دور السياسة في عمليات سيناء

كلما تكرر تفجير كمين للجيش في سيناء تتكرر “هوجة” الدفاع عن الجيش والهجوم عليه في مجتمع الإعلام والتواصل الاجتماعي، وينبع الهجوم من عدم قدرة الجيش على التصدي لتلك التفجيرات، رغم تكرارها، ويعلق المدافعون على فكرة أن الجماعات الإرهابية ليست بالهينة، وأنها ميراث حكم سمح لهم بالانتشار في سيناء بصورة تجعلهم قادرون على مباغتة الجيش بتلك التفجيرات.

بغض النظر عن الرأيين المدافع والمهاجم، هناك بعض الاعتبارات التي توضح لنا دور السياسية في هذه التفجيرات وتجعلنا نفكر بطريقة مختلفة نوعًا ما معها، وتتلخص تلك الاعتبارات في:

1- تلتزم مصر طبقًا لمعاهدة “كامب ديفيد” بوجود قوات الشرطة بدلًا من قوات حرس الحدود في آخر شريط حدودي، وآخر شريط حدودي هو محور التفجيرات ضد الجيش، والسؤال هنا: لماذا تتواجد قوات الجيش بأسلحتها الخفيفة بدلًا من الشرطة، وهل هذا له علاقة بتفويض الجيش بمحاربة الإرهاب وزيادة المساحة المادية والمعنوية التي يسيطر عليها الجيش وقادته في الدولة؟

2- لا يوجد جيش في العالم يحارب جماعة مسلحة وينتهي الأمر لصالحه في العموم؛ ففي أفغانستان لم يستطع الجيش الروسي والأمريكي التغلب على جماعة طالبان على الرغم من الفرق الكبير في الإمكانيات، كذلك الجيش السوري ضد “داعش” والمعارضة المسلحة، على العكس تمامًا تمكنت الدول الغربية من التحكم في العمليات الفدائية التي تنفذها تلك الجماعات داخل دولها عن طريق قوات مكافحة الإرهاب وغيرها من التنظيمات المدنية.

3- لعل من أهم أسباب صعوبة تغلب جيش على جماعة، هو الفرق في تنظيم الجيش والجماعة؛ فالجيش النظامي يتحرك فيه الفرد ضمن منظومة معقدة تتكون من سرية وكتيبة ولواء وفرقة ومواعيد نوم ومواعيد أكل وتنظيم خدمات حراسة، أما الجماعات المسلحة فلديها سهولة حركة ومرونة تنظيم لا تعتمد على تعقيد أكثر من عقيدة وأسلحة الخفيفة، لذلك تصبح هجماتها مركزة وعلى أوقات متباعدة، وإذا نظرنا إلى التفجيرات نلاحظ أنها على كمائن ثابتة مما يسهل استهدافها من جماعات تعتمد على عقيدة الفرد وسلاحه البسيط، وحرية التحرك.

4- يبدو الحل الأمني الأنسب للقضاء على تلك الجماعات المسلحة هو التحقيقات الواسعة لمعرفة أماكن تمركزها وتحركاتها، ولعل الشرطة بما أنها جهة مدنية منوطة بشكل مباشر بتلك التحقيقات هي الأنسب، ولا أعتقد أن هناك ملتحيًا مصريًا لم يُسجل اسمه في ملفات أمن الدولة واستخدام تلك الملفات في عملية معرفة تحركاتهم ليست بالصعبة أبدًا، خصوصًا مع النظام الأمني القمعي الذي يستخدم كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية في التحقيقات، ولكن يبدو أن القيادات لا تريد التدخل في هذا الملف بصورة أو بأخرى.

5- أصبح من المعلوم بالضرورة أن معظم الجهاديين في سيناء مصريين أو غير مصريين قادمين من داخل مصر، وذلك بعد التشديد الحدودي على قطاع غزة ووجود شريط حدودي أشبه بالتخوم بعرض حوالي 10 كيلومترات، ومعرفة الأماكن المصدرة للجهاديين في مصر ليست فقط عملية أمنية، وإنما عملية سياسية، لوجود أحزاب وجماعات سياسية معروف أنها تشجع ذلك التوجه التكفيري ولو بدرجة معينة، والحديث هنا ليس عن الإخوان فقط وإنما على الحركة السلفية، وعدم الاقتراب من الجماعة السلفية وملاحقة الإخوان إنما هو منبعث عن الصفقة المعقودة بين النظام الحاكم والسلفيين، على عكس الإخوان، وأن كنت ترى أنني مبالغ فسوف أدعوك لزيارة أي مسجد للسلفيين وقراءة كتاب “تارك الصلاة” لابن عثيمين، الذي يُكفر “كُفر أكبر يخرج من الملة” من ترك الصلاة، والتربية على هذا المنهج تخرج لنا بذرة جهادي لا ينقصه سوى بعض التفاسير البسيطة الأخرى التي تدعو لقتال الكفار، وهذا ما يراه ويعلمه الأمن المصري.

6- الإصرار على معركة خاسرة وغير متكافئة يعني الإصرار على وجود المعركة نفسها، دون النظر عن النتائج، وهذا قد يفهم عند الحديث عن المقاومة الفلسطينية والإصرار على تعظيم دور الجيش داخل الدولة سواء في القضاء على الإرهاب أو المشاريع الاقتصادية، يعطينا مؤشر قوي على فكرة الحكم الاستبدادي الذي يرى أن استمرار المعركة هو استمرار إغماض العيون عن الفساد ولعب دور أكبر في الدولة بصورة تجعله محور الاقتصاد والأمن والحكم وأي انتقاد له يصبح غير مقدر للظروف الأمنية والاقتصادية التي تمر بها مصر.

7- الفكرة أكبر من عسكري غلبان وقائد يجلس في المكتب، فهكذا هي التنظيمات في الجيش، حتى في الشطرنج العسكري دائمًا في المقدمة، ولكن هل يريد القائد فعلًا الفوز في الشطرنج أم أنه يريد فقط تضييع الوقت إشغالًا للرأي العام عما هو أهم؟!

اعلان
 
 
محمد حسام الدين أبو مندور