آفاق جديدة للاستبداد (٣)

الجنرال من معاداة السياسة إلى معاداة القانون

نجح السيسي في أن يكون صاحب أخطر مقولتين في تاريخ الاستبداد المصري. الأولى حينما حاول القضاء على فكرة النظام السياسي لصالح الدولة (حينما قال: مفيش حاجة اسمها نظام سياسي). والثانية وهي الأهم بعد مقتل النائب العام: (يد العدالة مغلولة بالقانون). وجاءت هذه المقولة بعد حديثه مع القضاة ملوحًا بأنه لم يتدخل سابقًا في عملهم، وموبخًا إياهم لأن شيئًا لم ينجز، ثم ناهيًا هذا الحديث بالمقولة التاريخية في الاستبداد. ربما يكون من التعجل الدفع بأن السيسي صاحب أخطر مقولتين في تاريخ الاستبداد المصري، ولكن مما لا شك فيه أن الجنرال ألقى بمقولتين كان من شأنهما تفجير الوضع لو أن هناك نخبة سياسية ما زالت تلقي بالًا بالحد الأدنى من المعايير المتعلقة بالدولة والقانون والدستور والحداثة وحتى التقاليد القديمة للاستبداد (وهو قول من شدة سوء الوضع أن يتحدث باحث عن مفارقة التقاليد القديمة والحديثة للاستبداد!).

فعبد الناصر، على سبيل المثال، وفي حوار واضح عندما سئل عن خصوم وأعداء ثورة يوليو؟ قال بالنص: إنهم لجأوا إلى المحاكم العسكرية التي كان على رأسها قيادات مجلس الثورة حتى لا يورط القضاء الطبيعي في الأمر. وجعل ناصر التنكيل السياسي بالخصوم مسؤولية القضاء الاستثنائي. وعززت هذه المناورة الحفاظ على تقاليد الدولة وحداثتها وقيمة القانون ومنظومة القضاء بها. والاستبداد الحديث أو الاستبداد في ظل الدولة القومية الحديثة- إن جاز التعبير- عليه أن يراعي مركزية القانون كأساس ومكون مركزي ببنية الدولة والمجتمع الحديث، وأن الاستبداد يتم من خلال شرعنته قانونيًا ودستوريًا في الأوقات الطبيعية ومن خلال سلسلة من الإجراءات والتقاليد المؤسسية على أن يفقد الاستبداد القيم الحداثية لمؤسسات الدولة ومن ثم تحللها، مثل قيمة القانون والمنظومة القضائية ككيانات جامعة مانعة ومتجردة عن الصراع السياسي والطبقي. بالطبع البنية القضائية والقانون هما مركزا الصراع الطبقي والسياسي، ولكن ما أقصده هنا كيفية تصدير الدولة للقانون ودوره وكيفية تمثيل أبناء تلك المؤسسات لدورها. فمعروف مثلًا أن إنتاج القوانين عملية تعكس صراع تصورات طبقي ومفاهيمي وسياسي لتعزيز طبقة أو فئة في المجتمع على حساب أخرى، وإنتاج وضع وبنية شرعية لمجموعة معينة من ممارسات السلطة من شأنها تقسيم المجتمع إلى شرائح ثم تقسيم الحقوق والحريات والثروة عليهم. ولكن من غير المتوقع ومن غير المعقول أن تذهب للقاضي مثلًا فيخرجك من دائرة القانون لكونك فقيرا! وبالتالي ليس من المتوقع أن ينطق رئيس الدولة بما يهدم صلب فكرة الدولة.

وحتى أعتى لحظات الاستبداد، وهي حالات “الاستثناء”، يكون الغرض الرئيسي من الخروج من الحالة الطبيعية (التقيد بالإجراءات القانونية والدستور) لحالة الاستثناء، ورفع القانون هو العودة لحالة القانون وسيادة النظام وترتيب الأوضاع مرة أخرى، أي أن الغرض من رفع القانون، والذي في هذه الحالة هو مركز الدولة الحديثة وجوهر فكرتها، هو العودة إليه. أي أن رفع القانون غايته القانون في ذاته. هنا يمكن للبعض القول إن مقولة السيسي في سياقها الطبيعي والمنطقي؛ حيث إن الرجل طرح نفسه كسيد على الدولة وحركتها وأجهزتها، كما أننا نعيش في ذروة لحظات الاستثناء (الإرهاب، الصراع الصفري بين الإخوان والدولة، الاضطراب والانقسام المجتمعي الكبير، الثورة وتداعيتها، وسابقًا الانفلات الأمني الواسع). غير أن المقولة بتركيبتها وسياقها والسياق العام التي نتجت فيه لا يمكن أن تحمل في إطار لحظة الاستثناء وما تتطلب من تجاوز للمعايير والإجراءات التقليدية أو الطبيعية.

إلى الاستبداد وأبعد

المقولة تحمل تناقضًا لغويًا عنيفًا؛ حيث وضعت القانون كقيد على العدالة. وهنا نحن أمام نسف حقيقي لجوهر فكرة القانون والمرتبطة به فكرة العدالة. فالعدالة في المنظومة الحديثة ترتبط وجوديًا بالقانون وهي داخلة وليس العكس. وهنا يفكك الجنرال العلاقة المركزية بين القانون والعدالة في الدولة الحديثة، وبشكل واضح لا يحتمل اللبس، يؤكد الجنرال أن ثمة فرصة حقيقية خارج القانون لتحقيق العدالة، حينما يقول إن يد العدالة مغلولة بالقانون؛ أي أنه إذا ما رفعت يد القانون ستتحقق العدالة بمجرد انعتاقها من القيد المكبل لها. المشكلة الكبيرة في هذه الصيغة أنها تجاوزت الصيغة المعتادة لحالة الاستثناء؛ حيث إن حالة الاستثناء ورفع القانون دومًا ما تحافظ عن فكرة العدالة بعيدة عن التفكيك وتجاوز علاقتها بالقانون. فالمعادلة تقتصر على أنه ثمة اضطراب واسع النطاق يحتاج معايير استثنائية للتعامل معه ويحتاج ظهور سيد يسيطر على جهاز الدولة ويكون بإمكانه اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير لإعادة القانون والنظام مرة أخرى.

والآن فلنأخذ المقولة ونضعها في السياق العام الذي أنتجت فيه. نحن أمام دولة أطلقت العنان لأجهزتها الأمنية في البطش والتنكيل والقتل خارج القانون. تم تجييش القضاء وتسييسه في المعركة ضد الإرهاب والإخوان المسلمين. لا يمر يوم تقريبًا دون أخبار عن قتلى في السجون أو أماكن الاحتجاز من شدة التعذيب أو في طرقات المحاكم بسبب الاشتباه أو في الشوارع بشكل عام. يمسك السيسي بكل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في الوقت نفسه. لا يوجد نظام سياسي ولا برلمان ينافسه أو يقاسمه السلطة. قام السيسي بتكثيف القوة والسلطة داخل جهاز الدولة وتحديدًا داخل الجيش؛ فأعطى حكم الأمر المباشر للجيش، ويتكلف الجيش بأغلب المشاريع القائمة في البلد وصار من حقه منح المقاولات مباشرة من الباطن. وأشار خالد فهمي في لقائه الشهر الماضي مع “الحياة” اللبنانية، إلى ملاحظة في منتهى الخطورة، وهي أن السيسي نجح في السيطرة على جهاز الدولة من خلال التغيرات الواسعة التي قام بها في مناصب الدولة، وبالأخص داخل الجيش، وكذلك المخابرات والداخلية أيضًا. أضف إلى ذلك كله سيطرة السيسي على المجال العام والخيال والمجاز. وبالتالي يسيطر الرجل على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، على القوة المادية والمعنوية، يسيطر على جهاز الدولة ويضمن ولاءه من خلال التعيينات، وصادر الرجل السياسة واحتل جسده مكان الحشود، وخطابه بدلًا من الجدل السياسي، وهوسه بالتوحد بدلًا من المنافسة السياسية.

الجنرال لا يبدو أنه يعي جوهر السياسية، ولا يبدو أنه يحترمها ويرى فيها ضرورة لقيادة المجتمع وإدارة صراعاته واختلافه. وقضى الرجل على المجالين العام والسياسي واحتلهما بالرمز والخطاب والقوة المادية. ويسعى إلى توحيد كل من الدولة والحركة والشعب في يده بشكل أقرب للفاشية منه لأي طابع آخر من الاستبداد. وساعده في هذا كل وضع إقليمي شديد التعقيد، وخدمته الظروف بأن جعلت كلًا من السعودية والإمارات تدعماه بشكل كامل وسخي. في وسط كل هذا يمكن تأويل المقولة على أنها إضافة جديدة لجوهر الاستبداد؛ حيث التحول من كره السياسة إلى كره القانون. لا يتحمل الرجل السياسة، والآن صار لا يتحمل حتى القانون. موت السياسة ليس بأمر جديد على مصر، وحالة الشيزوفرينيا بين القانون والترتيبات الأمنية والحكم الأمني هي الأخرى ليست جديدة على مصر، أما موت القانون فهذا ما لم يمر على البلاد من قبل منذ نشأة الدولة الحديثة.

أخطر من مجرد دكتاتور

الخطير في أمر السيسي وعلاقته بالدولة والنظام السياسي ليس فقط في كونه دكتاتورًا استبداديًا يسيطر على الدولة، بل كونه ممثلًا سياسيًا في الحكم لمؤسسة الجيش. فالجيش في مصر يمكن تأويله في بعض الأحيان كحركة اجتماعية وليس فقط مؤسسة دولة أو حتى “المؤسسة الأولى والأهم” في الدولة منذ محمد علي. فالجيش يشعر بالغبن من تهميش مبارك له لصالح رجال الأعمال ومحاولة التوريث، وقلق من هجوم الثورة عليه، ويخشى من الهبوط الاجتماعي أو محاولة تقليم بنيته الاقتصادية، ويخشى من اختراقه إيديولوجيًا، ومأزوم من اضطراره للمنافسة السياسية والخطابية في مواجهة قوى أخرى داخل المجتمع. فلم يسبق للجيش المصري أن اضطر للمنافسة السياسية ولو بشكل ديموقراطي زائف، ولم يسبق له، إلا بعد فشل الثورة العرابية وهي حالة استثنائية، أن تعرض لهذا الهجوم الإيديولوجي والاجتماعي.

لم يضطر الجيش المصري في أية مرحلة من الدخول في صراع خطابي حول اقتصاده وبنيته الإنتاجية والخدمية. والجيش يرى في نفسه ممثلًا للحركة الوطنية وحامل لوائها. كما يحتكر شرعية الفعل الوطني داخل مؤسسته ورموزها. فدارس التاريخ في المدرسة المصرية يتعلم منذ الصغر أن الجيش هو من قاوم الاستعمار وطرده، وهو من حمل لواء مقاومة القصر وثار عليه وحول مصر إلى جمهورية، وأن القوى السياسية في المقابل هم الخونة إما من أتباع القصر أو عملاء الاستعمار، كما يرتبط مفهوم العدالة الاجتماعية والمساواة بين المصريين بعبد الناصر وقانون الإصلاح الزراعي. ولذلك يأطر كل هجوم عليه وعلى طبيعته الاستبدادية كمساس بالثوابت الوطنية وخيانة للدولة. فبدلًا من أن يكون الهجوم على بنيته الاقتصادية حديث عن حجبه للتنمية وإمكانيات الاستثمار وتطوير ونمو السوق المصرية، يتحول الأمر إلى خيانة عظمى تهدف إلى قطع خطوط الإمداد عن القوات في أثناء المعركة. والمعركة بالطبع دائمة ولا تنتهي.

والجيش في مخيلة قطاع كبير من الكتاب والمثقفين بمثابة حركة وطنية كامنة في مؤسسة، كلما ساءت الأمور انتفضت لتنقذ البلاد والعباد. لكن الشيء المرعب في هذا كله، هو أنه لم يسبق للجيش أن أقحم نفسه في الصراع السياسي والاجتماعي بهذا الشكل حتى أثناء 1952، والتي كانت انقلابًا عسكريًا صريحًا. فالجنرال يضع المؤسسة العسكرية خلفه وكأنها الحزب الحاكم.

السيسي قتل السياسية من خلال عدة ميكانزمات

  1. ١- التركيز على توحيد السلطة والإمساك بجهاز الدولة وإخضاعه لسيطرته وولائه.

 ٢- تكثيف القوة داخل مؤسسة الجيش، ووضع الجيش في خلفية المشهد كحارس سياسي للسيسي.

٣- الاستيلاء الكامل على الخطاب والرمز.

٤- الاستيلاء على المجالين العام والسياسي.

٥-  ترويع خصومه من خلال الإيغال في القتل المادي والمعنوي سواء داخل السجون أو خارجها، وسواء على شاشات التلفاز أو من خلال الاستبعاد.   

وربما يمكن القول إن هذه الفترة من تاريخ مصر تشهد عسكرة غير مسبوقة. كما أن السيسي أكثر رجل عسكري حكم البلاد؛ حيث لم يمر بأية خلفية سياسية. كما انتقل بآفاق الاستبداد من معاداة السياسة إلى معاداة القانون.

اعلان
 
 
علي الرجّال