حتى لا يفوز الإرهاب

إن أعظم الانتصارات في التاريخ ولدت من رحم الهزيمة. فقسوة الهزيمة ومرارة الفشل قادرتان على أن تكونا قوة تدفع إلى الأمام بدلًا من أن تكونا حِملا يجر إلى الأسفل. تلك هي سنة الحياة وخلاصة عجلة التاريخ التي أدركتها شعوب ودول عدة فلم يقعوا في فخ الاستسلام للأمر الواقع، واستطاعوا أن يخرجوا من كبواتهم أقوى مما كانوا عليه من قبل. انظر مثلًا إلى اليابان وألمانيا اللتين ذاقتا مرارة الهزيمة والانكسار في الحرب العالمية الثانية قبل أن ينقلب بهما الأمر من حال إلى حال في وقت لم نقم فيه سوى بالدعاء والابتهال إلى مغير الأحوال. فالفشل ليس عيبًا طالما كانت هناك محاولات جادة ومخلصة لتداركه والتعلم منه، بدلًا من محاولات إخفائه وتبريره والتملص من تحمل مسؤوليته. فكما أن أولى خطوات العلاج تشخيص المرض؛ فإن أولى خطوات النجاح الاعتراف بالفشل.

في الأول من يوليو، قامت جماعة “أنصار بيت المقدس”- المنضمة لتنظيم الدولة غير الإسلامية “داعش” في العام الماضي- بالهجوم على قوات الأمن المتمركزة في شمال شرق سيناء، لتُحدث إصابات بالعشرات وخسائر في الأرواح والممتلكات قبل أن يتمكن سلاح الطيران من إجبارهم على الانسحاب من مثلث برمودا المصري الواقع بين رفح والعريش والشيخ زويد، لتنتهي بذلك اشتباكات اليوم الأعنف والأكثر دموية في سيناء منذ تحريرها عام ١٩٨٢. وفي صباح يوم السبت وقبل أن يجف الدم من على رمال سيناء، قُتل شخص وأصيب عشرة آخرون في تفجير سيارة مفخخة بمحيط القنصلية الإيطالية في شارع الجلاء تحت أعين قوات الأمن، في تفجير هو الثامن والعشرون من نوعه منذ فض اعتصام رابعة قبل عامين، ليتضح للأعمى قبل المبصر فشل الحرب على الإرهاب، بعد أن أصبحت الحرب حرب الإرهاب على قوات الأمن.

..

“جرى تجاهل القرائن المتواترة على أن ردود الفعل العسكرية تميل إلى زيادة دائرة العنف، مثلما جرى تجاهل حقيقة أن الإرهابيين بإمكانهم قلب أي انتصارات تحققها عمليات مكافحة الإرهاب، من خلال قنبلة واحدة توضع في المكان المناسب”- تشارلز تاونسند من كتاب الإرهاب. 

..

وكما جرت العادة، وبما أن الحكمة الشعبية تقضي بأن الاعتراف بالفشل جريمة، بدلًا من مناقشة الأخطاء وأوجه التقصير إلى جانب طرح أسئلة جادة حول استعداد المجندين إجباريًا على الدخول في هذه المواجهات في ظل وجود قوات نخبة هي الأقدر والأولى بالمواجهة، حاول جهاز الشئون المعنوية جاهدًا إخراج اليوم على أنه يوم عزة وكرامة. صور رد الفعل على الهجوم الإرهابي على أنه نصر تاريخي للقوات المسلحة مع التركيز على استخدام عبارة “نجحت القوات” بكثرة منذ البيان الأول الذي نشر على صفحة المتحدث الرسمي للقوات المسلحة في الساعة العاشرة صباحًا، بعد بداية الهجوم بثلاث ساعات.

وللحق فقد نجح الجهاز في تحويل شعور الغضب العارم الذي لم يكن ليهدأ سوى بمحاكمة قادة الجيش المسؤولين عن دماء الجنود التي سُفكت مثلما حاكم عبدالناصر قادة سلاح الطيران بعد نكسة ٦٧، إلى شعور بالزهو والفرح. فقتلى الإرهاب أكثر من قوات الأمن، ومركبات الإرهاب التي فُجرت أكثر من مركبات الأمن. وبعد تسع ساعات منذ بداية الهجوم في السابعة صباحًا حتى بيان المتحدث العسكري الثالث في الرابعة عصرًا (الذي أكد فيه استمرار الاشتباكات)، انسحبت داعش من أمام قوات الأمن! وكأن قوات الأمن كانت في مبارة كرة سلة ضد الإرهاب يفوز فيها من يسجل أكبر عدد من النقاط. أو كأنه من المفترض أن نحتفل بعدم احتلال داعش للشيخ زويد، وأننا بحمد الله أفضل من سوريا والعراق اللتين استحوذ فيهما التنظيم على مساحات جغرافية شاسعة، رغم أنه لا يوجد مجال لمقارنة قواتنا الجوية بقواتهم، ولا مقارنة عدد وعتاد جرذان الإرهاب في سيناء بعدد وعتاد مرتزقة الجهاد هناك.

ما يجب الاحتفاء والاحتفال به هو كم البطولات الفردية للضباط والمجندين الذين قاتلوا بشجاعة وجسارة ليسطروا أسماءهم بحروف من نور على رمال أرض الفيروز العتيقة التي أعياها شرب الدماء. ولكن هل معنى ذلك غض البصر عن من سمح بإهماله وأسهم بسياساته الخاطئة في سفك هذا الكم من الدماء؟ هل يصح تجاهل شهادة أحد الجنود الناجين التي صرح فيها بوصول أول قوات دعم بعد بداية الهجوم بثلاث ساعات؟ إذا كان تأخر الدعم نتيجة قطع بيت المقدس لطرق الإمداد، وهوعذر أقبح من ذنب في حد ذاته، فماذا يبرر وصول أول طائرة بعد أربع ساعات؟ تم مسح الشهادة بعد تحذيرات المعلقين المتكررة بخطورة تعرض الجندي للمحاكمة العسكرية فكتب عليها أن تدفن مع الأموات.

ما يغفله أو يتجاهله البعض أن هذا هو الهجوم الخامس والعشرون، ليس الأول، ليس الثاني، بل الخامس والعشرون منذ إعلان المشير طنطاوي بدء العملية “نسر” عام ٢٠١١، لتطهير سيناء من البؤر الإرهابية. خمس وعشرون عملية أسالت دماء أكثر من ٢٥٠ فردًا من أفراد الأمن و٣٢ من المدنيين، هذا بخلاف من قتلوا تحت أنقاض بيوتهم تحت القصف في صمت تام، دون أن تذكرهم إذاعة أو يلتف حول جثامينهم علم. على الرغم من تداول بعض النشطاء السيناويين أخبار سقوط مدنيين تحت القصف، لا يعلم أحد عددهم على وجه التحديد بسبب الحظر الإعلامي الشامل المفروض على سيناء. تسعة أشهر مرّت على إقامة المنطقة العازلة بعد تهجير ونسف منازل ٢٠٠٠ أسرة في مخالفة صريحة للمادة ٦٣ من الدستور المصري (هل يتذكره أحد؟) التي تقول: «يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بكافة صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم». فعن أي انتصار تتحدثون؟

..

“عايز أقولك يعني إنت مش متصور وإنت ظابط جيش إن بمنتهى البساطة يعني هاجي على رفح أو الشيخ زويد أروح محاصرها ومطلع السكان منها وأروح مفجر المباني الموجودة فيها؟ مشكلة يعني إن احنا نعمل؟ مش هنقتل حد ولا حاجة، رفح أو الشيخ زويد اعمل حصار، خرج السكان، الميت بيت دول يتنسفوا. ممكن نعمل كدا ولو حد ضرب نار طلع قدام النار دي ميت نار، مات اتنين تلاتة أبرياء، إنت في الآخر بتشكل عدو، ضدك وضد بلدك، لأنه بقى في تار بينك وبينه”- عبد الفتاح السيسي. 

..

لا يزال منهج خلق الأعداء مستمرًا، ففي يوم الجمعة ١٠ يوليو سقط خمسة أبرياء من أسرة واحدة إثر سقوط قذيفة على منزلهم بالقرب من الطريق الدولي في الشيخ زويد. رغم أن لا أحد يعلم على وجه التحديد من أطلق القذيفة في ظل صمت متبادل من قوات الأمن وميليشيا الإرهاب، إلا أن الحادث يعيد إلى الأذهان ما قاله أحمد أبودراع، مراسل “المصرى اليوم” فى سيناء بعد ثلاثة أيام من حادث الجورة في يوليو الماضي فى اتصال تليفونى مع «مدى مصر» بعد سقوط قذيفة مجهولة المصدر على منزل الطفلة هلا صالح (٩ سنوات) أردتها قتيلة في الحال: “كل شهود العيان وسكان القرى وأصحاب المنازل قالوا إن هذه قذائف من الجيش عن طريق الخطأ، لكن الجيش لم يعترف بأي من الضربات. لم يكن هناك أسباب تدفع الإرهابيين للضرب”، واختتم بأنه يرى أن كل الضربات كانت ضربات عشوائية مصدرها الجيش عن طريق الخطأ. 

في ظل هيستيريا الحناجر “الوطنية” الناعقة، وهدير طبول التخوين الإعلامية الزاعقة، يتم إخراس جميع الألسنة التي تطالب بمحاسبة الأحياء من أجل رجوع حق الأموات، أو على الأقل ضمان عدم زيادة تعداد جثثهم وذلك أضعف الإيمان. فوبيا الأمن القومي بالإضافة إلى ثقافة “وجوب مساندة قائد المركب حتى وإن كان أعمى” جعلت من الحديث عن الأخطاء خيانة، والمطالبة بالإصلاحات التي تهدف لإيقاف نزيف الدماء الشابة عمالة، وتصور أي نداء للمحاسبة كدعوة لشق الصف.

لا يختلف عاقل أنه في ظل هذه الظروف العصيبة يجب مساندة الجيش بكل قوة في حربه على الإرهاب، ولكن ذلك لا يكون عن طريق نشر صور من صفحات الجيش المصري رجال وخير أجناد الأرض، ولا عن طريق نشر فيديوهات أرض المعركة من صفحة المتحدث العسكري، فكل نقرة إعجاب تضغطها لن تقتل داعشي، وكل صورة تنشرها للقوات مفتولة العضلات لن تثنيه عن وهم معاركه المقدسة. الجيش ليس بحاجة إلى تغريدات و”هاشتاجات” على “تويتر”، الجيش بحاجة إلى من يذكره بخطورة تصدره الحرب على الإرهاب بمفرده وبحاجة لمحاسبة القيادات التي علمت باحتمالية حدوث الهجوم منذ المساء (طبقًا لمحادثة أحد الشهداء مع زميل له قبل الهجوم نشرت في “المصري اليوم” وشهادة أحد الجنود الناجين على صفحته قبل أن يحذفها بعد تحذير المعلقين من محاكمته عسكريًا) ولم تتخذ الإجراءات الوقائية لمنع وقوع هذا الكم من الخسائر ولم يصدروا الأمر بتحرك الطائرات لصد الهجوم منذ البداية (راجع سرعة تحرك الطائرة الإسرائيلية التي فجرت المدرعة المصرية بعد خطفها من الإرهابين وعبورها الحدود في ٢٠١٢). الجيش بحاجة لإلغاء التجنيد الإجباري الذي يخدم العدد على حساب الكفاءة، وعلى قدر توفيره عمالة رخيصة، فهو يرسل المجندين سيئي الحظ ممن ليس لهم وسائط في المؤسسة العسكرية، قليلي التدريب (٤٥ يومًا)، ليواجهوا الموت بدم بارد على يد دواعش شاركوا في حروب إسرائيل وسوريا وأفغانستان والشيشان والعراق. الجيش بحاجة لدفع رواتب عادلة لجنوده الذين يتقاضون ما يعادل ٥٠ دولارًا شهريًا، وذلك أجر أقل من الحد الأدنى للأجور! فهل كثير على مؤسسة لا تدفع ضرائب، ولا جمارك، ولا أرباح للدولة أن ترعى أبنائها ممن يفتدون الدولة بأرواحهم وتكافأهم، أو على الأقل تطعمهم مثلما تطعم قادتها؟ الموت أعمى، لا يفرق بين ضابط ومجند، كذلك يجب ألا تفرق بينهما الحياة.  

هنيئًا الجنة للشهيد، ولعنة الله على من اغتالوه برصاصهم، ومن تركوه يموت بإهمالهم، ومن خذلوه بصمتهم. 

..

“الأهالي في سيناء متعاونون مع الإرهابيين ولا يتعاونون مع الجيش، ومن يقال عنهم أبرياء هم من يأوون هؤلاء الإرهابيين ويحمونهم”- الخبير الاستراتيجي اللواء محمد مختار قنديل.

..

محمد قويدر، رجل في ربيع العمر من أهالي الشيخ زويد. محمد الأمي ذو الأربعة وخمسين عامًا لديه ٥ أولاد اثنان من الذكور وثلاث من الإناث، يطعمهم من عرق جبينه في مزرعة التفاح والزيتون التي لا يملك سواها في الدنيا هي ومنزله الذي يقع على مسافة ١٠٠ متر من معسكر “الزهور” العسكري. صباح يوم الأربعاء الأسود في الأول من يوليو الجاري خرج من منزله في الساعة السادسة قبل أن يعود إليه في تمام العاشرة حين علم بحدوث الاشتباكات. عاد محمد ليجد مجموعة مسلحين من الدواعش يحاولون اعتلاء سطح منزله لاستهدف معسكر الأمن بجواره. ثار محمد ووبخهم وحاول إنزالهم لكنهم باغتوه بإلقاء قنبلة يدوية عليه قتلته في الحال وأصابت ابنه الأصغر الذي كان بصحبته. ذلك مثال من وسط آلاف الأمثلة التي تثبت ضحالة وسذاجة صيحات “الأمنجية” الإعلامية التي تطالب ليل نهار بسحق أهالي سيناء، وتنعتهم جميعًا دون وجه حق بالخونة والإرهابيين.

يجب على النظام كسب ود أهالي سيناء العظام الذين ساعدوا على إخلاء السكان من مناطق الاشتباكات وأرشدوا عن أماكن الألغام التي زرعها الدواعش بالاهتمام والتنمية والمعاملة الحسنة، والتوقف عن تهجير الأهالي الذين برحيلهم تركوا الأرض بأكملها مرتعًا للإرهاب. فهل يحتاج الإرهاب أخصب من أرض تقطع عنها الاتصالات لمدة تصل إلى ١٤ ساعة يوميًا (طبقًا لحملة سيناء خارج التغطية)، ولا تصل المياه إليها إلا كل ثلاثة أيام؟ ولد الإرهاب الأسود في سيناء بشكله الحالي يوم قُتل محمد عاطف الشهيد الثاني للثورة يوم ٢٧ يناير، مما دفع الثوار السلميين المحتشدين في ميدان الشيخ زويد إلى حمل السلاح ومهاجمة قوات الأمن الذين طالما رأوهم رمزًا للدولة القمعية للظلم والبطش والتهميش، كما صرح مصطفى سنجر- المراسل السيناوي- في حديث سابق لمجلة “المونيتور”. صحيح أن جذور جماعة أنصار بيت المقدس تعود لبداية الألفينات حين أنشأ طبيب الأسنان خالد مساعد جماعة “التوحيد والجهاد” التي قامت بتفجيرات طابا ودهب وشرم الشيخ ٢٠٠٤-٢٠٠٦ وتفجير خط الغاز عام ٢٠١٠، إلا أن الجماعة بدأت في بسط نفوذها على الأرض بعد انهيار/انسحاب الداخلية بعد الثورة. ونجحت في تجنيد الأهالي الذين ضاقت بهم سبل العيش في ظل عدم تملكهم للأراضي وتدمير الأنفاق التي سمح بها نظام مبارك. هذا ليس دفاعًا عن الأنفاق، ولكن الأنفاق كانت متنفسًا لأهل غزة المحاصرين، ومصدر رزق لأهل سيناء المهمشين. بدلًا من الأنفاق يمكن إنشاء منطقة تجارة حرة بالتعاون مع الأهالي وتكون تحت مراقبة الأمن وحمايته، وذلك مقترح رفضه الأهالي بشدة من قبل، نظرًا لعدم استشارتهم وأخذ رأيهم أثناء التحضير للمشروع. الأهالي هم كلمة السر، فالمرة الوحيدة التي هزمت فيها داعش في العراق وكادت أن تندثر حين كانت لا تزال تسمى “القاعدة” في العراق، كان على يد الأهالي في صحوة الأنبار، تلك المنطقة السنية التي شهدت إنشاء قوات شعبية بدعم من حكومتي العراق وأمريكا للقضاء على القاعدة. لا يجب أن ندفع الأهالي للقتال فوضع الجيش هنا أفضل من وضعه في العراق، وهو ليس بحاجة لمقاتلين. ولكنه بحاجة لمتعاونين. ذلك التعاون لن يتم أبدًا في ظل اعتقال عشوائي وتعذيب في مقر الكتيبة ١٠١- كما ظهر في بعض المقاطع المخزية.

الجيش حامي الشعب، ولكن من دون الشعب، لن يجد الجيش من يحميه.

..

 “أنا مش مهمتي مجابهة ومكافحة إرهاب. وأفكر نفسي وأفكر حضراتكم لما حصل إرهاب في الصعيد في التسعينيات وطلب من القوات المسلحة أنها تقوم بالدور ده، رفض، رفض أن القوات المسلحة تقوم بدور في مكافحة الإرهاب في مصر. ليه؟ لأن القوات المسلحة ده مش دورها، ومش دي مهمتها. مهمة القوات المسلحة هي الحفاظ على الأمن القومي المصري وحماية الحدود”- عبد الفتاح السيسي

 ..

لا أحد يعلم كيف غيّر الرئيس رأيه بهذه السرعة في الأعوام القليلة الماضية، فالوزير الذي صرح بأن القوات المسلحة ليست مختصة بالحرب على الإرهاب طلب تفويضًا للقضاء على الإرهاب، والجيش الذي لم يحارب الإرهاب في التسعينيات أصبح يقود الحرب على الإرهاب منفردًا في الألفينات. متى يترك الجيش مشاريع المقاولات والأغذية والكباري والكحك والدواجن ليتفرغ لتلك المهمة المقدسة؟ تلك المشاريع تنهكه وتشغله بما لا يعنيه وتحمله ما لا طاقة له به. يقول بلال فضل: “لا خير في بلد جنوده غلابة”، لا خير أيضًا في بلد يعمل فيه خير أجناد الأرض كعمالة رخيصة لإنتاج مياه “صافي” ومكرونة “الملكة” وجبنة رومي الجيش الثالث المبشورة.

لا أحد يعلم على وجه التحديد نسبة ما يمثله اقتصاد الجيش من الاقتصاد المصري نظرًا لكون ميزانية الجيش أحد أكبر الأسرار الكونية واللاهوتية في مصر. فهي لا تخضع لرقابة برلمانية ولا يتم الإعلان عنها للعامة. تشير التوقعات والتكهنات أن الجيش يسيطر على ١٥-٤٠ ٪ من الاقتصاد المصري ويتمتع بمزايا تنافسية غير عادلة مثل عدم دفعه للضرائب أو الجمارك، إلى جانب استخدامه للعمالة الرخيصة من جحافل المجندين إجباريًا كل عام. نشاط الجيش الاقتصادي تختص به وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع وجهاز خدمة المشروعات الوطنية الذي أنشأه السادات عام ١٩٧٩ بعد معاهدة السلام لاحتواء فائض القوات بعد أن أعلن أن حرب أكتوبر آخر الحروب، ومنذ ذلك الحين لم يعد غريبًا على الأعين مشهد وقوف ضباط جيش داخل أكشاك لبيع السلع الغذائية. يظن البعض أن النشاط الاقتصادي ضروري لشراء السلاح ورفع العبء من على ميزانية الدولة. ولكن الحقيقة المرة التي نراها بوضوح عند النظر لمخصصات الدفاع في الميزانية العامة عبر السنوات الماضية تقول عكس ذلك. ففي خلال أربعة أعوام زادت مخصصات القوات المسلحة من ٢٥ مليارًا سنويًا في عام ٢٠١١ إلى ٤٤٫٥ مليار جنيه عام ٢٠١٤. بالإضافة إلى مشاريع الصناعة والزراعة والمقاولات يحتكر الجيش أحد أهم موارد التنمية، الأرض. طبقًا للهيئة العامة للتخطيط العمراني، يتحكم الجيش في كل مساحات الأراضي غير المستغلة في مصر، أي ٨٧٪ من مساحتها، ويستلزم الحصول على موافقته قبل التصرف فيها. هذا بالإضافة بالطبع إلى توغله داخل مؤسسات الدولة المصرية بجميع مستوياتها منذ عام ١٩٥٢. فداخل كل وزارة (بما فيها وزارة البيئة) وكل ديوان محافظة وكل هيئة وكل شركة عامة، هناك فيلق من الضباط المتقاعدين لضمان إحكام السيطرة ومكافأتهم على السمع والطاعة أثناء خدمتهم.   

متى يتوقف كل هذا العبث والتشتت حتى يتفرغ الجنود لحماية الحدود؟ 

..

“توضيح عشان محدش يقول إني والعياذ بالله أكفر العوام، قادة الإخوان كمرسي والمرشد ومن مثلهم هؤلاء مرتدين بلا نقاش، أما عوام الإخوان ومناصروهم، فهؤلاء يعذّرون بجهل حالهم بمن يناصرونهم ويعذّرون في المسائل الخفية، كانتخابهم لهم حتى تقام عليهم الحجة، فمن أقيمت عليه وكابر فهو منهم ولا كرامة”- إسلام يكن الداعشي

..

يجب على جماعة الإخوان نبذ العنف بكل صوره وأشكاله من أجل التنظيم أو ما تبقي من التنظيم قبل أن يكون من أجل مصر. فتصريح مثل تصريح أشرف عبد الغفار على فضائية “العربي”، بمسؤولية جماعة الإخوان عن تفجير بعض أبراج الكهرباء عملًا بمبدأ أن كل ما هو دون الرصاص سلمي، وأنه لا يشعر بالندم تجاه معاناة الشعب؛ لأنه الشعب نفسه الذي ارتضي السيسي رئيسًا، لن يجلب للجماعة سوى مزيد من الكره، ومزيد من القمع. فلا يوجد عاقل سيرضى بتدمير البنية التحتية المتهالكة وحدها، حتى وإن كان من أشد المعارضين للنظام. وإذا كان الجيش المصري هو العدوالأول للجماعة الآن، فلا يجب بأي حال من الأحوال رفع أعلام داعش والهتاف لها في المظاهرات، فمن يقتل عدوك الآن، إذا تمكن منك، لن يتردد قبل أن يقتلك علمًا بأنك بالنسبة إليه كافر، مرتد، وتدين بدين الديموقراطية والعياذ بالله. فكفاكم سذاجة يرحمكم الله. 

..

“السجون هي جامعات الجريمة، التي تحتفظ بها الدولة”- بيتر كروبوتكين

..

إذا أردنا القضاء على الإرهاب، يجب أن نتوقف عن صناعته. هناك ٤٠ ألف مشروع إرهابي يقبعون في غياهب السجون وغرف التعذيب في المعتقلات وسلخانات الأقسام ومديريات الأمن. وفي الوقت الذي نشكو فيه نقص الأموال لبناء المستشفيات والمدارس اللازمة، تم افتتاح خمسة سجون في العامين الماضيين فقط، ولا يزال يوجد اثنان تحت الإنشاء مما يوحي بأن موجة الاعتقالات لن تتوقف قريبًا. كل من اغتصبت له أخت وسجن له أخ، كل من يُتّم، كل من فقد أحد أبنائه، كل من قُطع مصدر رزقه وصودرت أمواله، كل هؤلاء مشاريع إرهابيين، قنابل موقوتة يسيرون كالموتى بيننا. البطش لا يقضي على الإرهاب بل يصنعه، والظلم يبرره ويحليه في أعين من ضاقت بهم سبل العيش وعجزوا عن التغيير. فمن كان يهتف بحرقة منذ سنوات قليلة “خالتك سلمية ماتت”، دون أن يقصد المعنى الحرفي للجملة، أصبح على استعداد لقتل خالتك وخالته شخصيًا الآن، فإذا كان كل المعارضين من داخل الجماعة التي يقرب عدد أعضائها المليون فرد أو خارجها متهمين مسبقًا بالإرهاب، فلماذا إذًا لا يمارسونه؟ 

كلما زادت حدة الشرخ المجتمعي، كلما أصبح إجراء مصالحة عادلة لرأب الصدع في جسد سفينة الوطن المتهالكة قبل أن تغرق بكل من فيها، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.            

أوقفوا العنف حتى لا يصبح القمع قصاصًا.
أوقفوا البطش حتى لا يصبح الإرهاب مقاومة.
حينها سنندم جميعًا حين لا ينفع الندم.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن