مصر والسعودية: أبعد من “مسافة السكة”
 
 

خلال الأشهر الماضية تربعت مسألة العلاقات بين مصر والسعودية على رأس أجندات النقاش السياسي والاقتصادي في مصر. وخلال الأسابيع الأخيرة أبقت تسريبات موقع “ويكيليكس” الأخيرة، الخاصة بالمملكة، العلاقات المصرية السعودية المتشعبة في دائرة الاهتمام. وربما كان هذا هو الأثر الأوضح للتسريبات، فكلتا السلطتين أكدتا مرارًا على عمق العلاقة وتداخلها في كل التفاصيل. وزير الخارجية السعودي عادل الجبير نفسه علق على التسريبات بهدوء قائلًا، إنها لا تكشف أي أمر غير ما يتسق مع سياسة المملكة المعلنة.

مؤخرًا، زاد الحديث عن فجوة ما حدثت بين البلدين على المستوى السياسي، البعض يفضل وصفها بـ”خيبة الأمل السعودية” تجاه مصر. وهي الشكوك والتكهنات التي خرجت إشارات كثيرة لتجددها، بداية من تأخر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في زيارة السعودية بعد وفاة الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، ومرورًا بعدم وصول حزمة الاستثمارات التي وعدت بها المملكة في المؤتمر الاقتصادي في مارس الماضي، وصولًا إلى عصبية وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل تجاه خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ألقاه السيسي على القمة العربية الأخيرة.

خلاف أم خيبة أمل؟

التراشق بين الإعلاميين المحسوبين على النظامين خلال الفترة الماضية كان واحدًا من إشارات وجود الفجوة. من الجهة السعودية، يصر الكاتب المقرب من دوائر السلطة جمال خاشقجي، على وجود شرخ ما بين النظامين. ويقول في مناسبات مختلفة إن الملك السعودي الجديد أعاد حساباته بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، وهذا يتسبب في توتر بينه وبين النظام المصري، ويقول أيضًا إن الإعلام المصري يدار بـ”التليفون” وأن الهجوم على السعودية في الإعلام ليس بعيدًا عن أجهزة الدولة المصرية.

إلا أن هناك أصوات سعودية مهمة لها رواية مختلفة. الباحث أنور عشقي واحد من هؤلاء.

عشقي له دور بارز وأساسي في المملكة، ليس فقط كونه مستشارًا سابقًا لها، أو كونه باحثًا سياسيًا لصيقًا بالأسرة المالكة، ويدير مركز “الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية” الذي تستند عليه المملكة في الكثير من سياساتها، بل إن دوره السياسي وصل إلى أبعد من ذلك بكثير. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن مسألة العلاقات بين السعودية وإسرائيل أمر محرم الخوض فيه هناك، إلا أن عشقي كان استثناءً، فكان له لقاء مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية “دوري جولد” في واشنطن أول الشهر الماضي، قالت عنه الصحف الإسرائيلية إنه “جرى للتباحث حول الجهود السعودية لمحاربة نفوذ إيران في المنطقة”.

يقول عشقي في اتصال مع «مدى مصر» إنه “بحكم معرفتي بالأمور في السعودية أرى أن العلاقات مع مصر جيدة جدًا، ولا تشوبها أي مشكلات. البلدان اتفقا، منذ عهد الملك عبد الله، على خدمة الأمن القومي العربي، بالطبع هناك من يحاولون زرع التشويش في العلاقات، لكن هذا لن يكون مقبول سعوديًا، وبخاصة أن مصر بدأت تستقر سياسيًا واقتصاديًا.. باختصار، المملكة تشعر أن مصر هي الجناح الآخر للوطن العربي، وأنه لا بد من صحة الجناحين (مصر والسعودية) سوية”.

الصورة التي يرسمها عشقي لا تبدو محل اتفاق من الجميع، بما في ذلك داخل الدوائر الحاكمة في السعودية. تحدث «مدى مصر» مع أحد المرتبطين بالسياسة الخارجية السعودية، والذي يرفض الحديث باستفاضة إذا كُشفت هويته.

يقول المصدر السياسي، إن “الأمر بالطبع ليس أبيض أو أسود. لا نستطيع القول إن العلاقات ممتازة، أو أنها كما كانت عليه قبل وفاة الملك عبد الله، ولا يمكننا وصف الأمر كذلك بالخلاف الكبير، أو أن المملكة تنازلت عن مصر. أعتقد أن التعبير الأدق هو خيبة الأمل”.

يستفيض المصدر قائلًا: “هناك بعض المسائل الحساسة بين البلدين، فالمملكة كانت تراهن على تدخل مصري أكبر في حرب اليمن، كما كانت تنتظر موقفًا أكثر حسمًا ضد إيران، والحقيقة أن كلام القيادة المصرية كان رمزيًا وسياسيًا أكثر منه متحققًا على الأرض”.

ويستطرد: “على الجانب المصري، أعتقد أنهم ليسوا مرتاحين للتقارب مع قطر وتركيا، البلدين بالنسبة للمملكة جزء من أمنها القومي، قطر جزء أساسي من منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، أما تركيا فهي ضرورية في المعادلة الإسلامية السنية”.

الصحفي اللبناني حسن علّيق، اتفق مع الرأي الأخير، وقال لـ«مدى مصر»: “لا أرى خلافًا بين البلدين أرى خيبة أمل لدى المملكة”.

واستكمل: “لتوضيح المسألة يجب أن نجيب عن سؤال: ماذا تريد السعودية من مصر؟ يمكن تلخيص الإجابة في نقطتين، أولًا، السعودية تريد أن تكون مصر قوة بشرية، ثانيًا، أن تتبلور مصر كقوة “سنية” كبيرة في مواجهة إيران، وفي الوقت نفسه؛ فإنها لا تريد إطلاقًا أن تتحول مصر إلى قوة سياسية مستقلة، حتى لو على الطريقة الإخوانية”.

ويستطرد علّيق: “هنا، من الجيد ضرب مثل كاشف، عندما تقدم اقتراحا بتشكيل قوة دفاع عربية مشتركة، لم تكن المملكة سعيدة بذلك، فبحكم الواقع ستكون الغلبة في “قوة عربية مشتركة” لصالح مصر، ورأت المملكة أن الحل هو في “القوة الإسلامية”، على هذا المستوى مصر وتركيا تستويان، وتكون الغلبة لباكستان، وآل سعود كانوا يراهنون على قوتهم في باكستان إلا أن عوامل كثيرة خيّبت أملها هناك أيضًا”.

ماذا عن اليمن؟

لا حديث عن العلاقات السعودية- المصرية دون التركيز على المسألة اليمنية، وبخاصة في ظل المفارقة بين الكلام المباشر للرئيس المصري، الذي لم يدع مجالًا- ظاهريًا- للشك حول تطابق المصالح مع السعودية بخصوص اليمن، وبين الاتهامات السعودية غير الرسمية بأن مشاركة مصر في العمليات العسكرية، كانت مشاركة “شرفية”.

مصدرنا السياسي السعودي أبرز بعض النقاط المهمة، ويقول: “مصر أقل دولة شاركت في عاصفة الحزم، هناك قطع بحرية معدودة أمام الساحل اليمني، لا أكثر ولا أقل، هناك غطاء سياسي مصري للعملية، لكن المملكة كانت تتوقع من مصر تدخلًا أكبر، وبخاصة عندما بدأ الحوثيون في ضرب مناطق داخل السعودية، بالذات أنه من المعلوم أن السعودية طلبت ذلك بشكل مباشر من مصر، إلا أن الأخيرة لم تستجب”.

الباحث أنور عشقي يوافق على “رمزية” الدور المصري، لكنه يختلف حول أثر ذلك في السعودية، قائلًا: “الحقيقة أن السعوديةلم تطلب من مصر أكثر مما فعلت، لأنها تراعي ظروف مصر، والمملكة طالما تستطيع فإنها لن تطلب من مصر أكثر مما تحتمل”.

على المستوى اليمني، كان هناك رأي آخر. يقول العميد السابق في الجيش اليمني محمد جسّار لـ«مدى مصر»، إن “هناك قطع بحرية مصرية محدودة جدًا أمام السواحل اليمنية، لكن لم تسجل أي ضربات مصرية أو محاولات لإنزال بري وبحري. الأكثر من ذلك، أنه، عسكريًا، إن أرادت السعودية المضي في عدوانها، فأن أي ضربات دون إنزال بري لا معنى لها، ولا أعتقد أن مصر ستقدم على ذلك”.

من جانبه، يستطرد الخبير الأمني في وزارة الداخلية اليمنية عبد الحكيم القحفة، في تشخيص الدور المصري في الحرب على اليمن، ويقول لـ«مدى مصر» إن “هناك حالة عدم تناغم بين مصر والسعودية في ما يخص اليمن، أعتقد أن المسألة باتت واضحة للمصريين، السعودية قدمت مكافأة نهاية الخدمة لليمن بصورة عدوان عسكري دمر اليمن تمامًا، فكيف الحال مع مصر، وهي منافس طبيعي للسعودية على القيادة العربية. ومنذ البداية أصلًا كان التدخل المصري عبارة عن غطاء سياسي لا أكثر، هذا أمر واضح بالنسبة لجميع الأطراف، وبخاصة هنا في اليمن، نتأكد أن مصر لن تشارك في أي عدوان قادم”.

تناقضات إقليمية

لكن الذي بدا واضحًا للكثير أن المسألة اليمنية كانت واحدة من بين أمور شتى قدمت صورة مغايرة لتلك المثالية التي يريدها النظامين.

يقول القحفة: “بعيد وفاة الملك عبد الله، وتقلد الملك سلمان الأمور، أتم انقلابه على الجيلين الأول والثاني، ووصل محمد بن سلمان ومحمد بن نايف لرأس السلطة، وهما يمثلان جناحًا في آل سعود يميل لتيارت الإسلام السياسي، وبخاصة جماعة الإخوان. بعدها زادت التناقضات أكثر: المقاربة بين السعودية وتركيا قريبة جدًا في ما بينهما بخصوص الملف الإخواني، وطريقة الحل في سوريا والعراق. أما مصر فسياستها على النقيض من تلك المقاربة”.

المصدر السياسي السعودي، يختم المسألة بتحليل مدى هذا التناقض، قائلًا: “نعم، هناك اختلاف واضح في المواقف في ما يتعلق بسوريا، نحن لا نرى مستقبل لبشار الأسد، والأولوية للإطاحة به، مصر ترى أن الأولوية لمحاربة التيارات الإسلامية، الأمر نفسه في العراق وليبيا.. بالطبع هذا هامش طبيعي في الخلاف، ولا يقول إن البلدين سيدخلان في تناقض كبير، على الأقل في المستقبل القريب. لكن الصورة أيضًا ليست بالتطابق المصور”.

اعلان