كيف تُعلمنا العبرية شيئاً عن ذواتنا؟ (٣) فصح وفصحى وفشاخة: الرحلة الساحرة للجذر الثلاثي

“وكان إذا قال منفلتو إفرايم: دعوني أعبر، كان رجال جلعاد يقولون له: أأنت إفرايمي؟، فإن قال: لا، كانوا يقولون له: قل إذن شِبّولت [أي سنبلة]، فيقول: سِبّولت، ولم يتحفظ للفظ بحق”.

سفر القضاة 12: 6

تشرح لنا القصة التوراتية، الواردة في التصدير أعلاه، شيئاً عن نشأة اللغات، عن الفروق الطفيفة بين لهجة وأخرى، وعلى نقيض قصة برج بابل الذي بلبل الرب ألسنة ساكنيه، تؤنسن هذه القصة اللغة عن طريق البدء بأدق وحداتها، الصوت. كما تشرح شيئاً عن فروق النطق التي تمّكّن من الكشف عن أصل المتحدث وبلده. وتكاد تكون متطابقة مع قصة أخرى تُحكى عن الحواجز العسكرية في لبنان وقت الحرب الأهلية، كان رجال الكتائب بمقتضاها يستوقفون الفلسطينيين ويطلبون منهم نطق كلمة “بندورة”، بمعنى “طماطم”، فإن نطقوها، “بَنْدورة” فهذا يعني أنهم فلسطينيون، وإن نطقوها بَنَدورة فهذا يعني أنهم لبنانيون. أشارت ياسمين حمدان لهذه القصة في أغنيتها “بندورة” عندما قالت: “أنا أقول بَنَدورة، بتقول بَنْدورة”.

دائماً ما كنت أواجه بسؤال، هل العبرية هي اللغة الأصلية أم العربية؟ وكنت أجيب على هذا بسؤال آخر، هل لهجة الدقهلية هي الأصل أم لهجة الشرقية؟ لكي تفكر ببساطة في اللغات الأسطورية، القديمة والملحمية، فكر أيضاً في اللهجات الحديثة. هكذا يزاح السحر عن كيفية نشأة اللغات. فكر عندما كنتَ في قريتك الصغيرة تستعمل ألفاظاً توقفت عن استعمالها عندما وصلت القاهرة. فكر كيف كنا نقول كلمة وتوقفنا عن قولها، فكر كيف يرجع المغترب من الخارج بعد أن قضى سنوات طويلة ليسمع كلمات لا يفهمها لأول مرة وتكون على لسانه كلمات قديمة توقفت أنت ومن حولك عن استعمالها منذ وقت طويل.

***

استقر علماء اللغويات على تسمية مجموعة اللغات التي تنتمي لها اللغة العربية باللغات السامية، ومن ضمنها العبرية والآشورية والآرامية والحبشية (الأمهرية). افترضوا وجود لغة سامية أم، تفرعت منها غالبية لغات الشرق الأوسط القديم، في فروق طفيفة كما تبين لنا القصة أعلاه، تحولت إلى اختلافات ضخمة فيما بعد. سام بحسب التوراة هو ابن نوح وأبو عدد من الآباء الذين أنجبوا شعوباً عاشت في المنطقة، مثل آشور وآرام، وكان إبراهيم واحداً من أحفاده، إبراهيم الذي سيأتي لنا فيها بعد بالأخين الأسطورين، إسحق وإسماعيل، وباللغتين المقدستين، العبرية والعربية. 

لا نعرف الكثير عن كيفية نشوء اللغتين العبرية والعربية، ويبدو أننا لن نعرف قريباً. التوراة، وفي أعقابها القرآن، يمداننا بقصة أسطورية تسد الثقوب. هاجر إبراهيم من العراق إلى فلسطين، تزوج سارة وأنجب إسحق، وتزوج هاجر وأنجب إسماعيل، رمى إسماعيل وأمه في الجزيرة العربية، ولن نعرف الكثير عن قصتهما ولا سلالتهما فيما بعد، أما إسحق فاستقر في فلسطين/ أرض إسرائيل وأنجب يعقوب الذي أنجب يوسف الذي بيع في مصر ثم أصبح وزيراً هناك، حتى لحقه إخوته، وسيصبحون فيما بعد آباء أسباط بني إسرائيل، حتى خرجوا من مصر على يد موسى، وفي سيناء نزلت الألواح عليهم وبدأت البذرة الأولى للديانة اليهودية في التشكل.

كل هذه قصة أسطورية، بمعنى ألا دليل عليها إلا من الكتب المقدسة. الحقيقة الوحيدة التي يمكن القطع بها، أن اللغتين، العبرية والعربية، لغتان شديدتا التشابه ببعضهما البعض. وباستثناء الخط الذي كُتبت به كل لغة، فالنظام الصرفي وجذور الكلمات تتطابق في أحيان كثيرة. تختلف أحياناً ولكنها شبه متطابقة من حيث الجذور، وكذلك الآرامية طبعاً، وإن لم تعد الأخيرة مستعملة إلا بشكل محدود للغاية.

أثناء دراستي في الكلية، تعرفت على صديق اسمه أحمد منير، وسنظل أصدقاء حتى يومنا هذا رغم افتراق السبل. أهداني وقتها شرائط كاسيت لفيروز، وبدأت أسمع فيروز بشغف، أسمعها وأحاول فهم شيء من اللهجة اللبنانية التي كانت مستعصية عليّ آنذاك، وكل كلمة أفهمها تمنحني سعادة كبيرة. كانت هذه الفترة التي بدأ فيها شغفي باللغة. وحصيلتي كانت اللغتين العربية والعبرية، العاميتين المصرية واللبنانية. تستعصي عليّ كلمة باللبنانية، فأفتح قاموسي العربي وقاموسي العبري لأفهم ولو احتمالاً بسيطاً وبعيداً لمعناها. لم يكن هناك إنترنت آنذاك، أو كان موجوداً ولكن لم يكن دخل بيتنا بعد.

***

ذات مرة، وكنا في الكلية ندرس مصطلحاً تلمودياً، وهو “پلپول”، ويعني الحذق والذكاء الزائد في أمور الشريعة، سألَنَا أستاذ علم اللغة محمد بحر، رحمه الله، إن كنا نستطيع استنتاج أصل الكلمة، ولم يعرف أحدنا، فقال إنه على ما يبدو يعود إلى كلمة “فلفل”، التي هي بالعبرية مثلما بالعربية، عدا عن أنها بالعبرية تنطق “پِلپِل”. يومها أعطانا درساً سيقدّر له أن يصاحبني حتى الآن: عندما تفكر في الكلمات الدالة على معان مجردة، فكر أيضاً في المعنى المادي السابق للكلمة. وهذا يسري على العربية أيضاً، ضرب لنا مثلاً بكلمة “جدال”، التي تعود إلى الفعل “جدل”، أي “ضفّر جديلة”. من يتجادلان سوياً يضفران جديلة.

بمناسبة الذكاء والفلفل، أذكر مرة وأنا طفل أني رأيت أفيشاً لفيلم بعنوان “الحدق يفهم”، وسألت أختي ساعتها عن معنى كلمة “الحدق”، وهو هل “الحادق”، أي المملح؟ فقالت إنها تعني الذكي، لا الحادق. الآن أفكر أن كلمة “حدق”، بمعني الذكي، تعود لـ”الحذق”، وأبحث عن معاني الـ”حذق”، فأجد من بينها “تزايد حموضة الخل”، هكذا تحول المعنى من الحموضة للذكاء للملوحة للذكاء مرة أخرى، من المادي للمجرد للمادي للمجرد، في رحلة طويلة وخلابة قطعتها الكلمة. المذاقات المختلفة وارتباطها بصفات الإنسان أمر شديد الشيوع، تذكروا كلمة “حرّيف” في العامية المصرية، بمعنى “الماهر”، والآتية من معنى أقدم ما زال مستعملاً في العبرية وبعض اللهجات العربية: “ذو الطعم اللاذع أو الحار”.

فيما بعد ستصبح هذه لعبتي، أفكر في كلمة عربية فأحاول تغيير بعض حروفها (أحول الضاد لصاد، الشين لسين، الثاء لشين، الغين لعين، أو غير ذلك) وأفكر في جذور الأفعال الثلاثية بين العربية بلهجاتها والعبرية، لأحاول فهم تاريخ الكلمات. من ذلك مثلا كلمة “الحق” العربية. كلمة “حُق” في العبرية تعني “القانون”، والجذر الثلاثي “حقق”، يعني حفرَ أو نقشَ. هكذا يمكننا التلصص على تاريخ الكلمة. الفعل حقق يعني حفر، وسمي القانون في العبرية “حُق” لأنه كان يُنقش/ يُحفر على الحجر، ثم ذهبت العربية لتجعل الحق اسماً من أسماء الله ولتنسب له سلسلة من المعانى الأشمل، مثل الصدق والعدل والصواب. بعدها بدأتُ التفكير في معنى التعبير القرآني “حقت عليهم كلمة ربك”، بأن كلمة ربك انطبعت عليهم، نزلت كالختم لترتسم عليهم، كأنها تُحفر على الحجر.

كما يبدو لي أن كلمة “دين” العربية، بمعنييها ونطقيها، الدِين الذي هو العقيدة والدَين الذي هو القرض، يعود أصلها إلى مفهوم قضائي، ويعني “الحُكم” كما هو بالعبرية حتى اليوم. فـ”يوم الدين” العربي، و”يوم هادين” العبري” و”يوم دينا” الآرامي، هو يوم الحكم العدل على الناس، أي يوم القيامة أو ما شابهه، كما أن اسم الله “الديّان” يعني وفق هذا: الحكم العدل، وفي العبرية التلمودية التشريعية “دينه كدين كذا”، أي “حكمه كحكم كذا”. احتفظت العربية بظلال من المعنى القضائي القديم في فعل “آدانَ”.

ولكن كلمة “دين” العربية، في حركة غير متوقعة، دخلت العبرية أيضاً، العبرية الإسرائيلية المعاصرة هذه المرة. كنت أعبر الشارع مع صديق إسرائيلي في أحد شوارع القاهرة، ولأنه لم يكن متمرساً على رياضة عبور الشارع القاهرية، فقد ارتعب عندما أتت سيارة مسرعة باتجاهه وصرخ بكلمة سيتبين لي بعد سنوات أنها “ينعل دينك!”، أو بالنطق الإشكنازي “إينال دينك”.

لأن الإسرائيليين يعيشون مع الفلسطينيين على نفس الأرض اليوم، فقد كان لزاماً أن تنتقل المصطلحات والتعبيرات بينهما، بين العبرية والعربية الحديثتين، هذه المرة في إطار علاقة بين اللغة المهيمنة واللغة المهيمن عليها. سبق وأن كتبت عن “العرص” في إسرائيل، ولكن هذا ليس كل شيء. أخذ الإسرائيليون الشتائم من الفلسطينيين، خاصة الأكثر حدة وإيلاماً، وليس فقط الشتائم، يمكن القول إنهم أخذوا الألفاظ المحملة بشحنات عاطفية جياشة، ففي مقابل “ينعل دينك”، هناك في العبرية الحديثة أيضاً “بحياة دينك”، وتقال للاستعطاف.

في الغالب، رأى المستوطن اليهودي الأوروبي في الفلسطينيين المجموعات الأكثر شوارعية، ذوي العاطفة الصاخبة المبهرجة، في مقابله هو، الذي يحب أن ينظر لنفسه كمثقف أوروبي ومتحضر يسمع الموسيقى الرفيعة ويحضر العروض المسرحية، طبعاً دون إغفال دور اليهود الشرقيين كحلقة وصل لغوية بين العبرية الحديثة والعربية الفلسطينية.

في المقابل أخذ الفلسطينيون من الإسرائيليين الكلمات التقنية، المعبرة عن السياسة الفعلية التي تفرض واقعاً على الأرض. يقول الفلسطينيون “محسوم”، وهو الحاجز العسكري بالعبرية، الحاجز العسكري الذي يقفون عليه بالساعات متسائلين هل سيعبرون أم لن يعبروا، ويشكل التجربة اليومية الأكثر شيوعاً بينهم. ملاحظة عابرة: كلمة “محسوم” مشتقة من الجذر “حسم” العبري، أي “أغلق”. تذكر الجذر العربي.

***

منذ أسابيع نشر الروائي مكاوي سعيد في المصري اليوم مقالاً بعنوان “روايتك فشيخة قوي”، ويتمحور المقال حول كلمة “فشيخ”، التي لسبب ما جرى اعتبارها رمزاً للغة الشباب، في المقال قال سعيد: “رأتنى فتاة جميلة فشدت صديقتها من يدها وسلمت علىّ بحرارة وهى تقول بحماسة: روايتك فشختنى قوى يا أستاذ! وحدث لى إظلام تام لبرهة ثم ابتسمت وخلعت، وظللت لفترة (مذبهل) حتى فسر لى شاب الكلمة بأن معناها أن روايتك عجبتها جداً، ياااه، لقد ظللنا لسنوات نسخر من لهجة اللبنانيين عندما كنا نتوه في مدينتهم ونسألهم عن مكان الأوتيل فيقولون لنا وهم يشيرون: بعد خمس فشخات”!

ما لم يعرفه مكاوي هنا، وهو على العموم بدا متعاطفاً مع “لغة الشباب الجديدة”، هو الأصل اللغوي لـ”الفشاخة”. يمكننا بسهولة أن نفكر في معنى “فشخ” القريب، وهو “فلق”، أي شيء ما قريب من “فسخ” العربية. وأكثر من هذا، رجوعاً للعبتي مع العبرية، يمكننا أن نفكر في عيد “الفصح” اليهودي كشيء قريب من هذا. أول ذكر للفصح في التوراة كان في آية سفر الخروج: “تقولون هي ذبيحة فصح للرب الذي عبر على بيوت بني اسرائيل في مصر”. الترجمة الشارحة للآية، وقد لا تكون الأدق، هي “تقولون هي ذبيحة فصح للرب. الذي تَفَسّح على بيوت بني إسرائيل في مصر”، لأن الفعل “پسح”، وهو الفعل المستعمل في الآية، يعني “خطا”.

يبدو لي أن ثمة شيئاً أصيلاً في كلمة “فسخ” و”فشخ” و”فسح” و”فصح”، يتعلق بانفتاح الساقين، أو بالانفتاح بشكل عام، الفَلْق، وصولاً إلى الخطو. لهذا يقول اللبنانيون “خمس فشخات”، أي خمس خطوات. ومن “الفشخ” أتى “الفشيخ”، أي القادر على الفشخ.

يمكننا هنا أيضاً التفكير في جذر “فصح” العربي، ومنه أتى فعل “أفصح” بمعنى “عبّر”، الذي أتت منه بدورها كلمة “الفصحى”. يمكننا تخيل، بلا أدلة، فقط قرائن، أن الفعل “أفصح” له علاقة أيضاً بانطلاق الفكرة من داخل عقل الإنسان إلى خارجه، إلى أن تصبح كلمة. أي أن العرب تخيلوا مفهوم الفصاحة في ارتباطه بقطع خطوة من الداخل للخارج. فكِروا أيضاً في كلمة “البلاغة”، الآتية من جذر “بلغ”، أي “وصل”. هكذا تنتمي كلمتا “الفصحى” و”الفشاخة” (وتعد الأخيرة بالتحديد رمزاً لما هو نقيض الفصحى، أي رمزاً للغة الشباب الألفينية) لنفس الجذر شديد القدم. من الجدير بالذكر هنا أن كلمة “فشخ” العامية المصرية، أي انفتح بقوة، معناها بالعبرية “پسق”، وبنطق آخر “فسق”، والتي هي أخت الجذر العربي “فسق”، بمعنى خرج (عن الملة مثلاً).

 أي تكوينات لا نهائية وفاتنة يشكلها الجذر الثلاثي ولا يعيها متحدثو اللغة!

ومثلما أن في العربية بلهجاتها هناك كلمتا “فسخ” و”فشخ” بنفس المعنى تقريباً، ففي العبرية هناك كلمتا “پسح” و”پسع” بمعنى عبر أو خطا. لماذا تُكتب “صراط” حيناً بالصاد وحيناً بالسين؟ لماذا توجد أكثر من كلمة متقاربة صوتياً بنفس المعنى؟ لماذا هناك كلمتا “خاوٍ” و”خالٍ”، كلمتا “إغواء و”إغراء” بنفس المعنى؟ لا تفسير هنا إلا اللهجات. لهجة نطقت كلمة بشكل، وأخرى نطقتها بآخر. لهجة قالت “شبولت”، وأخرى قالت “سبولت”، ولدى وضع قواميس اللغة، تؤخذ الكلمتان المتقاربتان ويُتخيل أن لكل منهما معنى مختلفاً عن الآخر، أو تُنسب الصحة لكلمة ولا تُنسب لكلمة أخرى، أو، في معظم الأحيان، تتجاور الكلمتان جنباً إلى جنب بلا تعليق.

***

كثيراً ما يتم الزعم بوجود تواصل بين العامية المصرية واللغة المصرية القديمة، يشار إلى كلمة منطوقة في لهجتنا المصرية وكلمة شبيهة في المصرية القديمة، مما يعد دليلاً أحياناً على أن لغتنا، العامية المصرية، تعود في الأصل للمصرية القديمة، لا العربية.  في بعض الأحيان يبدو التشابه منطقياً، وفي البعض الآخر يبدو مفتعلاً وأيديولوجياً. الاختبار الذي أجريه للكلمة بسيط، لو كانت الكلمة مشتقة من أصل ثلاثي، وهذا الأصل الثلاثي موجود في العربية والعبرية، فسيكون من غير المنطقي إرجاعه إلى المصرية القديمة. فلا يمكن الزعم مثلاً أن كلمة “خلاص” العامية، تعود إلى جذور “هولوس” القبطي، كما يزعم كتاب “أصل الألفاظ العامية من اللغة المصرية القديمة”، وذلك لأن جذر “خلص”، جذر أصيل في العربية والعبرية، ولا يمكن الزعم أن كلمة “ريّس”، مأخوذة من كلمة قبطية، وتجاهل كلمة “رأس”، العربية والعبرية.

بالتأكيد هناك تأثير للغات المصرية القديمة على اللغات السامية. فحتى لو لم يعش الإسرائيليون في مصر، كما تخبرنا التوراة والقرآن، فقد كانوا بالجوار منها، وبالتأكيد كانت اللغة المصرية واحدة من اللغات التي تعامل معها العرب والعبرانيون في العالم القديم، ولكن من أجل رد كلمة بالعامية المصرية إلى المصرية القديمة، خاصة لو بدت الكلمة أصيلة في العربية، لا يصح تجاهل الحلقة الوسطى بينهما، اللغة العربية وأختها العبرية، أي المنظومة السامية التي تعد نواتها الأولى هي الجذر الثلاثي.

الجذر الثلاثي هو نواة اللغات السامية، التي تخترع كلمة من ثلاثة صوامت وتظل تشتق منها وتصرفها في أوزان مختلفة بحركات مختلفة وتوظفها لمعان مختلفة. عدد لا يحصى من الكلمات والمعاني والاشتقاقات يمكن إرجاعها لجذور ثلاثية مشتركة بين اللغات السامية جميعاً. بشكل ما، فالجذر الثلاثي هو حائط الصد للغات السامية، هو الحائط الذي يتوقف قبله الاشتقاق. هو النواة.

صحيح أن الجذر الثلاثي هو نواة اللغات السامية، ولكن يبدو لي أحياناً أيضاً أن له تاريخاً، أنه لم ينزل علينا من السماء وإنما تطور من جذور أخرى. الأمثلة على هذا قليلة جداً، ومعظمها افتراضات. أفكر في كلمة “مال” كأنها في الأصل تكونت من مقطعين، “ما لفلان”، التي تحولت مع الوقت لـ”مال فلان”، كما يشير التشابه بين أفعال مثل “سكن” و”كنّ”، و”كان”، أو “سبق” و”بقى”، وكلها أفعال ثلاثية مستقلة بذاتها، إلى إمكانية تفكيك وتركيب الجذور الثلاثية نفسها.

سواء في الآرامية أو العبرية أو العامية المصرية، يدخل حرف الشين على الجذر الثلاثي ليؤكد معناه أو يحوّره. في العبرية هناك وزن “شفعل”، أي حرف الشين مضافاً إليه جذر “فعل”، مما يحول الفعل لفعل رباعي، وفي العامية المصرية، يسهل إرجاع “شهيص” لـ”هاص”، و”شقلب” لـ”قلب”، و”شخرم” لـ”خرم”. يبدو أن العربية القديمة كانت تستعمل السين بدلاً من هذا الشين (والتبادلات بين الحرفين شديدة الشيوع في منظومة اللغات السامية، تذكر “شبولت” و”سبولت”، تذكر “شالوم” و”سلام”). في العربية، تدخل السين على الفعل الثلاثي في وزن كامل هو وزن “استفعل” المطاوع، لتعطي معنى الادعاء في العامية، مثلما يكون “الاستهبال” هو ادعاء الهبل، أو لتعطي معنى الطلب، فيكون “الاستفهام” “طلب الفهم”، و”الاستئذان” طلب الإذن، أو حتى لتقلب معناه، فيكون “الاستمرار” مقلوب “المرور”، بالضبط مثلما أن “سبق” مقلوب “بقى”.

على العموم، أعتقد أن ما ينقصنا في مجال دراسات علم اللغات السامية، دراسة عن تاريخ الجذر الثلاثي في اللغات السامية. هل أنه فعلاً أصل في حد ذاته، أم أنه تطور عن جذور أخرى؟ وما الذي كان عليه قبل أن يتبلور كجذر ثلاثي؟ دراسة كتلك، إن لم تكن موجودة بالفعل، ستحل إحدى الشفرات الوراثية الأساسية لمنظومة اللغات السامية، وفي قلبها العربية والعبرية، وستكشف لنا عن مرحلة شديدة القدم من مراحل طفولة اللغة السامية الأم، تلك التي لا نعرف لها اسماً ولا تاريخ ميلاد حتى اليوم.

اعلان
 
 
نائل الطوخي