جولة بين فيديوهات أغاني “قناة السويس الجديدة”
 
 

ارتباط الإنتاج الثقافي بالمشروعات القومية ليس بالأمر الجديد في مصر، ويظهر هذا الارتباط تحديدا في مجالات الموسيقى والفنون البصرية. فكثيرًا ما تُكلّف الحكومة فنانين لإنتاج أعمال فنية مرتبطة بلحظات تاريخية بعينها، بينما يختار فنانون آخرون الاشتراك في هذه الأعمال دون تكليف حكومي. فعقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في ٣ يوليو ٢٠١٣ وأثناء فترة الانتخابات الرئاسية في يونيو ٢٠١٤، شهدنا مجموعة من الأغاني التي احتفت بالمناسبتين.

لم يكن افتتاح «قناة السويس الجديدة»، اليوم، استثناءً من هذا التوجه.

إذا ما حسبنا الأغاني والفيديوهات الموسيقية التي أُنتجت سنة ٢٠١٤ مع بداية المشروع، وكذلك الأغاني التي أُنتجت خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتلك التي ستُعرض للمرة الأولى في حفل الافتتاح، يمكننا الحديث عن إجمالي يقارب ٢٧ أغنية. بعض هذه الأغاني جاء بناء على تكليف من وزارة الدفاع، والبعض الآخر أنتجتها شركات إنتاج وفنانون صغار بميزانيات محدودة، غير أن جميعها جاءت ضمن الحالة الاحتفالية بـ«قناة السويس الجديدة» والأمل الذي ولّدته لدى مصر، أم الدنيا.

بمشاهدة فيديو تلو الآخر، والاستماع إلى أغنية بعد الأخرى، لم أعد قادرة على التمييز بينهم، وحيث امتزجت كل الأغنيات في رأسي في أغنية واحدة كبيرة تُظهر فيديوهاتها عددا لا ينتهي من السفن التي تعبر القناة. وبينما تختلف أسماء الموسيقيين والمؤلفين في كل أغنية عن الأخرى، إلا أن الأغاني كلها لها نفس الإيقاع والكلمات والتصوير.

واحدة فقط بين هذه الأغاني تبدو مختلفة، وهي أغنية “فات الكتير” لمحمد منير. وما يُثير الدهشة، في المقام الأول، هو وجود هذه الأغنية وسط قائمة الأغاني الاحتفالية. فمنير الذي دائما ما مثّل “اختيارًا بديلًا”، حتى من موقعه داخل التيار الفنيّ السائد، لم يُطلق فيديو لأغنيته، كما أنها ليست عن قناة السويس تحديدا، وإنما تقتصر على مدح مصر والمصريين بشكل عام. ويُمكن بسهولة اعتبارها أغنية متواضعة فنيًا مقارنة بأعمال منير في مجملها.

مشاهد القناة القديمة، للاحتفال بـ«القناة الجديدة»

مشاهد الحفر هي العامل المشترك بين كل الفيديوهات التي أُنتجت احتفالا بالقناة على مدى العام الماضي. ولعل لا غرابة في أن المقاطع المستخدمة في كل الفيديوهات واحدة، باستثناءات محدودة للغاية. تُظهر الأغنيات حفّارات تحفر القناة، وسفنا تعبر المجرى الملاحي القديم، ومشاهد مُصورة من أعلى للمياه والعمال في خوذاتهم ينظرون في خرائط موقع البناء.

وائل الصدّيقي، المُخرج الذي لم يُعرف قبل كليب “سيب إيدي” الذي حُكم عليه بالسجن سنة غيابيًا بسببه، أخّرج وغنى في العام الماضي أغنية “بحبك يا بلدي” مع مطربة مغمورة تدعى كنزي قزاز. وبخلاف معظم الأغاني، سافر الصدّيقي وكنزي إلى القناة وصوّر بنفسه المشاهد المستخدمة في الأغنية والتي يظهران فيها وسط موقع الحفر ووسط ضباط الجيش وأثناء ركوبهما العبّارة بين بورسعيد وبورفؤاد.

 

كلمات أغنية “بحبك يا بلدي” لم تخرج عن المألوف في كل الأغاني المعنية بـ”قناة السويس الجديدة”، وفريق عمل الأغنية لم يتجاوز أربعة أشخاص، من بينهم الصدّيقي، الذي قام بالإخراج والإنتاج والتصوير وشارك في الغناء، والمغنّية كنزي ومؤلف الأغنية ومُلحنها.

 يغني وائل وكنزي عن حبهما لمصر “أحلى بلد في الدنيا”، وعن أهلها الطيبين؛ ويشجّعون أفراد على تحسين وتغيير أنفسهم لكي تتغير مصر أيضا. وفي نهاية الأغنية، تقف كنزي أمام الكاميرا لتذكر أسماء فريق العمل، وتختم بعبارة “أتمنى إن الأغنية تديكم الأمل زي ما السيسي إدّانا”.

أما أغنية هشام عبد الله، وهو مطرب غير مشهور، فاعتمدت بالكامل على مشاهد قناة السويس. ففي الفيديو تظهر في الخلفية مشاهد القناة نفسها التي استخدمها الجميع، ويظهر هو أمام هذه الخلفية بطريقة المونتاج مُغيّرا قميصه مع كل لقطة.

كلمات الأغنية، التي كتبها شفيق كارم، تتحدث عن قدرتنا على “شقّ الأرض اتنين”، وهي مماثلة تمامًا لحديث النظام عن “القناة الجديدة”: “آدي الجيش قالها ونفذها.. فترة قليلة وهننجزها.. وآدي الشعب كمان جاي لها يبوسها من الخدين”.

أنتج الأغنية والفيديو شركة “وينرز ميديا”؛ التي لا تحتوى قناتها على موقع يوتيوب إلا على أوبريت واحد عن عيد الأم.

بينما تبدأ أغنية “منصورين” بمشاهد أرشيفية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر سنة ١٩٥٦ أثناء إعلانه تأميم قناة السويس، والتي تقطع على مشاهد للسيسي أثناء إطلاق توسيع القناة سنة ٢٠١٤. والأٌغنية لمدحت صالح وخالد عجاج الذي شارك أيضا في أغنية “تسلم الأيادي” سنة ٢٠١٣.

لحن الأغنية المُلحن عمرو مصطفى، أحد أشد المؤيدين لمبارك خلال فترة ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما تلاها من سنوات.وقام مصطفى أيضا بتلحين أوبريت افتتاح “قناة السويس الجديدة”، الذي يعرض اليوم على الهواء مباشرة، والذي يشارك فيه حكيم، وإيهاب توفيق، وشيرين عبد الوهاب، وأنغام، ونادية مصطفى.

وتعترف الأغنية بفضل الله في صناعة انتصار مصر وتعرض بفخر كيف شارك المصريون في أعمال حفر القناة، مستخدمة أحيانا انفوجرافات تشرح توسعة القناة إلى جانب لقطات الحفر والقناة القديمة.

الموتيف البصري مسلم/ مسيحي/فلاح/عامل

لا تقتصر أغلب هذه الأغاني على الاحتفاء بقناة السويس الجديدة، ولكنها تحتفي أيضا بالمصريين لنجاحهم في جمع نسبة كبيرة من الميزانية المطلوبة للمشروع، ما جعلهم عنصرا فاعلا في إنهائه. 

وكثيرا ما تميل المواد الإعلانية لقصر الهوية الدينية المصرية على الإسلام والمسيحية، كما تحدد قطاعات الشعب في العمال والفلاحين والصيادين والجنود. وقد لجأ العديد من فيديوهات المشروع الجديد الموسيقية الوطنية لذات التقسيم. 

أصدر المطرب المشهور علي الحجار أغنيته “أنا المصري” الأسبوع الماضي، والتي أنتجتها وزارة الدفاع، لتتبع سابقاتها في تسليط الضوء على قناة السويس الجديدة ومراحل إنشائها، دون الاقتصار عليها. عوضا عن ذلك، يشدو الحجار بكلمات تمتزج بالمقاطع المصورة المتناسبة عن الفلاح والعامل والجندي والبحار والصياد. ويبدو أن المصريين لا يمتهنون سوى هذه المهن. 

ويحفل فيديو الحجار بكليشيهات أخرى، حيث يغني ووراءه خلفية تظهر فيها الأهرامات والقلعة والنيل ومعبد فيلة.

كلمات الأغنية التي ألفها الشاعر محمد عبد الجواد ذات نزعة وطنية بالضرورة. تسرد الكلمات إنجازات المصريين كحفر القناة ثم عبورها في حرب ١٩٧٣، وبناء السد العالي. كما تتطلع نحو المستقبل الذي سيبنيه المصريون. 

لا تظهر امرأة واحدة في الفيديو المصور، كما يغيب العنصر النسائي بالكامل عن قائمة أعضاء فريق الإنتاج الظاهر في نهايته. 

 

 

 

بدوره، يهدي المغني اللبناني فادي البدر أغنية “الله يا مصر الله” لقناة السويس أيضاً، وهو عمل لم تكلفه به أي جهة، ونشرته صحيفة اليوم السابع على قناتها على موقع يوتيوب. ويلتزم الفيديو بكل الكليشيهات المصرية، بدءًا من الكنيسة والجامع، إلى النيل والقارب النيلي والأهرامات وأسواق خان الخليلي، بالإضافة إلى موسيقى الريف. 

ويغلب على الأغنية طابع البهجة والاحتفال، ولا تتطرق بشكل مباشر لمشروع القناة الجديدة سواء في الكلمات أو المقاطع المصورة. ولكن إصدارها في هذا الأسبوع بالتحديد يربطها بالأحداث الجارية. 

كما أطلق المغني المصري أحمد جمال أغنية “بسم الله”، والتي لحنها عمرو مصطفى أيضا، هذا الأسبوع، دون أن يلحقها بفيديو موسيقي.

وتحيي “بسم الله” التي ألفها تامر حسين كل من ساهموا في إحياء مشروع القناة. وترفع القبعة لكل “مصري أصيل ماهانش عليه بلاده، ردلها كل جميل.. وراح لأم ولاده وخدهم عالقناة”. كما تذكر”كل عامل، مهندس أو مزارع”، “واللي قال بلدي أولى، كان متغرب وراجع”.

“مصر شريان الحياة” أغنية أخرى أنتجتها وزارة الدفاع، وألفها مصطفى الشاعر ليغنيها خالد مصطفى. وإلى جانب القناة تتحدث الأغنية عن الفلاحين والصيادين، وتشير إلى مصر كأرض الفراعنة مع خلفية الأهرامات وأبي الهول. 

كما تتبع أغنية “الله أكبر” لأحمد الكحلاوي نفس المدرسة بالضبط.  

 

في مديح السيسي.. والجيش

كما هو متوقع يلعب الرئيس عبد الفتاح السيسي دور البطولة في أغلب الفيديوهات، التي تظهر مقاطع من خطبه وزيارته لموقع الحفر وصورا تجمعه بأطفال أثناء إطلاق المشروع.

 

في أغنية فريق البوب “ميكس تيم” دعوة للشعب لكي يقف “إيد في إيد” من أجل مستقبلنا، مع فيديو يعرض أعمال الحفر والسيسي.

 

 

 

 

في إنتاج آخر من وزارة الدفاع يغني كل من محمود العسيلي وكارمن سليمان أغنية “عشرة على عشرة”. وتم تصوير الفيديو في الشارع حيث يظهر العسيلي وهو يلتقط صور السيلفي مع أفراد الشعب، فضلا عن صور للقناة وأعمال الحفر التي تظهر في صور بروفايل على الفيسبوك.

 

“في العادة عايشينها برنسات.. في الوقت ده جيوش منتشرة” يغني العسيلي وكارمن بينما تظهر صور للجيش المصري والرئيس السيسي في لقاءات تجمعه بقادة أجانب (فلاديمير بوتن وأنجيلا ميركل وزعماء دول آخرين).

 

 

وما زلنا مع إنتاج وزارة الدفاع: تبدأ أغنية “بكره تحلى” بموسيقى درامية بينما يخطب السيسي: “مش هنسيبها، ومش هنضيعها، ومش هنخلي حد يقدر يضيعها”.  

 

اختارت وزارة الدفاع كلا من نادية مصطفى ومحمد الحلو لغناء “بكرة تحلى”، التي يظهر فيها السيسي وهو يحيي الأطفال في موقع القناة، ويلتقي بالعمال، ويلوح بيده للواقفين على الضفة الأخرى من القناة. تتحدث الأغنية أيضا عن التعاون بين الجيش والشعب، والدليل على ذلك لقطات من مظاهرات وصور لطيارات حربية.

 

وعلى خلفية صوت نادية مصطفي وهي تغني “ألف مبروك انتصرنا.. عاللي باعِك واللي خان” نرى مقاطع من مظاهرات لأنصار الإخوان المسلمين وصورا لتفجيرات.

 

غير أن أكثر أغاني المشروع اختلافا تظل أغنية المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم والذي لم يكتف بإنتاج أغنية واحدة بل أنتج اثنتين يشتركان في نفس التيمة اللحنية التي عمل بها على مدى الأعوام العشرين الماضية. الأغنية الأولى ظهرت في 2014 مع إطلاق المشروع (انظر أدناه) بينما أطلق هذا الأسبوع فيديو “أول حلم اتحقق“.  

 

تدعو الأغنية الأولى الشعب إلى الاكتتاب في مشروع توسعة القناة، حيث نرى شعبان عبد الرحيم يدخل إلى أحد مقاهي الإنترنت ويضرب الشباب الجالسين بالعصا (حرفيا) ناصحا إياهم بأن يتركوا الفيسبوك ويخرجوا للبحث عن وظيفة. كما تمتدح الأغنية كلا من الإمارات والكويت والبحرين والسعودية لوقوفهم إلى جوار مصر، بينما توبخ على الجانب الآخر كلًا من أوباما والإخوان المسلمين.

 

 

 

العديد من أغاني الفيديو كليب الأخرى ظهرت هذا الأسبوع، بينما يتوقع أن تظهر أغان أخرى بعد حفل الافتتاح إضافة إلى ما تم انتاجه عند إطلاق المشروع في 2014. وتشترك جميع الأغنيات في المبالغة الشديدة بشأن طبيعة وحجم ومردودات “قناة السويس الجديدة”. ولا تعد هذه التيمات البصرية والموسيقية أمرًا جديدا على مصر، بل تثير ذكريات عديدة من أغاني الحقبة الناصرية ومشروعاتها القومية (التي يرى كثيرون أنها كانت أفضل جودة)، كما عادت للظهور مع حرب السادس من أكتوبر في عهد السادات وفي ذكراها السنوية كل عام. وبينما حصلنا على استراحة أثناء ثورة يناير والفترة التالية لها، فإننا على ما يبدو سنشاهد المئات من هذا النوع من الفيديوهات طيلة العام المقبل.

 
 

 

اعلان
 
 
روان الشيمي