فنانو “المايم” المصريون: كثير من التحدي.. كثير من المتعة
 
 

 

وسط ضوضاء القاهرة، تعرض مجموعة صغيرة من الفنانين المستقلين نوعًا من الفن يعتمد على كل ما يمتلكه الممثل من قدرات.. ما عدا صوته.

وعلى الرغم من كون البانتومايم ليس من الفنون التي تتمتع بشعبية كبيرة لدى الجمهور المصري. إلا أن ممثلي البانتومايم الشباب يصنعون حركة فنية صغيرة تضم العشرات من الفنانين الذين يقومون بعرض اسكتشات في المساحات العامة، ويشاركون في مهرجانات المايم والتمثيل الصامت في المسارح المستقلة، وأيضًا يدربون الجيل الصاعد من الممثلين لينشروا هذا الفن.

في فن البانتومايم لا يوجد على المسرح سوى الممثل أو مجموعة الممثلين. يمكنك أن تلاحظ عناصر الإضاءة والموسيقى، لكن لن تجد سينوغرافيا أو اكسسوارات. يكتفي فنانو البانتومايم بارتداء الزي الأبيض والأسود للوصول إلى الحيادية التي تترك فرصة لخيال الجمهور لتلوينها لاحقًا، اعتمادًا على براعة الممثل.

معظم الفنانين الفاعلين في هذا الفن في مصر من الشباب، وحوالي ١٠ منهم نشاطهم الفني مكرّس كليًا للمايم. يوجد مجموعة على فيسبوك تضم حوالي ١٠٠ فنان مايم في مصر، ولكن عند بدء محادثاتي مع فناني المايم كان معظمهم دائمًا ينصحوني بمحادثة نشطاء هذا الفن أنفسهم.

عن تاريخ البانتومايم

في عام ٢٠٠٧، كتبت نهاد صليحة- التي تعد أهم ناقدة مسرح في مصر حاليًا- في جريدة “الأهرام ويكلي” عن مهرجان الساقية الثالث للتمثيل الصامت، وضفّرت نقدها مع تاريخ فن المايم والبانتومايم في العالم، مستندة إلى مصادر أكاديمية.

تقتبس صليحة من كتاب آنيت لاست “من المايم اليوناني ومارسيل مورسو وأكثر: المايم والممثل والمهرج والبهلوان” (صادر عام ٢٠٠٠)، وتقول إنه على الرغم من أن المايم موجود كفن منذ قديم الزمان، لكن توجد ثلاث مدارس تحديدًا في التاريخ المعاصر تم تطويرها في أوروبا.

ففن المايم الإيحائي- الذي يستعين بالوجه الأبيض ويصور المشاعر والحالات الملموسة من خلال لافتات وحركات بأسلوب منمق- كان موجودًا منذ القرن الـ١٩. وفي أوائل القرن العشرين طور إتيان ديكرو المايم التجسيدي الذي يمكن أن يضم نصًا، لكن لا يعتمد عليه، بل يعتمد بشكل أساسي على تجسيد أفكار ومشاعر عامة. كما كان أسلوب ديكرو يوظف أيضًا الاكسسوارات وبعض عناصر المسرح الأخرى. أما في منتصف القرن العشرين فبدأ جاك لو كوك حركة تضم عناصر من فن المايم والمسرح الجسدي، وأيضًا المهرج والرقص وأنواع حركة أخرى.

أما بالنسبة لتعريف “البانتومايم” فيطلقه فنانو المايم على نوع الفن الذي يقدمه فنان يتقن حركات يومية بشكل واضح ودقيق، مستعينًا بزي ومكياج المايم الأبيض والأسود.

في أغلب الأوقات يستعمل الفنان المايم والبانتومايم في العرض نفسه. وكان هذا أسلوب أهم فنان مايم في العالم، مارسيل مورسو، الذي تعد مدرسته في فن المايم هي الأكثر انتشارًا بين أشكال المايم المعاصر في مصر والعالم.

ولم يقتصر فن المايم على المسرح فقط، ولكن لقي طريقه للسينما الصامتة، مثلما كان الحال في أفلام شارلي شابلن وباسر كيتون. كما يعرض المايم أحيانًا في بعض الدول الأوروبية في الشوارع والأماكن العامة.

 

البانتومايم في مصر

توصل معظم الباحثين للحضارة الإغريقية والرومانية كبداية لفن المايم، ولكن حسب ما قاله أحمد نبيل- أقدم وأهم فنان مايم في مصر- فهو يرجع لأيام الحضارة الفرعونية، مدللًا لـ”الأهرام ويكلي” في ٢٠٠٩، بوجود رسومات في بعض المعابد الفرعونية تروي كيف كان فنانو المايم يحكون للملك وزواره المغتربين قصص الحروب.

نبيل حاليًاً معتزل، في سن ٧٦، بعد سيرة طويلة من العروض المسرحية والتليفزيونية وتقدير واسع خارج مصر. بدأ نبيل المايم في الإسكندرية في الستينيات بالتدريب مع مبعوث ثقافي أمريكي كان أيضًا فنان مايم بعد أن كان معروفًا في المدينة كمقلد شارلي شابلين. بعد الكثير من التدريب والتغلب على صعوبات شتى درس نبيل إخراج المايم في أذربيجان.

عاد نبيل إلى مصر في السبعينيات، وبدأ عروض المايم وشارك كممثل غير صامت على المسرح والتليفزيون وفي السنيما، إلى جانب تمرين ممثلين شباب على أسس فن المايم. كان دائماً يستاء من أن معظم تلاميذه يتخلون عن المايم كلما جاءت لهم فرص عمل في السينما أو التليفزيون.

من الفنانين الذي قام بتدريبهم نبيل، محمد عبد الله، الذي يعد من أشهر فناني المايم في مصر. عبد الله عمره ٢٩ سنة، انضم للمايم في ٢٠٠٥، بعد ما حضر فعاليات مهرجان المايم في ساقية الصاوي. درب نفسه على المايم لفترة إلى أن قابل نبيل وتوسل إليه أن يسمح له بالانضمام لورشته دون مقابل مادي.

بعد تجاربه مع نبيل أكمل عبد الله دراسات المايم في اليونان، ورشحه نبيل كأحسن فنان مايم في إفريقيا مرات عدة.

عمل عبد الله مع عدد كبير من فناني المايم، على الرغم أنه يفضل العرض الصولو. في هذا الوقت يعمل الفنان مع مصطفى حزين، الذي عمره ٣٢ عامًا، ويعتبره زملاؤه من أقدم رموز المايم المعاصر في مصر.

عبد الله يشارك في أعمال أيضًا مع أوسكار نجدي، إلى أن قام الثنائي بجمع أعمالهما تحت مسمى واحد “المايم يونيت جروب” يقوما بتمرين ممثلين مبتدئين في المايم من خلالها أيضًاً.

تعلم عبد الله من نبيل أن مقياس نجاح المايم هو استيعاب الجمهور لقصته وحركاته ومشاعره.

ولكن معظم فناني المايم الذين حاورتهم، أكدوا أن هذا ليس من الساهل. فمن الممكن أن يقضي الممثل أشهر ليتمكن من تفهيم الجمهور أنه يمسك بلالين أو يجلس على كرسي أو يحوطه زجاج.

عمرو عبد العزيز، عمره ٢٦ عامًا، ويعد أيضًا من أكثر فناني المايم المشهورين بعروض في الأماكن العامة. في ٢٠١٢، أقام عبد العزيز ثمانية عروض في المترو بالقاهرة في إطار مشروع “شوارعنا” لمجموعة محطات للفن المعاصر. قبل ذلك عرض عبد العزيز مايم في مهرجان الرقص الحديث في دار الأوبرا المصرية في ٢٠١٠، الذي كان يعد أول مرة يشارك المايم في هذا المهرجان، وأيضًا أول مرة يشارك فنان من هذه السن الصغيرة.

عروض المترو مع محطات رغم كل صعوباتها لكنها ألهمته ليكمل عروضه في أماكن عامة. صمم وعرض عبد العزيز “المفكراتي” في أحياء شعبية مختلفة في القاهرة. أول سنة كانت فكرتها عن عادات رمضان التي مضت، وثاني نسخة للمفكراتي أبرزت علاقة الحرف اليدوية المصرية بعضها ببعض.

قال لي عبد العزيز إنه لم يقابل مشكلات كبيرة بعرضه في الأماكن العامة. في أحد عروض المترو، رجل ملتحي حذره أن ما يفعله حرام، ولكن بقية الناس في المترو كانوا مستمتعين بالعرض. في موقف آخر أوقفه ضابط شرطة للاستجواب وثاني مرة تقابلوا في المترو ابتسم له وشاهد العرض.

أحد المواقف الكوميدية الذي تداوله الإعلام الرسمي ومواقع التواصل الاجتماعي، كان في شكل صورة في صحيفة “المصري اليوم” في ديسيمبر ٢٠١٤، لفنان مايم شاب اسمه محمد سعيد وشهرته “شيتوس”، يسمى أيضًا “صاحب السعادة”، واقف بزي المايم أمام مخبر وشرطي وهما يلقيان نظرة على بطاقته الشخصية.

بعد انتشار الصورة قامت وكالة الأنباء الامريكية “أ.ب” بنشر مقالة بالصور عن شيتوس وهو يعرض في الشوارع والمترو. قال في هذه المقالة شيتوس إنه تدرب على المايم تحت يد أوسكار نجدي.

10801727_10153023741679316_4622461288895080878_n.jpg

Cheetos

بجانب مهرجان الساقية للمايم، عدد من الكنائس يستضيف عروض مايم في مهرجانات للمسرح التابعة لها. كنيسة “الملاك ميخائيل” بإمبابة، أخرجت فريق مايم مكون من الشباب اسمه “و لسه”، ويعمل حاليًاً بشكل مستقل عن الكنيسة. تقوم الفرقة بعروض صامتة في مهرجانات: الساقية وآفاق المسرحي والربع للبانتومايم غير الدوري.

أحد أعضاء الفرقة رغدة رأفت، تقول إن عروض الفرقة مستوحاة من واقع المجتمع وعروضها الشخصية تركز على حقوق المرأة في المجتمع كعرضها “يوم في حياة أنثى” الذي يبرز مشكلات التحرش الجنسي في مصر وعدم وجود عدل في تعامل المرأة والرجل.

تقول رأفت أيضًاً إن فريق “ولسه” يدرب نفسه بنفسه، وأنها لا تعرف الفرق المفصل بين المايم و البانتومايم وترحب الفرقة بأية فرصة للتدريب في المايم من قبل مدرب محترف.

أما بالنسبة لأكثر ثنائي مايم يظهر في الإعلام، فهما أحمد برعي وصفاء المحمدي من فرقة “اسمه إيه؟”، وهما أيضًاً مؤسسا الفرع المصري لمجموعة ١٠٠ألف مايم للتغير.

تقابل الثنائي صدفة عندما كان برعي يبحث عن ممثلة لتشاركه في عرض مايم “ماما وبابا والبزازة” في عدد مهرجان الساقية للمايم لعام ٢٠١١. يقوم الثنائي بعرض أشكال مختلفة للعرض الذي محوره أب وأم وابنهما الجديد، والتحديات تظهر من هذا لذاك اليوم.

لاحقًاً في عرض مع مجموعة “ماستربيس” التي تروج ليوم السلام العالمي، اكتشف برعي ومحمدي حبهما للعروض التي تلهم تغيرًا اجتماعيًا، وأيضًا العرض في الأماكن العامة، فبعد ذلك قاموا بعرضهما في فعالية “الفن ميدان” في عابدين المتوقف حاليًاً.

من هنا في ٢٠١٢، أسس الثنائي الفرع المصري لمجموعة ١٠٠ ألف مايم للتغير العالمية، التي تنتمي أيضًا لمجموعة ١٠٠ ألف شاعر للتغير، التي أسست في الولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠١١. فنظم الثنائي مهرجانًا باسم المجموعة نفسه، في ٢٠١٢ في صورة ٦ ليال من العروض في مراكز ثقافية ومحطة مترو الأوبرا، بعد أن ألهمتهما عروض عبد العزيز مع محطات في السنة نفسها.

كل سنة في المهرجان تقوم ١٠٠ ألف مايم للتغير، بعروض في المترو وتأخذ الإذن من إدارة المترو، وهي مهمة صعبة ومليئة بالبيروقراطية لكن ليست مستحيلة كما يقول الفنانون.

“قمنا بعرض بانتومايم في شبرا الخيمة، وبعد كام يوم أطفال من المنطقة حضروا عرضًا في المترو مع أهاليهم” تقول محمدي بابتسامة، وتعطي أمثلة أخرى من تجربتهم لإثبات رأيها أنه عندما يذهب الفنان للجمهور بنفسه ممكن أن يطور اهتمامًا حقيقيًا بالمسرح عند الجمهور، وبإمكانهم بعدها أن يأتوا إلى المسرح لمشاهدة العروض.

غير الدورات الثلاث لـ١٠٠ ألف مايم للتغير، فريق “اسمه إيه” يقوم بعروضه في أماكن عامة ومراكز شباب ومستشفيات أطفال ودور أيتام ومولات ومصايف.

100 mimes change by mohamed abdallah.jpg

Mimes for Ghange

توسيع نطاق البانتومايم

بعد محاورتي لعدد من فناني المايم، أدركت أنه يوجد عدد أكبر يعرض أعماله، ويتدرب على المايم ويتعلمه، ولكن فرص تعلم هذا الفن محدودة رغم أهميته للممثلين والجمهور.

في ٢٠١١، قام المخرج المسرحي هاني المتناوي ومجموعة من المسرحيين، باستضافة مدربي مايم محترفين من هولندا، لتدريب ممثلين في المايم الكلاسيكي والحديث في مدرسة القاهرة للتمثيل على مدار سنتين. عبد العزيز كان أحد الطلاب في دورة المايم.

لكن مع الأسف قفلت المدرسة بسبب نقص التمويل.

الفنان نبيل كان يمرن على المايم في الجامعة الأمريكية وساقية الصاوي، ولكن كانت الدورة مرتفعة الثمن فلم تكن في متناول الجميع.

في محاولة لجعل أسس فن البانتومايم في متناول عدد أكبر من الفنانين، أوقف عبد العزيز عروضه في ٢٠١٤، وكرس وقته لدراسة اللغة الإسبانية لتمكنه من دراسة المايم بشكل أكاديمي في إسبانيا. بعد الدراسة يأمل عبد العزيز أن يقوم بترجمة كتب المايم للغة العربية.

كلاهما عبد العزيز وعبد الله، يقولان إن الممثل عليه مسؤولية البحث عن بدائل للتعلم في ظل اختفاء الفرص، فالمعلومات موجودة في كتب وعلى الإنترنت وفي أماكن أخرى، وعلى الفنانين أن يجتهدوا في البحث ليتقنوا هذا الفن ويطوروه.

يقول كلا الفنانين أيضًا إن على الفنانين مسؤولية أيضًا، وهي فهم وإتقان تاريخ وأسس المايم قبل ممارسته وتدريب الآخرين للحرص على عدم انتشار اللغط وتشويه صورة المايم عند الجماهير. يقول عبد الله إنه بدأ تدريب المايم عندما كان يمارسه سبع سنوات، ولكنه يعرف عددًا من الفنانين يدربون مايم وهم لايزالون مبتدئين.

يقول عبد الله إذا بدأ وجود اهتمام من قبل الدولة بالمايم، فسيقوم هو ومصطفى حزين بعرض مايم طويل في مسرح “ملك”، وهو يعد أحد مسارح الدولة، والعرض ممول من الدولة أيضًا. مع ذلك يقول عبد الله إن هناك المزيد للقيام به، ويذكر ميسرة عبد المجيد، الفنان الذي يعرض ويدرب مايم في صعيد مصر دون أية مساعدة أو اهتمام إعلامي.

برعي ومحمدي لديهما رؤية لواجب فناني المايم على الانتشار والعرض في الأماكن العامة ومع الجمعيات الأهلية لنشر الفن.

“الجمهور المصري يحتاج أن يرى نوعًا آخر من المسرح. أصبح الجمهور يساوي المسرح بالكوميدي. إذا التفت الجمهور للمايم سيشعر بالقرب منه؛ لأن المايم يعرض مواقف الحياة اليومية على المسرح”.. يقول المتناوي: “ده ممكن يدعم حركة المسرح بأكملها في مصر”.

“الممثل مسؤول عن أن يؤدي والجمهور مسؤول عن استعمال خياله”.. يقول عبد الله: “أهم شيء في التمثيل الصمت الفكرة، وكلما كانت الفكرة بسيطة كل ما كان أحسن”.

“بالنسبة لنا المايم كان أقرب ما في متناولنا لأفق مسرحي جديد”.. يقول المتناوي: “ليتطور المسرح ككل”.

فيشرح المتناوي أن المايم يطور الممثل والجمهور. فالممثل عليه استعمال كل جسده على خشبة المسرح، وتكون حركته دقيقة ويجذب انتباه الجمهور، وعلى الجمهور استعمال خياله، ويكون موجودًا في سكوت دون كلام بين بعضه البعض أو استعمال المحمول، وهذا يعيد ثقافة المسرح.

“مجتمع من دون خيال هو مجتمع من دون مستقبل”..  تقول رأفت.

“دون خيال لن يمكننا أن نطور من نفسنا”.. تكمل رأفت: “ينتظر الأمر بما يجب عليه فعله بدلًا من استكشافه بنفسه. البانتومايم يتحدى هذا الواقع”.

اعلان
 
 
روان الشيمي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن