ماذا يحدث في سيناء منذ معركة الشيخ زويد الكبرى؟

تضاعف الاهتمام بما يحدث في سيناء مع توارد الأنباء عن معركة كبرى غير مسبوقة على الدولة في الشيخ زويد مطلع شهر يوليو الجاري. ومع مرور الوقت وتسارع وتيرة الأحداث بدرجة شديدة عاد الغموض يتسيد الموقف، بحيث أصبح الكثير حائرين: هل استطاعت الدولة المصرية إلحاق هزيمة كاملة بالميليشيات المسلحة هناك؟ أم أن الأخيرة تمكنت من بسط مزيد من السيطرة وكسب مناطق نفوذ إضافية وإنقاص سيادة الدولة هناك؟

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على طبيعة ما يجري، واستنباط بعض الأنماط الرئيسية منه كالآتي:

تطور في العمليات النوعية من الطرفين:

شهدت الفترة اللاحقة على معركة الشيخ زويد في الأول من يوليو الجاري، إعلان كل طرف عن تحقيقه تقدمًا نوعيًا جديدًا.

ففي العاشر من يوليو، أعلن المتحدث العسكري، عن تمكن القوات المسلحة من إنجاز عملية نوعية بتدميرها مخزن رئيسي وكبير للمواد المتفجرة في منطقة “حق الحصان” بالشيخ زويد. وتلى ذلك إحباط محاولة هجوم على أحد التمركزات العسكرية بطريق (القطامية– السويس)، وذلك بعد ورود معلومات استخباراتية تفيد لجوء المسلحين لإرسال عربة نصف نقل مفخخة لتفجيرها في التمركز، وهو ما تعاملت معه القوات- بحسب الرواية الرسمية في صباح الخامس عشر من يوليو.

لكن في اليوم التالي (16 يوليو 2015)، أعلنت “ولاية سيناء” عن استهدافها قطعة بحرية عسكرية تابعة للجيش المصري على ساحل رفح. ونشرت صورًا توضح إصابتهم لها إصابة مباشرة بصاروخ من الشاطئ، وعلى بُعد كبير من القطعة التي كانت في منتصف البحر. وهو ما يناقض الرواية الرسمية للمتحدث العسكري، والذي أعلن أنه نتيجة اشتباه “طاقم اللنش في تحركات بعض العناصر الإرهابية على الساحل، فقامت عناصر الطاقم بمطاردة العناصر المشتبه بها، وحدث تبادل لإطلاق النيران، مما أسفر عن اشتعال النيران باللنش دون حدوث خسائر في الأرواح”.

وفي حال صحة الصور التي بثتها “ولاية سيناء”؛ فإن هذا يعزز من المعلومات التي وردت من العديد من العناصر المحلية عن امتلاك عناصر التنظيم مؤخرًا صواريخ (الكورنيت) الحرارية الحديثة، والتي من المرجح أن هذا الهجوم قد اعتمد على استخدام أحدها.

اضطراب داخلي في تنظيم “ولاية سيناء” ومحاولات لرفع الروح المعنوية لدى الجيش:

منذ اليوم الأول للهجمات الواسعة النطاق على كمائن وارتكازات الجيش في الشيخ زويد ورفح، وهناك العديد من المؤشرات والدلائل التي تكشف وجود اضطراب لدى “ولاية سيناء” للمتابعين بدقة لها. فقد تغير شكل ومحتوى بياناتهم الرسمية بطريقة لافتة. كما أن القنوات الرئيسية لها لم تعد هي المستخدمة بالأساس. بل وللمرة الأولى تشهد بياناتهم تكرار أخطاء لغوية بهذه الدرجة الكبيرة. إضافة إلى التشوش الكبير وعدم وضوح الهدف الرئيسي وراء هجمات الأول من يوليو. فلو كانت بغرض إلحاق الهزيمة الكاملة بقوات الجيش والسيطرة التامة على مدينة (الشيخ زويد) فإن الهدف لم يتحقق. ولو كانت لمجرد استنزاف القوات وقتل أكبر عدد منها؛ فإن ذلك أيضًا لم يتحقق قياسًا بمستوى ونوعية الهجوم، نتيجة استبسال العديد من الجنود في الكمائن للمرة الأولى تقريبًا دون اللجوء للانسحاب. وفي النهاية جاء بيانهم الأخير وما ورد فيه عن اضطرارهم لـ “الانحياز” قاصدًا الانسحاب مثيرًا لمزيد من الغموض.

وفي السابع من يوليو، أعلن الجيش القبض على “كمال عيد سالم”، واصفًا إياه بأنه من “العناصر الإرهابية شديدة الخطورة”، وأنه حاول الهروب بعربته النصف نقل من أحد كمائن الجيش. وتم نشر صور المضبوطات التي كانت معه، وأظهرت حمله كمية من الأسلحة تكفي فردًا واحدًا (شدة قتال كاملة، وبندقية آلية، وقاذف ((R.P.G،…)، إضافة إلى مجموعة من الكتب التي تنتقد تنظيم (داعش) وتفند الأسس الفقهية التي يستندون إليها ويتحججون بها، وتسهب في وصف شهادات من بعض الجهاديين عما عاشوه في سوريا والعراق من انتهاكات لتنظيم (الدولة) وعدم اتباعه مبادئ الشرع التي يزعم تبينه لها والدعوة إليها. وهو ما يثير العديد من الأسئلة، فهل كان هذا الشخص يهرب من الجيش أم يهرب من (ولاية سيناء)؟

وتكللت تلك المؤشرات بانتشار مقطع الفيديو منذ الثاني والعشرين من يوليو، والذي يحوي كلمة صوتية منسوبة لضابط الصاعقة السابق “هشام عشماوي”، وهو أحد العناصر الرئيسية لجماعة “أنصار بيت المقدس” قبيل إعلانها الولاء لـ “داعش” في نوفمبر 2014. وهو المقطع الذي بدأه بقطيعة مع منهج “داعش” من خلال إظهار جزء من كلمة للقيادي في تنظيم القاعدة، الشيخ “أيمن الظواهري”. وأعلن فيه عن جماعة جديدة تسمى “المرابطون” وكونه أميرًا لها.

وعلى الناحية الأخرى، فقد أكد الجيش رسميًا مرارًا على جهده الكبير للحفاظ على الروح المعنوية للقوات. ويمكن اعتبار زيارة “عبد الفتاح السيسي” للقوات في العريش في 4 يوليو 2015 هي رسالة في هذا الصدد. إضافة إلى إسراع وزير الدفاع الفريق أول “صدقي صبحي” بعمل لقاءات واسعة والإفطار مع القوات في كل من الجيش الثاني الميداني في مدينة الإسماعيلية في الخامس من يوليو، والجيش الثالث الميداني في مدينة السويس في السابع من يوليو. وطلبة الكليات العسكرية وأعضاء هيئة التدريس في العاصمة (القاهرة) في الثالث عشر من يوليو. وهي اللقاءات التي جاء ضمن التعريف بها رسميًا أنها تأتي فى إطار حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على “الوقوف على الحالة المعنوية والإدارية وتوحيد المفاهيم تجاه مختلف القضايا والموضوعات المرتبطة بالقوات المسلحة، وما تقوم به من مهام لحماية ركائز الأمن القومي على الاتجاهات كافة.

 ارتفاع هائل في أعداد القتلى في سيناء والنيران الصديقة تقتل مرتين:

سقط ما يقرب من 400 قتيل في شمال سيناء منذ بداية شهر يوليو الجاري وحتى هذه اللحظة. منهم 345 أعلن الجيش رسميًا عن قتلهم واصفًا إياهم بـ “المسلحين”. وعلى الصعيد الآخر؛ فقد سقط من قوات الجيش بحسب الرواية الرسمية 28 جنديًا وضابطًا، منهم 17 فقط يوم هجمات الشيخ زويد 1 يوليو، وأصيب فيه أيضًا 12 جنديًا وضابط واحد.

 وقد أعلنت “ولاية سيناء” عن تنفيذ هجوم جديد على كمين “الرفاعي” العسكري في الثامن عشر من يوليو- وهو أحد أبرز الكمائن التي تم شن هجوم مكثف للغاية عليها في معركة الأول من يوليو!-، وأعلن المتحدث العسكري على إثره عن سقوط 3 شهداء وإصابة 4 من عناصر القوات المسلحة إثر سقوط ما سماها بـ “قذيفة عشوائية” في محيط أحد الكمائن، وهو من المرجح أن يكون كمين “الرفاعي”، كما أن الصيغة الغامضة التي اصطبغ بها البيان هذه المرة، والتي لم تعلن أنها قذيفة من الإرهابيين، وفي الوقت نفسه لم تعترف بأنها قذيفة بالخطأ من طائرات F16. هذه الصيغة قد تعزز من رواية المصادر المحلية عن أن إحدى طائرات الجيش المصري هي التي قصفت الكمين بالخطأ أثناء هجوم ميليشيات “ولاية سيناء” عليه.

وبالرغم من الصدمة التي تثيرها مثل هذه الرواية؛ فإن مثل هذه “القذائف العشوائية” التي صرّح بها المتحدث العسكري، عاناها الكثير من المدنيين في الشيخ زويد ورفح، وتضاعفت معاناتهم خلال هذا الشهر مع دخول طائرات F16 لساحة الصراع بعد أن كانت طائرات الأباتشي هي المتصدرة. ووفقًا لمصادرنا؛ فإن مدينة الشيخ زويد قد عانت مقتل 6 مواطنين، منهم خمسة من أسرة واحدة في محيط مسجد “الحاج عايش” في مدخل حي الكوثر، أثناء تناولهم للإفطار في رمضان يوم التاسع من يوليو.

كما نتج عن قصف أحد المنازل في قرية “أبو طويلة” بالشيخ زويد بصاروخ جوي، مقتل فتاة وإصابة 3 نساء أخريات من المنزل نفسه. وقام الأهالي بالهروب من منازلهم خشية القصف العشوائي عليها. كما نقلوا المصابين بمجهوداتهم الذاتية نتيجة الغياب التام لخدمات الإسعاف هناك منذ أشهر.

هذه “القذائف العشوائية”، إضافة إلى شبه انعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وشبكات هاتف وإنترنت (يتكرر انقطاعها لأيام وأصبحت عودتها في الحدث الاستثنائي وليس بقاءها) وتردي الأوضاع الأمنية الكبير، وأدت إلى اضطرار عشرات الأهالي للرحيل من الشيخ زويد خلال الأسابيع الماضية. ولم تفلح عربات الجيش التي أخذت تدور في المدينة بمكبرات الصوت راجية المواطنين أن يبقوا في منازلهم في إقناع الكثير منهم بالبقاء بالكلام، والأوضاع والأفعال طاردة لهم!

الخلاصة:

تزداد صعوبة إمكانية الجزم بمن الطرف المنتصر عسكريًا حتى الآن من المعركة الأخيرة، والأكبر من نوعها، في شمال سيناء. وفي المقابل فإن الخاسر الأكبر إلى الآن هو الأهالي. والذين تشتد وطأة معاناتهم من كونهم في مرمى النيران من الطرفين لحظات احتدام الصراع. إضافة إلى حالة انعدام الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء ووقود وشبكات تليفون وإنترنت أغلب الوقت في كل من الشيخ زويد ورفح والقرى التابعة لهما.

لكن الواضح أن المعركة ستطول، وأن أي حديث عن الحسم قريبًا هو من قبيل الخطاب الحماسي أو البروباجندا الدعائية. وأن ما يعانيه الناس في شمال سيناء لا يبدو في الأفق أي انفراجة قريبة له، وبخاصة مع وقوعهم بين طرفين يحاول أولهما (الجيش) أن يرفع الروح المعنوية لأفراده، حتى لو عن طريق التضييق على المعلومات المتاحة عن الوضع الميداني، بينما يحاول ثانيهما (ولاية سيناء) أن ينفي كل ما يبدو أنه شواهد على وجود اضطرابات داخله، حتى لو عن طريق زيادة عدد العمليات الصغيرة، التي يتضرر منها الأهالي في النهاية، سواء ضررًا مباشرًا، أو غير مباشر.

اعلان
 
 
شريف محي الدين