عندما حضرت ليلى مراد جنازة “الميهي”

الموت، تلك الحقيقة القاسية التي تتجول حولنا في جبروت غير مبالي بموجات الألم التي نغرق فيها حين نسمع لفظة الموت، حقيقة لم تكن جديدة بالنسبة للمخرج رأفت الميهي الذي لا أتصوّر بأيّ حال من الأحوال أنّ زيارة الموت له يوم الرابع والعشرين من يوليو الجاري والتي أخذته بعيداً عن عالمنا وانتزعته انتزاعاً من أحبائه ومن مجاذيب أفلامه كانت الزيارة الأولى. لا أقصد بذلك النوبات الصحية التي تعرض لها الميهي على مدار الشهور الماضية بل أقصد أنّ الموت لم يكن يوماً بعيداً عن ذهنه بل كان سؤالاً حاضراً بإلحاح وقوة على ذهنه وخياله وإبداعه طوال الوقت.

لم يكن الموت بالنسبة للميهي شبحاً يرتدي عباءة سوداء ويأتي في ليالي العواصف والرعد ليختطف الأرواح وإنّما كان قدراً مفجعاً لا خلاص منه ولا مفر، قدر يلاحق البشر أينما ذهبوا، يستيقظ مبكراً ليرافقهم في رحلتهم إلى العمل، يجلس معهم على المقهى في نهاية يوم بائس ثم يغفو بجوارهم على السرير متمنياً ألّا تطرده أحلامهم بعيداً.

عندما سمعت خبر موت رأفت الميهي وجدت نفسي أتخيّله جالساً على مقعد والموت جالس على المقعد المواجه له، يتجاذبان أطراف الحديث، يتجادلان، يحتد النقاش بينهما قبل أن ينتهي إلى عتاب من الميهي للموت، ليس لأنّه قرر أن يأخذه بعيداً عن أوراقه وأهله وعشقه للحب والحريّة وإنّما لأنّه كان الخصم الذي طالما تمنى الميهي أن يهزمه قبل أن يموت، ليس لصالحه هو بل لصالح حق الإنسان في أحلام لا تموت، ربما لم يعلم رأفت الميهي في تلك اللحظات الأخيرة أنه في الحقيقة قد انتصر؛ فأفلامه بكل ما تحمله من تجريبية وسحر ساخر وممتع هي واحدة من أهم أدواتنا لمقاومة الموت وأصدقاءه.

وفي الحلم حياة:

لم يكن رأفت الميهي مخرجاً حزيناً بل كان فناناً لديه همّ يلاحقه ويشغله طوال الوقت والفارق كبير بين الصفتين، همّه كان الإنسان ورحلته في البحث عن حريته وحلمه بعيداً عن أقدار تكبلّه وتحاول جاهدة أن تدفعه إلى الجنون. لم يكن معنياً بأبطال مثاليين، بل يمكن القول أن خطيئة البشر كانت مكمن متعته وحبه اللامتناهي لهم ولأخطائهم، بالنّسبة له كانت تلك الأخطاء هي جوهر الرحلة خاصة وأنها مهما كبرت وتفاقمت تظل مجرد أشياء صغيرة لا تكاد تلحظها عندما تقارنها بمنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية تحاول طوال الوقت دهس أحلام أبطاله بضراوة باطشة.

في هذا السياق يظهر الموت كفكرة عامة طاردها بشكل أكثر عمقًا وتفصيلاً وشجناً في “للحب قصة أخيرة” ثم عاد ليسخر منها ويمازحها في “سمك لبن تمر هندي” ولكن الأمر لم يتوقف به عند هذا الحد؛ فالسّلطة والفقر والفساد كانوا أيضاً بالنسبة له تجليات وصور للموت حاضرة في أفلامه خاصة وأنّ ما يجمع بين هؤلاء الأربعة هدف واحد ألا وهو انتزاع جوهر حياة البشر، أحلامهم.

 إلاّ أن أبطال رأفت الميهي ليسوا عاجزين في مواجهة أقدارهم الظالمة وإنما يذهبون في كل الإتجاهات بحثاً عن مخرج أو عن قارب نجاة، أحياناً تنجح حيلهم وفي أحيان أخرى تغلبهم الأقدار ولكن في كلا الحالتين تظلّ السمة المشتركة هي سخرية الميهي، ليس من أبطاله بالطبع وإنمّا من السياق الأكبر الذي يتحركون من خلاله.

رغبة تحت شجرةالسّلطة“:

يظل مفهوم السلطة بكل دلالاته هو واحد من أهم الإشكاليات التي طاردت رأفت الميهي وطاردها هو في أفلامه ولذا لم يكن غريباً أن يكون “عيون لا تنام” عن مسرحية “رغبة تحت شجرة الدردار” لـ”يوجين أونيل” هو أوّل فيلم يقوم بإخراجه حيث “الورشة” هي مرادف رأس المال  وهي مكمن السلطة وساحة الصراع بل وهي أيضاً مصدر التشريع الذي يحدد مفردات اللعبة وقوانينها، تلك اللعبة التي كادت أن تفتك بالجميع في “عيون لا تنام” إلّا أن “حسن سبانخ” عاد واستوعبها جيداً في “الأفوكاتو” حين أدرك أنه لا يملك حقاً رفاهية الاختيار، وأنّه سواء وافق أم لم يوافق ستظل المباراة قائمة ولذا قرر أن يكون من اللاعبين بدلاً من الجلوس بين المتفرجين الذين يذهبون إلى بيوتهم في النهاية وبحوزتهم الفقر ومشاعر محايدة لا تملك حق الفوز ولا تستطع تحمل الخسارة.

السلطة في أفلام الميهي ليست فقط اقتصادية وإنما سياسية واجتماعية أيضاً ولكنهّا في كل الأحوال ليست دائماً منطقية سواء في طبيعتها أو في إصرارها على العبث بمصائر الفقراء والحالمين والسّاعين نحو العدالة ومحاولاتها لدفعهم نحو الجنون ولذا كان من المنطقي أن يخرج علينا رأفت الميهي في عام 1988 بفيلم “سمك لبن تمر هندي” حيث العبث يبدو وكأنه أكثر الأمور منطقية في ظل تلك السلسلة من الأحداث التي تعصف بأقدار “أحمد” الذي يهرب من ملاحقة سمعة أخيه له وحبيبته التي لا تطمح في أكثر من أن تكون قادرة على كتابة 80 كلمة في الدقيقة كي يمكنها الزواج من “أحمد” وفجأة يجد الاثنان أنفسهما متهمان بـ”الإرهاب” رغم أن كل علاقتهما بالسياسة هي أن أحد الذين يترددون على عيادة “أحمد” البيطرية أراده في يوم من الأيام أن يساعده على جعل القرد الخاص به يرقص أمام المحافظ.

المفارقة في “سمك لبن تمر هندي” أن أكثر المواقف عبثية تبدو الأكثر منطقية على الإطلاق أو هذا على الأقل ما اكتشفه  الميهي واكتشفناه معه أثناء رحلته لتفسير علاقة السلطة بالأفراد.

بدءاً من “السادة الرجال” تأخذ السلطة منحى آخر في أفلام الميهي، حيث المجتمع وقوانينه هو وجه آخر من أوجه السلطة والتي هي بدورها وجه آخر من وجوه الموت أو القدر المحتم الذي يلاحق البشر أثناء سعيهم نحو العدالة التي طالما حلموا بها وتمنوها. في “السادة الرجال” يبدأ الميهي تحدياً لسلطة مجتمعية تبدو أكثر ضراوة من السلطة بمفهومها السياسي البحت حيث تجد “فوزية” والتي تقتنع في لحظة ما بأن السبيل الوحيد نحو امتيازات حرمت منها لكونها امرأة هو أن تصبح رجلاً في ظل مجتمع لا يرى غير الرجال.

يبدو هذا التحدي أكثر جرأة ونضجاً في “سيداتي انساتي” حيث لا يأخذ رأفت الميهي على عاتقه فقط عبء التصدي لمفاهيم اجتماعية وثقافية حول “الرجولة” وأدوار الرجل داخل مؤسسة الزواج بل إنه يتصدى لمؤسسة الزواج نفسها ودستورها الخاص بأدوار الأزواج والزوجات. في “سيداتي انساتي” يسخر الميهي من تلك الأدوار والدساتير الاجتماعية التي خلقتها ويعكسها ويلعب بها، لنكتشف مرة أخرى أن ما اعتبرناه في لحظة من اللحظات منطقياً هو بدوره أقرب ما يكون إلى العبث.

بدءاً من الأفلام التي تلت “سيداتي انساتي” انتقل الميهي من فكرة إلى فكرة ومن قضية إلى أخرى ومن محاولات نحو كسر النمط إلى مفاهيم وتصورات فلسفية أكثر تجديداً وجرأة، ليس فقط على مستوى المحتوى وإنما أيضاً على مستوى الأدوات غير التقليدية بالمرة التي رسخّ لها كمؤلف ومخرج لديه مشروع لا يحيد عنه، مشروع يرى في الإنسان ورحلته حلماً فنياً لا يفنى ولكن يستحدث من الخيال ومن مدى إيمانه هو شخصياً به.

نبؤة نساء حزينات

مرة أخرى ورغم إيماني الشديد بمدى قدرة رأفت الميهي على التنقيب عن الأحلام حتى في أكثر البيئات قسوة وظلماً أجدني أعود بذهني إلى “سمك لبن تمر هندي” و”للحب قصة أخيرة”، أعود إلى مشاهد بعينها ويخيّل إليّ أنّه حين سطرها سينمائياً كان يحاول كسر الحواجز التي تقف بينه كفنان مهموم بصدق وبين الموت الذي كان بالنسبة له خصماً غير مرئياً يجتمع مع السلطة والفقر والفساد لإختطاف الإنسان من سعيه نحو السعادة والنيل منه في غفلة من حلمه.

ما زلت أذكر تلك الجمل التي كانت ترددها امرأة مسنّة أهلكها الفقر والمرض وفقد الأحبة في نهاية فيلم “للحب قصة أخيرة” أثناء جلوسها أمام البيت الذي كان يسكن به “التلّاوي” والذي يتصور الأهالي في الفيلم أنه ولي من أولياء الله وأنه قادر على تلبية أمنياتهم، أمنيات لم تتجاوز سقف المشروع بالنسبة لهم، فبين من تريد أن تنجب طفلاً يخفف عنها وعن زوجها عبء الشقاء، وبين من أراد أن يزول عنه المرض لكي يواصل رحلة إطعام أسرته، وبين من أرادت استعادة أبناء أو زوج انتزعهم منها مرض لا يقدر إلاّ على الفقراء.

ما زلت أذكر الجمل التي رددتها تلك المرأة بعد أن هاجمت الشرطة بيت “التلّاوي” وحرقته بينما هرب هو، جلست المرأة أمام البيت وبدأت تتجمع حولها النساء بعد أن انتهين من ضرب الشرطة لهنّ حيث جلسن جميعاً في مواضع متفرقة من العراء وحولهنّ بقايا النيران وانهمكن في طقوس جنائزية يسودها النحيب والقهر، جلسن بينما “سلوى” داخل بيت “التلّاوي” تضرب الكرسي الذي كان يجلس عليه بالفأس بعدما علمت أنّ زوجها “رفعت” قد مات وهي التي كانت قد اطمأنت لأن “التلّاوي” قد أنقذه.

جلست المرأة المسنّة تقول: “عبدة وبتغلط وربّنا حنيّن وأنا غلبانة يا تلّاوي وإن ماكنتش عارف، ربنا عارف، جوزوني وأنا صغيرة عيّلة ما طلعليش نهد ولا جالي حيض لكن جبت م العيال خمستاشر، عيالي راحوا كلهم، اللي النيل خده واللي الحرب خدته، حتى وابور البحر لما رحت أتفرج عليه خد واحد والمستشفى الأميري خدت تلاتة، وقلت هو اللي خالقني ومخلّي الوراق مليانة زرع وخضرة بس دول لأصحابه، قول له إن دول لأصحابه، احنا غلابة ما بناخدش م الوراق غير المرض وطوفان النيل والموت.

ربما رأى الميهي عندما أخرج “للحب قصة أخيرة” عام 1986 أن ما قالته تلك المرأة هو تلخيص للمأساة التي طالما ألهمت وجدانه الإبداعي، ولكنّني أفترض أنه حسم موقفه تجاه الموت والسلطة والمأساة على حد سواء بعد ذلك بعامين في ذلك المشهد الثري بمتعته وجرأته الذي قدمه في “سمك لبن تمر هندي” حيث تجد محاكاة لتصورات “قدارة/ معالي زايد” عن الجنة، تلك الجنّة التي عندما تخيلها الميهي سينمائياً استحضر فيها ليلى مراد وهي تغني “قلبي دليلي” مرتدية فستانها الخلاّب وقناع العين شديد السحر والغموض، أفترض أن ذلك المشهد حسم المعركة لصالح الميهي دون حاجة لمنطق، فمن كان لديه الخيال سلمت روحه من الموت، من الفقر، من السلطة، من الفساد حتى ولو لدقائق معدودات.

أعود مرة أخرى لتخيّل المشهد الأخير في حياة رأفت الميهي، ولا يسعني إلاّ أن أتخيل ليلى مراد جالسة في إحدى زوايا الغرفة وتشدو بغناء “قلبي دليلي” بينما امرأة “للحب قصة أخيرة” تشكو للميهي من المرض في الوقت نفسه الذي كان يتشاجر فيه “أحمد” و”حسن” حول لقب “سبانخ” وسوء سمعته في حين وقفت نساء “سيداتي آنساتي” يتجاذبن أطراف الحديث سوياً وكأن ما يقوله المحيطون بهم وبرأفت الميهي عن موته هو مجرد عبارات لا تستطيع أن تمنع الميهي، هو وكل تلك الشخصيات والخيالات من مواصلة حقها في ممارسة السحر والحلم رغماً عن أنف الموت.

اعلان
 
 
طارق مصطفى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن