آخر وزير ثقافة

في يناير 2011، رفع ميدان التحرير شعار “الكذب حصري على التليفزيون المصري”، وفي يوليو 2013، كررت د. درية شرف الدين مقولة إنها آخر وزيرة للإعلام بعد ثلاثة تولوا المنصب بعد ثورة 25 يناير، فقد ظل قرار إلغاء وزارة الإعلام متوقعًا مع مشاورات تشكيل كل الحكومات التي أعقبت ثورة يناير، غير أنه مع الإعلان عن التشكيل النهائي للحكومة، تخيب الظنون، ويخرج الوزير المعين ليقول إنه يتمنى أن يكون هو “آخر وزير للإعلام”، وأخيرًا تركتها درية شرف الدين في يونيو 2014 محققة أمنية آخر وزير إعلام. فهل تم إلغاء وزارة الإعلام حقًا؟!

وزارة الإعلام وثيقة الصلة بوزارة الثقافة، فقد تولاها عدد كبير من وزراء وزارة الثقافة ومسؤوليها (منهم يوسف السباعي، الذي حمل الحقيبة الوزارية أشهر عدة سنة 1975)، بالإضافة إلى ظروف النشأة والتأسيس بوزارة الإرشاد القومي على يد فتحي رضوان. لتنتهي وزارة أنشأها نظام الضباط الأحرار، وقد استمرت 62 عامًا منها 22 عامًا للوزير المخضرم محمد صفوت الشريف (1 فبراير 1982 – 13 يوليو 2004)، في مقابل 24 عامًا في وزارة الثقافة لفاروق حسني، وكلاهما في نظام مبارك نفسه، وهي مفارقة مدهشة.

شائعات قوية عن ذعر النظام قبل نزول قوات الجيش إلى ميدان التحرير يوم 28 يناير 2011، إذا ما استولى ثوار يناير على المبنى العتيق أو على الأقل دخلوه وأذاعوا بيان الثورة من هناك، والبعض يحدد الساعات الدقيقة الضائعة للقيام بهذه المهمة والبعض الآخر يرتجف فرحًا أو ذعرًا وهو يتخيل البرادعي يلقي بيان الثورة في تلك الساعات الحاسمة. لكن تظل تلك الأماني لا تعني شيئًا في ظل هجرة جميع الكوادر الثقيلة من التليفزيون المصري إلى القنوات الفضائية من أول محمود سعد إلى رولا خرسا- بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معهم-  بعد الثورة مباشرة، ففقد ماسبيرو أهميته للدولة، بما يعني أن رأسمالية رجال الأعمال تفوقت على رأسمالية وسيطرة الدولة.

ظلت الوزارة تضم هيئتين فقط لا غير، وهما: “هيئة الاستعلامات ومبنى ماسبيرو”، منذ نشأتها وبعد الإلغاء من المفترض أن تنقسم إلى ثلاثة مجالس: «الهيئة المصرية للإذاعة والتليفزيون» أو “المجلس الوطني للإعلام” و«هيئة الاستعلامات» و«الهيئة المصرية لشئون الإعلام»،والأخيرة تختص بشؤون الإعلام والسياسات ومنح التراخيص وغيره وهو مع المجلس الوطني للإعلام، والذي يختص بمبنى ماسبيرو سيكونا تحت إشراف مجلس الشعب، أما هيئة الاستعلامات فستكون تحت إشراف رئاسة الوزراء.

لم أستطع التأكد من صحة المعلومات في الفقرة السابقة، فهي من مما يتداوله الجرائد، فلا يمتلك أحد معلومة موثقة نهائية إلا عدم وجود كرسي وزير الإعلام في تشكيلات مجلس الوزراء. السؤال هنا:”هل ممكن يأتي اليوم الذي تتخلى فيه الدولة عن الحقيبة الوزارية للثقافة؟ مع الانتباه أن الدولة تراها مع وزارة الشباب والشؤون الدينية كتلة واحدة حسب ما تشير الموازنة العامة للدولة سنويًا، أم سننتظر أن تفقد الوزارة أهميتها لدى الدولة وتتخلى عنها طواعية كما فعلت مع وزارة الإعلام؟”. السؤال المفترض أن يسبق هذا السؤال، ماذا سيفعل آخر وزير ثقافة؟ هل سيتفرغ للإصلاح وإصلاح عورات هيئات ومؤسسات وزارته أم سيعقد مؤتمرًا صحفيًا يعلن فيه استقالته وينشر تأشيرة من مجلس الوزراء بإنهاء مهام حقيبته؟ أم يقوم بمجزرة لقيادات الوزارة ويقلب عليه سخط شبكات المصالح وتعلن اعتصامًا بعروض الباليه وزوربا؟

 الحقيقة فكرة إلغاء وزارة الثقافة أو تقليصها ليست غريبة تمامًا عن الدولة. فقد كان منصور حسن أول “وزير دولة” لوزارة الثقافة والإعلام، وكاد أن يطبق سياسة معينة على وزارة الثقافة، يشير إليها د. عماد أبو غازي؛ فيقول: “تراجع دور الدولة في العمل الثقافي لتنتهي تلك المرحلة بإلغاء وزارة الثقافة ليحل محلها المجلس الأعلى للثقافة، مع الإبقاء على هيئة الآثار وهيئة الكتاب، وتحويل تبعية قصور الثقافة للمحليات، وتحويل وزير الثقافة إلى وزير دولة للثقافة والإعلام، وقد جاء ذلك في سياق سياسة جديدة للدولة لإلغاء الوزارات الخدمية وتحويلها إلى وزارات دولة، وتولت المحليات جزءًا أساسيًا من مسئولية القطاع الخدمي” [1]، وتولى مسؤولية تنفيذ هذه الهيكلة منصور حسن. صحيح كان هذا التوجه فى إطار سياسة الدولة في ذلك الوقت، فلن نستطيع تجاهل أن السادات قام بتفكيك المشروع الناصري الوطني التنموي، تلك السياسة التي أدت- في الاقتصاد خصوصًا-إلى انفتاح السداح مداح أو رأسمالية المحاسيب. لكنها في الثقافة كان هدفها تقليص بنية وليدة من المشروع الناصري، ونحمد الله أن رجال الأعمال لم يكونوا مهتمين بالمشروعات الثقافية في ذلك الوقت وإلا كانت سياسة الحزب الوطني (الساداتى) أخذت شكلًا آخر.

لكن مع تولي فاروق حسني الوزارة انعكست السياسة وتعامل الوزير الفنان مع الوزارة كأنها مملكة خاصة، تضخمت وكبرت هيئاتها وتضاربت مهام مؤسساتها وأصابها ما أصاب الدولة نفسها من ركود وإهمال. وعلى الجانب الآخر منذ التسعينيات ومع بضع كوارث أصابت الحياة الثقافية كـ “محرقة بني سويف وحرق المسافرخانة” نشأ وتطور ونضج قطاع ثقافي مستقل، ولفترة طويلة ظل يعمل بعيدًا عن المؤسسة الرسمية.

نعود قليلًا إلى وزارة الإعلام، لنرى التجربة بالكامل، اجتمع رؤساء تحرير عدد من الصحف المصرية بعد يوم واحد من اجتماع أعضاء غرفة صناعة الإعلام المرئي والمسموع مع ممثلي اتحاد الإذاعة والتليفزيون، لبحث الدور الذي يرونه واجبًا على الإعلام المصري في الوقت الذي تحارب فيه الدولة الإرهاب. الاجتماعان أتيا بعد الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته ٣٣ مجندًا في العريش بالشيخ زويد. في بيانهم أعلن رؤساء التحرير الذي يتولى عدد منهم مناصب وبرامج تليفزيونيةعن “دعم الإجراءات كافة التي اتخذتها الدولة في مواجهة العناصر الإرهابية وحماية الأمن القومي للبلاد”، كما تعهد الحاضرون “بالتوقف عن نشر البيانات الصادرة التي تدعم الإرهاب وتدعو إلى تقويض مؤسسات الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر”.

المعنى المباشر لهذا التصرف هو أن منظومة الإعلام الخاص المصرية، أظهرت تصميمًا على التماهي مع الخطاب الرسمي للدولة (بغض النظر تمامًا عن مهمة محاربة الإرهاب). وبالتالي انتقلت سيطرة الدولة على الإعلام من وزارة الإعلام الحكومية إلى مؤسسات إعلامية خاصة، وهو ما يبرر تخليها عن مبنى ماسبيرو. وبالتالي ليس هناك مبرر لتفاؤلنا لتبعات إلغاء وزارة الإعلام أو تخلص مؤسساتها من التبعية، فمازالت وزارة الإعلام تعمل بشكل آخر.

نرجع إلى وزارة الثقافة، فهي على عكس وزارة الإعلام، تحوي الحقيبة الوزارية للثقافة عددًا كبيرًا من المؤسسات والهيئات، وتتولى الوزارة عددًا كبيرًا من المهام المتنوعة، (وسنتجاهل مؤقتًا مشكلة العدد المبالغ فيه للموظفين العاملين بالوزارة)، السبيل الأول ليكون عندنا آخر وزير ثقافة هوأن تعمل تلك المؤسسات الحكومية بكفاءة واستقلالية، هي الآن عرجاء وعاجزة لأسباب كثيرة، تعمل فقط بالدفع الذاتي وجهود مركزية وتوجيهات من الوزير والسلطة أو الحكومة. السبيل الثاني هو نضوج المؤسسات الثقافية المستقلة وزيادة قدرتها على تحمل قدر من الخدمات الثقافية لهذا البلد، وهو ما قطعت فيه شوطًا معقولًا بالنسبة لتاريخها القصير.

 أما أهم مهمة لآخر وزير ثقافة في مصر، هي توفير بيئة صالحة للعمل الثقافي تقوم على شراكة حقيقية وفعالة بين مؤسسات المجتمع المدني الثقافي المستقل والمؤسسات الثقافية الحكومية لصنع سياسة واستراتيجية ثقافية متوازنة وواضحة. باقي الإشكاليات والمشكلات نستطيع حلها بناءً على السياسة الثقافية لكل المصريين والتبني الحقيقي للمؤسسات الثقافية المستقلة، وإدراكًا لأهمية ودور تلك المؤسسات في تكوين ثقافة مصر.

وفي المقابل، كانت هناك مجموعة من المثقفين المستقلين قد بدأت بالفعل في تقييم السياسات الثقافية القائمة في إطار مشروع تبنته مؤسسة “المورد” الثقافي في سبع دول عربية، وفي صيف 2010 عُقد في بيروت مؤتمر لمناقشة التقارير التي أنجزتها مجموعات العمل في البلدان العربية السبع، وانتهى المؤتمر إلى التوصية بتشكيل مجموعات وطنية للسياسة الثقافية في كل بلد من البلدان السبعة تقوم برسم سياسة ثقافية لبلدها، وبدأت المجموعة الوطنية المصرية عملها في خريف 2010، في البداية كانت المجموعة تضم ممثلين للجماعات الثقافية المستقلة إلى جانب ممثلين لوزارة الثقافة، وبعد الثورة تم استبعاد ممثلي الوزارة من المجموعة، وتوشك المجموعة أن تنهي عملها في وضع مشروع سياسة ثقافية لمصر لمدة ثلاث سنوات[2]، وبالطبع مع توقف مؤسسة “المورد” الثقافي عن العمل في مصر، توقفت مجهودات المجموعة الوطنية للسياسة الثقافية في مصر، ولكنها استمرت في دول عربية أخرى، فقارب مشروع السياسة الثقافية في تونس والجزائر– الذي بدأ في الوقت نفسه- على الانتهاء.

ما المعوقات التي تقف أمام تصور لصنع سياسة ثقافية لمصر؟

بداية ليست المؤسسات الثقافية المستقلة بالقوة، ولا هي مثالية مقارنة بمؤسسات الدولة الثقافية، بل قد تكون مصابة ببعض عورات الأداء الحكومي، لكنها تمتاز عن وزارة الثقافة بالمرونة والسعي إلى تطوير نفسها باستمرار. كما تمتاز الوزارة بأنها تدور في فلك الدولة، تكتسب قوتها منها وتستمد إرادتها من سياسة الدولة العامة، لكن تلك الميزة تتحول إلى نقمة عندما تنساق لتوجهات النظام.

وضع سياسة ثقافية أصبح ضرورة لمجاراة الوضع الثقافي العالمي، فأصبح الحديث الآن عن رصد ودعم الصناعات الثقافية الوطنية وحمايتها، وهو لم يكن من الممكن تصور تنفيذه إلا بسياسة ثقافية واضحة.

أخيرًا، أصبح الحديث عن إلغاء وزارة الثقافة غير ذي جدوى ويُفضل الاهتمام بتحقيق وتنفيذ سياستها الثقافية، لأنه ببساطة لو تم الاهتمام بهذه الخطوة، لن نقلق من سيطرة السلطة على مقدرات العمل الثقافي في مصر.


[1] د. عماد أبو غازي:الثقافة في زمن التحولات.. تحت النشر.

[2]المصدر السابق نفسه.

اعلان
 
 
طه عبد المنعم