مؤمنين بميدان التحرير ومطالبه، لا كممثلين عن الأقباط. وكانت آخر مرة أرى فيها مينا على قيد الحياة.

كان من المفترض أن أنطلق مع المسيرة من شبرا، ولكني كنت وقتها المنسقة الميدانية لحملة دعم البرادعي وتأخرت في اجتماع في مقر الحملة بجاردن سيتي، فلم أستطع الانضمام للمسيرة في شبرا واضطررت للسير على الكورنيش لألحق بهم في نهاية المسيرة عند ماسبيرو، ذلك المبنى الإعلامي الذي لا يتورع عن بث الأكاذيب والسموم لجميع أنحاء مصر.

كنت أمد الخطى لألحق بالمحتجين حين بدأ الهواء يضيق تدريجيًا وشعرت بالثقل، خصوصًا بعدما قرأت تويتة من المسيرة تفيد بأن بعض البلطجية قد تعرضوا لهم. في هذا الوقت أحسست بالأغاني الصادرة من المراكب النيلية والفتيات ترقص على أنغامها وكأنهم يحيونني على اقترابي من المذبحة. تساوت الجثث بالأسفلت وتأججت المدرعات اشتعالًا وسادت الفوضى في المكان خلال الدقائق التي سبقت مطاردة الجنود لنا حتى وسط البلد. ولجأت مجموعة منا -أغلبنا بنات- لشقة كانت تتخذها مجموعة مينا الاشتراكية مقرًا لاجتماعاتهم. إنها الشقة التي كنت التقيته فيها آخر مرة.

قضيت تلك الليلة في المستشفى القبطي، وفي اليوم التالي كنت أحاول، مع الرفاق، إقناع ذوي الشهداء بالموافقة على التشريح قبل استلام جثث ابنائهم؛ فبغير تشريح لن يمكننا أبدًا طلب العدالة والثأر لحقهم. وافق الأهالي على التشريح ومع ذلك لم يُقدّم أحد للعدالة، فكان مينا دانيال على قائمتي المتهمين والشهداء في الوقت نفسه. إذا وقفت عند قبره في مدينة 6 أكتوبر ستجد عبارة “قتل على يد الجيش المصري في مظاهرة سلمية”، وهو ما يرفضه البابا تواضروس حيث صرّح مؤخرًا بأن قتلة مينا لا يزالوا مجهولين.

ارتديت الأسود طيلة أربعين يوم، ولم أخلعه سوى في ملحمة محمد محمود حيث شهدت المناضلين من أجل الحرية وهم يصنعون المجد، ومرت الشهور والأبطال يتساقطون الواحد تلو الآخر.

لا أظن أني كان لدي الوقت لأتدارك ما حدث تلك الليلة، كل ما أتذكره غضبي وإحساسي بالفقدان المخلوط بالإحساس بالذنب لأني نجوت، كنت أستيقظ من النوم مفزوعة من الكوابيس لأقول في ندم “يا ريتني ما تأخرت”.

ومرت الشهور وأنا على حالي متجنبة أي مراجعة للذات، وفشلت في معرفة أني مصابة بأعراض الصدمة والذنب والتصرفات المدمرة عقب اعتداء قوات الأمن عليّ بعد نجاتي من حادث ماسبيرو بسنتين،وهو ما مهد الطريق لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) في أشد صورة مرعبة له، وكان يعيش داخل رأسي مخرب صغير حيث ضمن بقاءه، هذا المخرب اسمه عقدةالذنب بسبب البقاء على قيد الحياة، أو متلازمة الناجي كما يسميها بعض الأطباء النفسيين.

فبالفعل كنت قد نجوت في ماسبيرو، ولكني نجوت بحمل الشعور بذنب البقاء على قيد الحياة.وكانت تصرفاتي المدمرة تعكس اللاوعي بداخلي، الذي صار يشعرني بأني لا أستحق الحياة، وبالتالي فأنا لا أستحق السعادة، وكان أي شيء يتصف بالجمال أو السرور أو المرح أو النجاح، أو حتى الحب، كفيلًا بشعوري بالذنب بشكل مؤلم، فكان الحل الطبيعي للهروب من الألم الشديد، وإن كان غير منطقي، أن أتعمد الهروب من أي شيء يجلب السرور، وأن أتجنبه بأي ثمن.

ومنذ سيطرة هذا المخرب الصغير عليّ، بدأ بتدمير أي فرصة للسرور (الذي لا أستحقه بالطبع). فالأشخاص الذين أحببتهمنالوا أكبر نصيب من الأذى على يد هذا المدمر، وبدأت أوذيهم الواحد تلو الآخر وأدفعهم- بشكل لا واعٍ- بعيدًا عن حياتي في سبيل معاقبة نفسي على النجاة، فأنا لا أستحقهم. وجاءت ردود أفعالهم لتثبت لي الاعتقاد الذي بدأت الإيمان به، وهو أني غير محبوبة ولا أستحق، فدمرت بنفسي آلية الحماية النفسية بداخلي، وكسرت أي شيء رغبت فيه بشدة نظرًا لقناعتي الداخلية بأني لا أستحق أي حماية أو حتى أي حق في امتلاك رغبات، فلقد نجوت، ومات هو!

وحسب ييل دانييلي، استشاري الطب النفسي الذي درس عقدة الناجي بشكل موسع وله عدة أبحاث منشورة تدرس هذه الظاهرة، فعلى الرغم من أننا لا نختار الشعور بالذنب، فإننا بالتأكيد سنعاني من آثاره وسنخلق الأسباب للتشبث به. فإذا غاب العقاب ولم نر نهاية للأمر، تصبح قلوبنا مقابر للأموات رغم أنها لا تزال حية وتنبض. ويرى دانييلي أن التشبث بالألم يعد إحدى طرق الحفاظ على تلك المقابر التي نخلقها بداخلنا. ويلعب الشعور بالذنب في هذه الحالة دورين، أحدهما ذا وظيفة تأبينية، والآخرللتعبير عن الولاء للموتى.

كان مينا قد أوصى قبل وفاته بأن يشيع جثمانه من ميدان التحرير قبل الدفن. ربما ما قاله دانييلي ينطبق هنا، وهو أن العزاء الناجح سيؤدي إلى أن أنسى الأموات، وبالتالي فسأنساه.

يرى دانييلي أيضًا أن الشعور بالذنب يفترض وجود الاختيار والقدرة على ممارسة ذلك الاختيار، ويمكن أن تكون عقدة الناجي محاولة من اللاوعي للتصدي لحالة العجز التي تسبب الخوف. وقد وصف دانييلي الأشخاص الأكثر عرضة لعقدة الذنب بأنهم الأكثر شعورًا بالمسؤولية تجاه الآخرين بشكل عام، وهو ما يشرح بدوره لماذا يفضلون اللوم الدائم لأنفسهم على الشعور المفرط بالعجز.

السبب الثالث للتشبث بالشعور بالذنب، حسب دانييلي، هو أنه يضمن لنا الإحساس بالانتماء للمجموعة أو الثقافة التي شهدت الحدث، وهو ما يخلق بدوره شعور بالعدالة والأمان في نظرتنا للعالم. نجا مينا من إصابتين خطيرتين أثناء الأيام الثمانية عشر للثورة على مبارك، ولكنه مات في ماسبيرو لا التحرير. ربما لا يكون مكان وفاته ذا مغزى لكثيرين، ولكنه على الأقل بالنسبة لي زاد من شعوري بالحزن- وربما الذنب- تجاه المجموعة التي عاشت المجزرة، وهو ذنب حاولنا- أنا ومينا- أن نبعد أنفسنا عنه حتى نكافح خارج حدود المجموعة الواحدة وبعيدًا عن قيود أيديولوجياتها.

كان الأقباط المجموعة المستهدفة ذلك اليوم، وكوني قبطية نجت معناه أني قد نجيت حين ضحى من صُلبوا. والمعضلة التي تطاردني منذ ذلك الحين بوضوح: “هل أستحق أنا النجاة؟ وهل استحق هو الموت؟ من فينا الذي نجى ومن الذي صُلب إذًا؟ وإذا كنت أنا الناجية وهو المصلوب، فلماذا لم يبعث من جديد ولماذا لا أشعر بالخلاص؟”

ونظرًا لأن معرفتي بالطب وطب النفس لم تكسبني المناعة من هذه العقدة الهدامة، فقد اخترت أن أشارك قصتي الشخصية، لم تكن أي معرفة بالعالم كله لتحصنني من الصدمة التي اخترقت كينونتي ودمرتني تمامًا.

أشارك قصتي لأني أعلم أن هناك الكثيرين مثلي ممن حبسوا داخل دائرة مفرغة تتكون من الصدمة والشعور بالذنب،غير قادرين على منح أنفسهم العفو الذي يمنحونه للبشرية كل يوم.

قيل لي مرارًا إن عليّ أن أدخل الرحمة لحياتي بالتدريج، وإن تلك الرحمة ستكون الصوت الذي يقاوم المخرب الصغير.ولم أستطع رؤية الضرر الذي تسببت فيه، سواء لنفسي أو لغيري الذين آذيتهم بشدة، إلا عبر تلك الرحمة. وبدأت أرى النجاة كفرصة ثانية، وأني لا ذنب لي أنه مات في حين أني قد نجيت، حتى ولو كنت أتمنى أن يحدث العكس. وببساطة فأنا لم أستطع ذلك اليوم منعه من الموت أو منع نفسي من النجاة.

أواجه الآن تحديًا جديدًا بأن أطلب الرحمة ممن آذيتهم. هل سأنال السماح ويصبح مسموحًا لي ثانيةً بأن أحيط نفسي بالمرح والسرور والحب؟ هل سيمنحون الحب فرصة ثانية وهم المصدومون بشكل كبير؟

لديّ أسئلة أكثر مما لدي إجابات، ولكن لديّ بالتأكيد الرغبة والأمل الصادقان بعيش هذه الفرصة الثانية كناجية- لا كمنبوذة- خرجت لتوها من الشر المحيق وشر المخرب الصغير بمساعدة الحب والرحمة.

اعلان