أبعد من مجرد قانون لعزل «جنينة»
 
 

أضاف الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سلطاته التشريعية والتنفيذية، التي احتفظ بها منفردا على مدار عام كامل، سلطة جديدة لعزل رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، بموجب القرار بقانون رقم ٨٩ لسنه ٢٠١٥ الصادر أمس.

ويمنح القانون رئيس الجمهورية الحق في إعفاء رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم إذا ما “قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، أو إذا فقد الثقة والاعتبار، أو إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية، أو إذا فقد شروط الصلاحية للمنصب الذي يشغله لغير الأسباب الصحية”.

مراقبون عديدون يرون التشريع الأخير كتكريس إضافي للسلطات في يد الرئيس، ما يثير مخاوف إضافية باعتبارها خطوة في اتجاه تأسيس دولة شمولية.

يقول تامر الميهي، الناشط السياسي والقيادي السابق في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي: “منذ انتخاب الرئيس، ولم يعد في الدولة أي سلطات بخلاف السلطة التنفيذية، وأصبح [الرئيس] يتعامل بمنطق (أنا ربكم الأعلى)”. ويؤكد الميهي أن السلطة التنفيذية لا يجب أن يكون لها أي سيادة على الأجهزة المسؤولة عن مراقبة أدائها.

وضمن الأجهزة التي ستتأثر بالقرار الجهاز المركزي للمحاسبات، والمسؤول عن مراقبة الأداء المالي للدولة.

لذلك فمنذ صدور القانون، توقع الكثيرون أن يُستخدم للإطاحة بالمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، من منصبه. فالأخير له العديد من التصريحات التي اتهم فيها عدداً من مؤسسات الدولة بالفساد منها وزارة الداخلية ونادي القضاة والنيابة العامة. فقد عقد جنينة مؤتمرًا صحفيًا في ١٧ فبراير من العام الماضي، تناول فيه ما اكتشفه الجهاز من وقائع فساد تتعلق بمشروع الحزام الأخضر المحيط بالمدن الجديدة لحمايتها من التصحر. وقال وقتها أن هناك فساد في توزيع الأراضي الخاصة بذلك المشروع، فبدلا من أن توزع على من يمتهن الزراعة وأسر شهداء حرب ١٩٧٣ والمتقاعدين من القوات المسلحة، تم تقاسم الأرض بين نادي القضاة وأعضاء بالنيابة العامة والرقابة الإدارية. وأحال جنينة ملف هذه القضية إلى مكتب النائب العام وطلب أن يُشكل عدلي منصور رئيس الجمهورية وحازم الببلاوي رئيس الوزراء وقتها لجنة تقصي حقائق للتحقيق في هذه القضية.

وفي حوار لاحق أجرته «الشروق» مع جنينة، قال إنه تعرض لتهديدات من جهات مختلفة لمنعه من الإفصاح عما توصل إليه من وقائع فساد، وذكر أيضا أن الداخلية أهدرت مليارات الجنيهات عن طريق الصناديق الخاصة التي يبلغ عددها ٣٨ صندوقا، هم فقط ما تمكن خبراء الجهاز من اكتشافه، قبل أن تطردهم الوزارة من مبناها وسط مهمة مراجعة سجلات “الداخلية”. لاحقا شن أحمد الزند، رئيس نادي القضاة وقتها ووزير العدل حاليا، هجومًا حادًا ضد جنينة وتوعده بأنه سيقال قريبا من منصبه.

يرى الميهي أن العزل المُحتمل لجنينة هو أقل الأضرار جسامة بعد القانون الجديد، فيقول: “تتكون الآن ملامح نظام قانوني استبدادي وشمولي، حيث كل السلطات مُجمّعة في يد الحاكم، وذلك سيكون له عواقب كارثية”. يشرح الميهي أن تبرير هذه الإجراءات الاستثنائية بالحرب على الإرهاب سيتسبب في خسائر طويلة المدى.

ويضيف “عندما تنتهي الحرب التي يتحدث عنها المسؤولون طوال الوقت، ستكون الدولة، التي يحاولون بنائها والدفاع عنها، قد تقوضت بشكل دستوري وفعلي”. يرى الميهي أنه بتقويض منظومة القضاء والأجهزة الرقابية لن تصبح هناك أي إمكانية لكشف الفساد إلا عن طريق صراعات الأجهزة.

ويواجه القانون الجديد، مثل الكثير من القوانين التي صدرت خلال العامين الماضيين، اتهامات بعدم الدستورية والتعارض مع قوانين أخرى موجودة بالفعل، ما قد يمهد الأرض لمعارك مستقبلية أمام المحكمة الدستورية العليا.

يتعارض القانون الجديد مع قوانين عدد من الأجهزة الرقابية بما فيها قانون الجهاز المركزي للمحاسبات، والذي ينص قانونه أن رئيس الجهاز يُعين بواسطة رئيس الجمهورية لأربعة سنوات قابلة للتجديد، ولا يمكن عزله.

يرى محمد نور فرحات، الفقيه الدستوري، أنه بغض النظر عن القانون، فإن رئيس الجمهورية يده مغلولة بموجب المبدأ القانوني الذي يقول إن القوانين الخاصة، مثل قانون الجهاز المركزي للمحاسبات، تُقيد عمل القوانين العامة، مثل القانون الجديد الذي أصدره السيسي. وفي كل الأحوال يمكن الطعن على قرارات الرئيس بعزل رؤساء الأجهزة الرقابية والمجالس المتخصصة أمام القضاء الإداري.

يطرح فرحات سؤالا يراه أكثر أهمية وهو لماذا تم إصدار هذا القانون في ذلك التوقيت؟ ويكمل “الأكثر إثارة للتساؤل هو عدم فتح ملفات الفساد التى أشار إليها الجهاز المركزى للمحاسبات بالنسبة لبعض الأجهزة السيادية. هل نحن حقا نعيش فى دولة تحارب الفساد؟”

من جانبه، يُعلق طارق أبو النصر، المحامي، أنه رغم تعارض القانون الجديد مع الدستور وقوانين أخرى قديمة، فإنه مع “الفوضى القانونية” الحالية يُمكن وضع ذلك التشريع قيد التنفيذ.

ويضيف أبو النصر: “القانون الحالي يتعارض مع الدستور لكن من الواضح أن ذلك لم يعد هاما الآن، فهناك دائما ثغرات وتبريرات قانونية لكل شيء”.

وتنص المادة ٢١٥ من الدستور على ضرورة أخذ رأي الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية في مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عملها. كما تنص المادة ٢١٦ على أن يعين رئيس الجمهورية رؤساء تلك الهيئات والأجهزة بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، ولا يُعفي أي منهم من منصبه إلا في الحالات المحددة بالقانون، ويُحظر عليهم ما يُحظر على الوزراء.

وبغض النظر عن القوانين، يرى أبو النصر أن المشكلة الحقيقية هي غياب الإرادة السياسية لمكافحة الفساد وغياب الآليات للتأكد من أن التقارير التي تصدر عن الأجهزة الرقابية تُحال إلى النيابة للتحقيق بها وإحالتها للمحاكمة.

اعلان
 
 
هبة عفيفي