قانون الإجراءات الجنائية.. بين التعديل و”الترقيع”
 
 

بدأ قسم التشريع بمجلس الدولة صباح اليوم، الاثنين، في مراجعة مشروع قانون جديد بتعديل بعض مواد قانون اﻹجراءات الجنائية. حسبما نشرت صحيفة الشروق، وبحسب المنشور فإن التعديلات الجديدة التي تقدمت بها وزارة العدالة الانتقالية تتعلق بإجراءات تقاضي المحكوم عليهم غيابيًا، وإجراءات المنع من السفر.

تقضي التعديلات الجديدة بأن يصبح الحكم حضوريًا في حال حضور المحكوم عليه غيابيًا أمام المحكمة بعد صدور الحكم الغيابي، وأن يثبّت الحكم ضده إذا تخلف عن الحضور فى الجلسة المحددة لإعادة محاكمته.

يشرح محمود بلال، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ«مدى مصر» أن القانون في صياغته الحالية يسمح للمحكوم عليهم غيابيًا بطلب إعادة إجراءات المحاكمة في حالة ظهورهم بشكل طوعي. وفي حالة تغيب المتهم عن جلسة محاكمته بعد إجراءات إعادة المحاكمة، يتم تثبيت الحكم غيابيًا حتى ظهور المتهم مرة أخرى؛ نظرًا ﻷن شروط المحاكمة العادلة تتطلب حضور المتهم ومن ينيبه للدفاع عنه، على اعتبار القاعدة اﻷصيلة أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته.

إلا أنه إذا تخلّف المتهم عن جلسة إعادة محاكمته، بحسب التعديل الجديد، يتم اعتبار الحكم الصادر ضده بشكل غيابي، حضوريًا.

كانت وزارة العدالة الانتقالية قد ذكرت اﻷسباب التي دفعتها لطلب هذا التعديل في مذكرة إيضاحية أرفقتها بالمشروع، وقالت فيها، حسبما ذكرت صحيفة الشروق، أن التعديل “يهدف إلى الحد من تعداد وتكرار إعادة الإجراءات باعتبار أن المحكوم عليه غيابيا إذا قام بإعادة الإجراءات أو ألقى القبض عليه يكون قد علم بوجود قضية جنائية ضده متهم فيها، ومن ثم فلا يجب أن يستفيد من عدم حضور الجلسات ويبقى الحكم الصادر ضده غيابيا رغم علمه به”.

يعلق بلال أن هذا التعديل ينسف حق المتهمين في الحصول على محاكمة عادلة قبل الحكم عليهم، وأنه مهما كان الدافع وراء تعديل القانون بهذا الشكل، فإن حرمان أي متهم من حقه في الدفاع عن نفسه أو إنابة من يراه للدفاع عنه هو أمر يتجاوز التسريع من إجراءات التقاضي إلى “إلغاء لمبدأ المحاكمة نفسه”.

من جانبه، يرى المحامي عصام الإسلامبولي أن التعديلات المقترحة لن تحل مشاكل سرعة التقاضي، فهي تتعلق بقضايا الجنايات وليس الجنح. ويرى اﻹسلامبولي أنه إذا تم تعديل المادة 283 من قانون الاجراءات الجنائية بحيث يجبر القاضي على إعلان الخصم في قضايا الجنح المحكوم فيها غيابيًا بدلًا من ترك اﻷمر مفتوحا لرغبة القاضي في الصيغة الحالية، فإن هذا التعديل سيوفر وقتًا هائلًا للقضاة الذين يبذلون مجهودًا كبيرًا في إعادة محاكمات الجنح المحكوم في معظمها غيابيًا. يقول اﻹسلامبولي أيضًا إن التعديل المقترح لن يؤدي إلا إلى زيادة ازدحام السجون بالعديد من المتهمين على ذمة قضايا مختلفة دون أن يؤثر في سرعة إجراءات التقاضي نفسها.

كانت الحكومة قد تقدمت باقتراح مشابه في مشروع قانون مكافحة اﻹرهاب أوائل الشهر الجاري بأن يكون “حضور المحامي الموكل من المتهم الغائب يغني عن حضور المتهم”. وهو الاقتراح الذي رفضه مجلس القضاء اﻷعلى وأعاد بسببه، ضمن مجموعة أخرى من اﻷسباب، مشروع القانون إلى الحكومة لتعديله. وجاء رفض مجلس القضاء اﻷعلى للمادة المقترحة ﻷنها “تنال من ضمانات التقاضي التي تتطلب حضور المتهم”، حسبما نشرت الشروق.

بالنسبة للتعديلات المطروحة فيما يتعلق بالمنع من السفر، فنتج عنها المادة 208 مكرر، والتي تنص على “للنائب العام أو من يفوضه ولقاضى التحقيق المختص بحسب الأحوال؛ عند وجود أدلة كافية على جدية الاتهام فى إحدى الجنايات أو الجنح التى يعاقب عليها القانون بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، أو عند الضرورة التى يقتضيها التحقيق فيها، أن يأمر بمنع المتهم من السفر خارج البلاد أو بوضع اسمه على قوائم ترقب الوصول”.

يقول سامح سمير، المحامي بالمركز المصري للحقوق اﻹقتصادية واﻹجتماعية، أن الفارق الوحيد بين النص الحالي والتعديل المقترح هو فارق فني لكنه جوهري.

يوضح سمير أن قرارات المنع من السفر تصدر حاليًا بقرار إداري من وزير الداخلية، لكنه سيصدر في التعديل الجديد بقرار قضائي من النائب العام، وهو ما سيغلق الباب أمام الطعن على القرارات في مجلس الدولة باعتبارها قرارات إدارية.

تعديلات تخالف الحقوق

لم تكن هذه هي المرة اﻷولى التي يُطرح فيها تعديل قانون اﻹجراءات الجنائية. ففي فبراير الماضي، وافقت الحكومة المصرية على مشروع قرار رئيس الجمهورية بمشروع قانون بتعديل المادتين 277 و289 من قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالشهود، بحيث يكون قرار استدعاء الشهود أو سماعهم في يد المحكمة، على عكس الإلزام القانوني للمحكمة بسماع كافة شهود النفي والإثبات. وفي المذكرة التوضيحية التي أرفقتها الحكومة بمشروع التعديل حين تم تقديمه لقسم التشريع بمجلس الدولة، حسبما ذكرت صحيفة “اليوم السابع”، أن “الممارسة العملية أثبتت سوء نية بعض المتهمين أو المدافعين عنهم فى استغلال بعض الثغرات القانونية، ومنها ما جاء بنص المادتين 277، 289 من قانون الإجراءات الجنائية بشأن طلب سماع شهود أدلوا بأقوالهم بالتحقيقات، مستغلين أن القانون أوقف أمر سماع الشهود على قبول المتهم أو المدافع عنه، وفى هذه الحالة تقف المحكمة عاجزة عن الفصل فى الدعوى، رغم وضوح الواقعة أمامها تطبيقًا للقانون”.

لكن اﻷسباب التي ساقتها الحكومة لم تقنع قسم التشريع بمجلس الدولة. ففي مارس، قرر قسم التشريع رفض التعديلات التي اقترحتها الحكومة على قانون اﻹجراءات الجنائية. وأفادت مصادر مطلعة لصحيفة “الشروق” بأن هذا الرفض جاء بسبب أن “التعديلات تخالف كفالة حق المتهمين ومحاميهم في الدفاع، الواردة بالمادة 198 من الدستور”، وأنها “تخل أيضًا بمبدأ المحاكمة العادلة المنصوص عليه في القانون، كما تخالف ما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية ذاته من تولي المحكمة التحقيق القضائي كاملاً في الدعوى المعروضة عليها، باعتبار أن سماع الشهود، النفي كانوا أو الإثبات، جزءًا لا يتجزأ من أي تحقيق قضائي تجريه المحاكم”. وهو الرأي ذاته الذي اتفق معه المحامي عصام الإسلامبولي في تعليقه على هذه التعديلات، والتي اعتبرها “جريمة دستورية” تخالف الدستور المصري اﻷخير.

إلا أن حادثة اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات أواخر الشهر الماضي، جاءت لتبدأ فصلًا جديدًا من محاولات الدولة لتعديل قانون الاجراءات الجنائية.

كان رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي قد قال في كلمة له أثناء جنازة النائب العام إن يد العدالة “مغلولة بالقوانين”، وهو الوضع الذي رأى وجوب تغييره، “احنا مش هنستنى على ده”، وأضاف: “احنا هنعدّل القوانين اللي تخلينا ننفذ القانون والعدالة في أسرع وقت ممكن”، ثم وضح الطرق التي ستلجأ الدولة إليها لتنفيذ العدالة بشكل سريع. “خلال أيام تتعرض القوانين.. قوانين اﻹجراءات الجنائية المظبوطة اللي بتجابه التطور اللي حاصل”.

بعدها، قامت الحكومة بالموافقة على تعديل بعض أحكام قانون اﻹجراءات الجنائية، وكشفت مصادر لصحيفة اليوم السابع أن مجلس القضاء اﻷعلى قد انتهى من مراجعة معظم المواد المقترح تعديلها على قانون الاجراءات الجنائية وأبدى ملاحظاته على هذه التعديلات التي تشمل مدة الحبس الاحتياطى والمنع من السفر والأحكام الغيابية.

يرى اﻹسلامبولي أن المنهج الذي تتخذه الحكومة في التعامل مع قانون اﻹجراءات الجنائية يمثل فكرًا “ترقيعيًا”. يقول اﻹسلامبولي أنه “لا بد من إعادة النظر في قانون اﻹجراءات الجنائية ككل”. طبقًا له، فإن الدستور المصري الجديد استحدث قواعد جديدة على مستوى حقوق وأطر التقاضي، وهو ما يستتبع تغيير مجموعة من القوانين المتعلقة بالتقاضي، كقوانين المحامين والمحكمة الدستورية ومجلس الدولة والنيابة اﻹدارية وهيئة قضايا الدولة وغيرها حتى “تتناسب مع الفلسفة الجديدة التي يطرحها الدستور”.

اعلان
 
 
محمد حمامة