أمنية.. صحفية.. نقابية: الصحافة الإلكترونية في مرمى نيران الدولة مجددًا
 
 

أمرت نيابة قصر النيل ظهر اليوم بحبس أبو بكر خلاف، أمين عام نقابة اﻹعلام اﻹلكتروني، أربعة أيام على ذمة التحقيق، في القضية رقم 4748 لسنة 2015 جنح قصر النيل، بعد أن قامت قوات اﻷمن، مساء أمس الثلاثاء، بالقبض عليه من داخل مقر اتحاد عمال مصر. كانت النيابة قد وجهت لخلاف اتهامات بالانضمام لجماعة تمارس اﻹرهاب لتعطيل مؤسسات الدولة، والترويج لتغيير مبادئ الدستور بطرق غير مشروعة، وتصوير وعرض مصنفات فنية دون ترخيص من وزارة الثقافة.

تأتي الواقعة بعد ثلاثة أيام فقط من تحقيق صحفي نشرته صحيفةأخبار اليوم” الحكومية عن وجود “التنظيم السري للجماعة الإرهابية في الإعلام والصحافة المصرية”، وهو التحقيق الذي اتهم كاتبه ثلاث جهات- تعمل كلها على اﻹنترنت- بأنها تمثل غطاءً لنشاطات جماعة اﻹخوان المختلفة وأعضائها الذين “نجحوا في إصدار الكثير من المطبوعات الصحفية ودشنوا مواقع إلكترونية هي حاليًا إحدى أهم وسائل تواصلهم مع قلة هزيلة من مناصريهم”.

خلا التحقيق الذي نشرته “أخبار اليوم” من أية وثائق أو أوراق أو مقابلات تؤكد المعلومات الواردة فيه، ونُشرت معه صورة بها أجهزة كمبيوتر عادية تمامًا، يمكن التقاطها داخل أي مكتب، كتب تحتها “أحدث أجهزة الكمبيوتر التي يستخدمها الإخوان في مواقعهم المضللة”، وكانت تلك هي الصورة الوحيدة المرفقة مع “التحقيق”.

أبو بكر خلاف، ونقابة اﻹعلام اﻹلكتروني، كانا أحد الذين تحدث عنهم تقرير “أخبار اليوم”، وفي اتصال هاتفي مع «مدى مصر»، قال أحمد عبد النبي- المحامي عن خلاف من مؤسسة “حرية الفكر والتعبير”-، إنه بعد نشر ذلك التحقيق، قام موكله بمحاولات عدة ﻹثبات كذب تلك الادعاءات. وحين قام الاتحاد العام لنقابات عمال مصر باستدعاء خلاف للتحقيق معه بشأن الاتهامات الواردة في التحقيق الصحفي، باعتبار النقابة تابعة للاتحاد، توجه خلاف إلى بنك “التنمية الصناعي” المجاور لمقر اتحاد نقابات عمال مصر للحصول على بيانات بنكية تخص حسابه البنكي، وهو ما رفض البنك إعطاؤه إياه. بعدها- وحسبما يروي عبد النبي- توجه خلاف إلى مقر الاتحاد لحضور التحقيق ليفاجأ بمسؤول الاتحاد الذي طلب منه الحضور يقابله بصحبة عدد من أفراد الشرطة الذين قاموا بإلقاء القبض عليه على الفور.

أحد اﻷطراف الآخرين الذين تحدث عنهم “التحقيق” الذي نشرته “أخبار اليوم” كان موقع “مصر العربية” اﻹخباري، الذي اتهمه كاتب “التحقيق” بوجود “مركز تدريب سري” داخل فرعه بالدقي، يقوم بـ “إعداد برامج صحفية كاملة وتغطيات إعلامية لقنوات الإخوان في تركيا”. وبسبب جدية الاتهامات، قام الكاتب الصحفي عادل صبري- رئيس تحرير الموقع- بإرسال مذكرة إلى يحيى قلاش- نقيب الصحفيين- موضحًا فيها أن “موقع مصر العربية تعرض لحملة ممنهجة ومضللة، ليس لها أساس من الصحة”، مؤكدًا أن الموقع “مملوك لشركة “أو تو للمحتوى الإلكتروني”، وهي شركة مساهمة مصرية تهدف إلى الربح، جميع مساهميها يتمتعون بالجنسية المصرية، والموقع حاصل على موافقات وزارات الاستثمار والثقافة والاتصالات وكل الأجهزة الرسمية بالدولة، ولم نرتكب أية مخالفات في قضايا نشر تضر بهيئات أو مؤسسات أو أشخاص”، مطالبًا نقيب الصحفيين بـ “متابعة حقنا [مصر العربية] في نشر الردود في تلك الصحف، وبخاصة “أخبار اليوم”، ومنحنا حق اختصام هؤلاء الزملاء لدى القضاء المصري”.

من جانبه، قال يحيى قلاش- نقيب الصحفيين- في اتصال هاتفي مع «مدى مصر»، في تعقيبه على المذكرة التي أرسلها “مصر العربية” إلى النقابة، إن الموقع يحتفظ بحقه في نشر الرد على الاتهامات التي وجهها له الموضوع المنشور في “أخبار اليوم”، موضحًا أنه طالب رئيس تحرير “مصر العربية” بإرسال رده، مؤكدًا أن النقابة ستتخذ إجراءات في حال عدم نشر الرد؛ ﻷن هذا سيؤكد سوء نية الجريدة.

تأتي أحداث اﻷسبوع اﻷخير، ضمن ما يبدو كحملة منظمة مستمرة ضد عدد من المواقع اﻹخبارية اﻹلكترونية. بداية هذه الحملة جاءت مع اقتحام مقر شبكة يقيناﻹخبارية يوم اﻷربعاء الماضي، وإلقاء القبض على مديرها يحيى خلف الله بعد اتهامه بـ “نشر أخبار كاذبة والترويج لشائعات غير صحيحة في الداخل والخارج لزعزعة الاستقرار والتحريض ضد النظام القائم”، وهي المرة الثانية التي يتم فيها اقتحام المقر. نتيجة لهذا، قامت شبكة “يقين” بإصدار بيان أعلنت فيه قرارها بوقف جميع أعمالها ونشاطاتها إلى أجل غير مسمى بعد استنكارها “بأشد العبارات كل ما أثير ضدها مؤخرًا من اتهامات برأها منها القضاء المصري، ضمن حملة إعلامية مغرضة وممنهجة عبر بعض البرامج التليفزيونية والمواقع الإلكترونية التي لطالما ولا تزال تنقل عن شبكة “يقين” الأخبار والمقاطع المرئية”.

لم تكن الملاحقة اﻷمنية هي الطريقة الوحيدة التي اعتمدتها هذه الحملة. هناك أيضًا تشريعات جديدة تعمل الدولة على إصدارها. بدأت أولى هذه المحاولات مع المادة 33 المثيرة للجدل التي اقترحتها الحكومة في مشروع قانون مكافحة اﻹرهاب، والمتعلقة بتجريم نشر أي أخبار أو معلومات مخالفة للبيانات الرسمية التي تصدرها الحكومة، وهي المادة التي رفضتها نقابة الصحفيين جملة وتفصيلًا، قبل أن يتم الإعلان عن تعديل العقوبة فيها من الحبس إلى الغرامة المالية التي تصل إلى نصف مليون جنيه.

ولم يكد الجدل الكبير الذي أثارته هذه المادة المقترحة من قانون اﻹرهاب يهدأ، حتى بدأ جدل جديد بعدما نشرت صحيفة “الوطن” أنباء عن مشروع قانون لـ “حرية تداول المعلومات” يقدم تعريفات للجريمة اﻹلكترونية لا تختلف كثيرًا عن تلك المقترحة في قانون اﻹرهاب، منها على سبيل المثال: تجريم نشر ما تعتبرها الحكومةًا “كاذبة” على مواقع التواصل الاجتماعي بالمخالفة للبيانات الرسمية.

يبدو هوس الدولة في اﻷسابيع اﻷخيرة بقضايا النشر اﻹلكتروني خطيرًا، وبخاصة في ظل غياب مظلة حماية يمكن أن توفرها نقابة الصحفيين للصحفيين غير المقيدين بالنقابة، العاملين في المواقع اﻹلكترونية المختلفة، وهنا يشير نقيب الصحفيين إلى أن اﻹطار القانوني الذي تعمل النقابة من خلاله لا بد أن يتغير. ويوضح أيضًا أن الهيئة الوطنية للتشريعات الصحفية واﻹعلامية، وهي اللجنة المسؤولة عن تجهيز قوانين لتنظيم أعمال الصحافة واﻹعلام لتتطابق مع الدستور الجديد، قد أوشكت على الانتهاء من أعمالها بعد عام كامل من العمل.

وأشار قلاش أيضًا إلى أنه بعد انتهاء التشريعات الجديدة، سوف يتم تعديل القوانين المنظمة لعمل نقابة الصحفيين، ليتم إتاحة الفرصة للصحفيين اﻹلكترونيين للانضمام إلى نقابة الصحفيين على قدم المساواة مع صحفيي المؤسسات الكبيرة.

اعلان
 
 
محمد حمامة