عن العنف العمراني المجتمعي.. ناس المدينة في رملة بولاق

بدأت رحلتي إلى رملة بولاق في سبتمبر ٢٠١٢، بعد ثلاثة أسابيع من وقوع اشتباكات بين أهالي رملة بولاق وأفراد أمن الأبراج والأمن المركزي، والتي عُرفت وقتها بأحداث “أبراج نايل سيتي”، حينها استوقفتني فتاة عمرها ١٢ عامًا تلعب مع أصدقائها وسألتني: “أنتي تعرفي عمرو البني اللي مات؟.. ما كانش بلطجي زي ما بيقولوا.. ده كان بيجيبلنا كلنا حلويات وهو داخل المنطقة.. وكان زعلان عشان عمار مات”.. لم أستوعب كل كلماتها رغم سماعي لكل الجمل، ولم أدرك من هو عمار ولم أر عمرو إلا في فيديوهات قصيرة جدًا لحظة موته.

توفي عمرو البني يوم ٢ أغسطس في أحداث “أبراج نايل سيتي”، يومها جاءتنا الأخبار أن سكان رملة بولاق اقتحموا الأبراج المعروفة بـ”أبراج ساويرس”. ركز الإعلام، وقتها، على اتهام الأهالي بالبلطجة، ولم يرد ذكر مقتل عمرو البني أو العنف المتناهي المستخدم من قبل الأجهزة الأمنية مع الأهالي. وإن كانت الفيديوهات، بجانب شاهدي العيان، توضح وقائع ذلك اليوم.

يقع حي “الرملة” أعلى شمال حي بولاق، ولا تتعدى مساحته أربعة أفدنة، وهو حي سكني يقطنه نحو ٦٠٠ أسرة. ويعود تاريخ المنطقة إلى ١٧٧١ منذ الطرح السابع لنهر النيل. وتعود كلمة بولاق إلى الكلمة الفرعونية “بيلاق”، والتي تعني ميناء، نسبة إلى ميناء بولاق. وفي تاريخ المنطقة الحديث، جاء الكفراوي باشا والعزاوي باشا إليها وبنوا مجموعة من الورش والمصانع على التوازي، مع بيت ضخم من ٣ أدوار يقع في مدخل المنطقة السكنية لرملة بولاق.

رملة بولاق قبل 1996.. حديقة عامة (اللون الأخضر).. المنطقة السكنية (اللون الأحمر).. الورش والمصانع (اللون الأصفر)

رملة بولاق قبل ١٩٩٦ مُقسّمة إلى منطقة سكنية (اللون الأحمر) وحديقة عامة (اللون الأخضر) ومنطقة الورش والمصانع (اللون الأصفر).

تحكي أم فارس عن تاريخ المنطقة، فتقول: “كانت المياه تصل إلى داخل الرملة من نهر النيل، وعندما استدعى الكفراوي والعزاوي ناس للعمل في المصانع والورش، بدأوا في عمل خيام كبيرة كمنازل مؤقتة في المنطقة حول بيتهم. ثم بدأ الناس في تحويلها إلى بيوت مبنية بالطوب اللبن، من طمي النيل، ومنها إلى طوب أحمر وخرسانة مع التطور العمراني للبيوت والمناطق المحيطة”.

لفهم الموقف وتحليله نعود إلى عام ١٩٩٦، الذي شهد بداية التغيرات في المنطقة، مع زيارة نجيب ساويرس وجمال مبارك المنطقة ومعاينتها، بحسب روايات الأهالي، وبدء شركة “نايل سيتي” في شراء المصانع والورش وتسريح كل العمالة في تلك المصانع والورش وهدمها والبدء في بناء “أبراج نايل سيتي”.

صورة ١: موقع رملة بولاق
موقع رملة بولاق
 

يحكي هشام- أحد سكان الرملة: “كنت باشتغل بشكل يومي في مصنع الطوب وكان من ضمن المصانع اللي اتهدت، تم تسريحي ومع البدء في بناء الأبراج اشتغلت عامل مباني، وحصلتلي إصابة وقتها، ومن يومها ما اشتغلتش تاني بسبب الإصابة”. تغيرت النشاطات اليومية لكل سكان رملة بولاق، فمعظم السيدات والرجال وحتى الأطفال يعملون في مصانع الطوب والزجاج والقطن وورش الحدادة والخراطة، التي كانت موجودة بمساحة الأرض التي تم بيعها إلى رجال الأعمال.

بعد بناء الأبراج قررت محافظة القاهرة توسيع شارع السكة التجارية، الواقع بين المنطقة السكنية لرملة بولاق و”أبراج نايل سيتي”، وصدر أمر باقتطاع ٦ أمتار من واجهة المنطقة السكنية؛ بدعوى أن المنازل في تلك المنطقة تعدت على الشارع الرئيسي. يحكي السكان أن هذه المنطقة كانت تضم عدة أكشاك لبيع الحلوى والسجائر، يمتلكها سكان “الرملة”، من بينهم نسمة، الفتاة ذات العشرين عامًا، التي قررت مقاضاة المحافظة وإدارة “أبراج نايل سيتي” بدعوى اعتدائهم على الشارع باقتطاع ٦ أمتار منه. وبالفعل أثبتت لجنة حكومية أن البيوت قائمة في تلك المنطقة منذ مئات السنين ومن المستحيل أن يكونوا هم من اعتدوا على مساحة الشارع. استفاد الأهالي من نجاح القضية، غير أن نسمة لقت مصرعها في حادث سيارة مسرعة خرجت من “أبراج نايل سيتي” وصدمتها. ويؤكد سكان المنطقة أن حادث القتل كان متعمدًا لأنها قاضت الأبراج، واعتبروا الحادث بمثابة رسالة لهم “أن من يقف في وجه رأس المال سوف يموت قتلًا”.

يحكي فارس- أحد شباب رملة بولاق، ويعمل سائقًا على ماكينة إعداد مهابط الطائرات: أنه مع اختفاء الشرطة عقب أحداث “جمعة الغضب”، ٢٨ يناير ٢٠١١، خلال الثورة، تعرض مول “أركيديا” التجاري، الواقع بجوار رملة بولاق، إلى هجوم أدى إلى احتراقه، فخرج عدد من سكان رملة بولاق من الشباب والسيدات وقرروا حماية “أبراج نايل سيتي” حتى لا تتعرض للسرقة. ووجهت لهم إدارة “نايل سيتي” شكرًا عبر قنوات التليفزيون لحمايتهم الأبراج، التي لم تتعرض بالفعل لأي اقتحام رغم وقوعها على مسافة أمتار قليلة من مول “أركيديا” الذي احترق بالكامل.

خلال الأيام التالية لـ”جمعة الغضب”، استدعى مدير أمن “أبراج نايل سيتي” عددًا من شباب ورجال وسيدات منطقة رملة بولاق، وقام بتعيينهم في مهام مختلفة ما بين رجال للأمن وسيدات للتفتيش على الأبواب مقابل راتب شهري، وطلب منهم التفرغ تمامًا للعمل بالأبراج. ولمدة ١٦ شهرًا تقريبًا عمل الأهالي وتقاضوا رواتبهم. وفي شهر يونيو ٢٠١٢ صدر قرار بتغيير مدير الأمن لأسباب غير مفهومة. وفي شهري يونيو ويوليو تأخرت الرواتب لعدة أيام، مما أثار اعتراض الأهالي الذين حاولوا مقابلة مدير الأمن الجديد، وهو ما لم يتمكنوا منه، ولم يفهموا وقتها لماذا هذا التشدد في المعاملة معهم؟

على التوازي، وفي ٢٧ يونيو ٢٠١٢ حدث حريق كبير في أحد بيوت رملة بولاق. قبلها كان من المعتاد أن يطلب الأهالي المساعدة من إدارة الأبراج بأن يستخدموا خرطوم الحريق القريب من موقع الحادث، إلا أن الإدارة يومها ادعت أن الشخص المسؤول عن خرطوم الحريق غير موجود. وزادت خطورة الحريق واشتعلت البيوت المجاورة ومات طفل صغير اسمه عمار، ٤ سنوات. هو الطفل نفسه الذي ذكرت لي الفتاة اسمه عندما حكت لي أن عمرو البني كان حزينًا لموته. مات عمار وأصيب خمسة آخرون، وتشردت ١٥ أسرة بسبب الحريق الذي لم يتم إطفاؤه في الوقت المناسب.

يكمل فارس حديثه ويقول: بعد موت عمار وتأخير صرف الرواتب، دخل عمرو البني “أبراج نايل سيتي” يوم ٢ أغسطس، طالبًا مقابلة مدير الأمن الجديد لكي يفهم منه لماذا تأخر صرف الرواتب إلى ذلك التاريخ، بعدما اعتادوا تقاضيها في الخامس والعشرين من كل شهر؟ منع أحد ضباط شرطة السياحة الموجودين في مدخل “أبراج نايل سيتي” عمرو من الدخول، وطلب منه الانصراف وبدأ في تهديده بالقتل إذا لم ينسحب. أعطاه عمرو ظهره وبدأ في التوجه إلى باب الفندق للخروج، وقتها أطلق الضابط ٣ طلقات اخترقت ظهر عمرو وصدره وسقط ميتًا في الحال. وعلي صوت الطلقات جاء شقيق عمرو محاولًا إنقاذه، معتقدًا أنه مصاب فقط، وفور خروجه حاملًا جثمان عمرو من باب الفندق اكتشف أن عمرو ميت بالفعل. حاول الرجوع بجسد شقيقه إلى مكان الحادث حيث مات، إلا أن ضابط شرطة السياحة أطلق النيران عليه وعلى “عم أنور”- أحد سكان المنطقة الذي حضر إلى المكان عقب سماعه صوت الرصاص- وأصابه في منطقة الفخذ. سقط “عم أنور” غارقًا في دمه، وتجمع حوله العشرات من شباب المنطقة وبدأ أمن الأبراج في ضربهم وإطلاق رصاصات أخرى لتفريقهم، وحضر الأمن المركزي بقيادة ضباط قسم شرطة بولاق، واستمرت الاشتباكات لساعات أمام منطقة “الرملة” و”أبراج نايل سيتي”. وقد أصدر “المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” تقريرًا بعنوان “من القاتل ومن الضحية؟”.. وردت فيه روايات شهود عيان لأحداث ذلك اليوم.

لأيام عدة بطشت الشرطة وقوات الأمن المركزي وضباط قسم بولاق بأهالي منطقة رملة بولاق؛ حيث أطلقوا القنابل المسيلة للدموع دون توقف، كما ألقوا القبض على ٥١ شخصًا متهمين إياهم بالبلطجة والتخريب وتكدير الأمن العام.

تطوع محامو “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” و”المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” للدفاع عن المتهمين من سكان المنطقة، وأصدروا بيانات عدة توضح حقيقة ما حدث. وفي التوقيت نفسه، اكتشف الأهالي صدور قرار بالاستيلاء على أرض رملة بولاق من قِبل محافظة القاهرة وصندوق تطوير العشوائيات ومجلس الوزراء، تم نشره في الجريدة الرسمية في ٢٠ يونيو ٢٠١٢. بعد ذلك قرر الأهالي الطعن على هذا القرار أمام القضاء الإداري. استمرت القضية من أغسطس ٢٠١٢ حتى أغسطس ٢٠١٣، عندما صدر حُكم في صالحهم بقبول الطعن وإلغاء قرار الاستيلاء. لاحقًا، في يناير ٢٠١٤، صدر حكم في القضية الجنائية الخاصة بأحداث “أبراج نايل سيتي” وحُكم على ٥١ شخصًا بأحكام بالسجن تتراوح بين ٣ و٧ و١٠ سنوات و٢٥ سنة. ولم يحاكم الضباط الذين أطلقوا الرصاص على عمرو البني أو أنور أو وليد أو أي من سكان رملة بولاق الآخرين الذين أُصيبوا في الأحداث.

صورة من قرار الاستيلاء على أرض رملة بولاق

قرار الاستيلاء على أرض رملة بولاق

يؤكد سكان رملة بولاق أن كل حوادث العنف ضدهم، والتي أدت إلى مقتل بعضهم واعتقال آخرين، والتعسف الأمني تجاه الجميع، يهدف بشكل رئيسي إلى إجلاء الأهالي من المنطقة كي تستولي “أبراج نايل سيتي” على الأرض وتكمل مشاريعها الاستثمارية في المنطقة. فمنذ ظهور رجال الأعمال سنة ١٩٩٦ وعقب افتتاح الأبراج في ٢٠٠١، دأبت إدارة الأبراج على شراء البيوت والأراضي في المنطقة السكنية في رملة بولاق، وإجبار من يوافق على البيع، على هدم منزله قبل أن يترك المنطقة. وبسبب ذلك تحولت مناطق مختلفة داخل “الرملة” إلى “خرابات” ممتلئة بالقمامة وبقايا هدم المنازل والثعابين التي تمثل خطرًا على السكان.

اشترك عدد من أهالي وشباب رملة بولاق في أحداث ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ المختلفة، وأصيب العديد منهم بطلقات خرطوش ورصاص حيّ خلال تلك الأحداث، التي شاركوا فيها أملًا في حياة أفضل. إلا أن تعامل قوات الأمن معهم طوال الوقت كان يؤكد لهم أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وأنهم لا يستحقون العيش بكرامة إنسانية. وهي حوادث العنف المستمرة من قبل قوات الأمن والشرطة ضد أهالي رملة بولاق حتى الآن.

لا تنفصل حوادث العنف ضد أهالي رملة بولاق عن محاولات إخلائهم من المنطقة لاستثمار الأرض في أنشطة أخرى. وهي محاولات إخلاء قسري غير مباشرة مرتبطة بالسياسات العمرانية الظالمة نفسها التي لا تحترم ولا تتفق مع فكرة العدالة الاجتماعية في العمران. ناس المدينة هم من يعيشونها ويحيون في مناطقهم ويعمرونها ويطورونها، واتهامهم بالعشوائية والجهل ليس الحل. الحل فقط في احترام وجودهم وحقوقهم العمرانية والإنسانية والاجتماعية.

 رملة بولاق كما تبدو من أبراج نايل سيتي

رملة بولاق كما تبدو من أبراج نايل سيتي

تم نشر المقالة مسبقا بتاريخ ٣ مارس ٢٠١٥ في مشاهد القاهرة.

* يمكن الاطلاع على رسالة الماجستير الخاصة بكاتبة المقال عن رملة بولاق http://dar.aucegypt.edu/handle/10526/3959 

اعلان
 
 
أمنية خليل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن