استفتاء اليونان.. هل هي “خطوة واحدة للوراء”؟
 
 

“إذا كنت مدينًا بخمسة آلاف يورو للبنك، فالدين مشكلتك. لكن إذا كنت مدينًا للبنك بخمسة مليارات يورو، عندها يصبح الدين مشكلة البنك”- ألكسيس تسيبراس، رئيس وزراء اليونان في إحدى الندوات قبل انتخابه بعامين.

(1)

“ولا حتى خطوة واحدة إلى الوراء”، كان هذا هو الشعار المرفوع على آلاف اللافتات التي طبعها الحزب اليساري اليوناني “سيريزا” في يناير 2009. كانت الشوارع في أثينا ومدن أخرى غيرها متوترة للغاية، بعد قيام اثنين من رجال الشرطة بقتل مراهق عمره 15 عامًا قبل شهر لتنفجر اﻷوضاع بعدها. داخل البرلمان، أدانت معظم اﻷحزاب السياسية مظاهرات الشباب. الحزب الشيوعي اليوناني مثلًا وصف الشباب بـ “المحرضين أصحاب اﻷقنعة السوداء”، وتصاعد الضغط على جميع اﻷطراف السياسية من أجل “إدانة العنف” و”الحفاظ على الاستقرار”.

فقط “سيريزا” كان هو الحزب الوحيد الذي لم يوافق على إدانة مظاهرات الشباب. على العكس، قرر دعوة الطلاب والشباب للاستمرار في التعبير عن آرائهم.

لم يكن تغريد حزب “سيريزا” خارج السرب السياسي العام ووقوفه بجوار انتفاضة الشباب أمرًا سهلًا. نتيجة لموقفه، تصاعدت الضغوط على الحزب بشدة، وتعرض لحملة سياسية وإعلامية هائلة، مفادها بأن “صانعي المشاكل” اليساريين يغامرون باستقرار البلد وسلامته من أجل دعم مجموعة من الشباب المارقين. وبسبب مواقفه، تأثرت نسب شعبيته، وتعالت بعض اﻷصوات- حتى من بعض التيارات داخل الحزب نفسه- بأن الدعم المطلق غير المشروط لمظاهرات الشباب قد يأتي بآثار عكسية.

لمواجهة هذا الضغط الهائل، قام الحزب بطباعة عدد من اللافتات التي تم تعليقها في كل أنحاء أثينا وأصبحت شعارًا غير رسمي يرفعه المتظاهرون هناك: “ولا حتى خطوة واحدة إلى الوراء”.

“سيريزا”، الحزب اليساري الذي أصبح محور حديث العالم، تأسس سنة 2004 من اندماج مجموعة من التنظيمات واﻷحزاب اليسارية من يسار الوسط وحتى مجموعات من التنظيمات اليسارية الراديكالية. بعد تجاوز مشاكل واختلافات عدة بين التيارات اﻷساسية المكونة للحزب، وبعد انخراطه في حراك الطلاب اليوناني سنة 2006 و2007، استطاع الحزب الفوز بنسبة 5% في الانتخابات البرلمانية في خريف 2007. في هذا الوقت، اندفعت العديد من المجموعات والتنظيمات اليسارية الصغيرة لتندمج مع “سيريزا”. باﻹضافة إلى أن موقف الحزب الداعم لتحركات الطلاب والمناهض للحكومة قد اجتذب العديد من الناشطين المستقلين ليتسع مدى تأثيره في الحياة السياسية في اليونان.

(2)

في العام التالي 2008، اندلعت اﻷزمة المالية العالمية وأوشك الاقتصاد العالمي على الانهيار. كانت السنوات من أوائل اﻷلفينات وحتى 2008 بمثابة سكرة الخمر التي تجرعتها الدول والحكومات بعد أزمة عاصفة طالت أسواق العالم: الهدف هو تحريك الطلب الكلي في اﻷسواق، وبالتالي دفع عجلة اﻹنتاج واﻷموال باعتبار أن هذا هو السبيل الوحيد للخروج من اﻷزمة. اندفعت البنوك والمؤسسات المالية في إقراض اﻷفراد والبنوك والمؤسسات المالية اﻷخرى العديد من القروض بفوائد قليلة للغاية وبأقل قدر من الضمانات، وانفجر الاستثمار في قطاع العقارات.

“هنا في أمريكا؛ فإن امتلاك منزلك الخاص يعني أنك تعيش الحلم اﻷمريكي”، هكذا قال جورج بوش سنة 2002 في خطاب خصصه لتشجيع الناس على امتلاك بيوت. بالنسبة للمواطنين؛ فإن اﻷمر ليس خطيرًا إلى هذا الحد: إذا حدثت كارثة ما وعجزوا عن سداد ديونهم، يمكن للبنك أن يحجز على البيت ليحصل على أمواله. انهالت اﻷموال على قطاع العقارات، واندمجت أمريكا كلها في عمليات اقتراض. اﻷفراد يحصلون على قروض من بنوك، البنوك تحصل على قروض من بنوك أخرى، البنوك اﻷخرى لم تعد تمتلك أموالًا ﻹقراضها فاقترضت من مؤسسات مالية وبنوك أخرى لتواصل عملية اﻹقراض. اندفعت اﻷموال من دول العالم اﻷخرى وبنوكها ومؤسساتها المالية للإقراض والاستثمار في قطاع العقارات المنتعش في أمريكا. استمر الوضع سنوات عدة، وبنهاية 2007 وبداية 2008 بدأ الفوران في الهدوء. انكمش الطلب، كما هو منطقي، على قطاع العقارات، واكتشف المواطنون أنهم لا يستطيعون سداد ديونهم التي تتراكم منذ سنوات. حاولت البنوك الحجز على البيوت التي لا يستطيع أصحابها سداد قروضهم، لكنها لم تجد من يشتري منها هذه البيوت. اﻷفراد لا يعرفون كيف يسددون الدين، والبنوك والمؤسسات المالية هي اﻷخرى لم تعرف كيف تسدد ديونها للبنوك والمؤسسات المالية اﻷخرى الأكبر. بسبب هذا العجز عن السداد، توقفت كل اﻷطراف المانحة عن إعطاء القروض بهذه التسهيلات. ارتفعت نسبة الفائدة مرة أخرى وأصبحت شروط الحصول على أي قروض جديدة معجزة لا يقدر عليها معظم اﻷطراف. نتيجة لهذا انخفض اﻹنتاج وبدأ كساد اقتصادي آخر طال دول العالم، عرف باسم “أزمة النقد Credit crisis“.

لم يكن هناك من سبيل لتفادي الكارثة. يحكي عمرو عادلي، الباحث بمعهد “كارنيجي”، أنه حين بدأت أزمة النقد في اجتياح أسواق العالم في 2008، انهارت الدول التي اعتمدت اقتصاداتها على الاندماج الكامل في منظومة أسواق المال العالمية على الفور، كآيسلندا مثلًا التي انهارت عملتها بعد إعلان بنوكها الكبرى الثلاثة إفلاسها في ظل اﻷزمة.

(3)

حين أعلن اﻷوروبيون عن بدء استخدام اليورو كعملة موحدة في أوروبا في اﻷول من يناير سنة 1999، أنشأت منطقة اليورو بنكًا مركزيًا موحدًا يعمل فوق البنوك المركزية للدول اﻷعضاء. طبقًا للترتيبات الجديدة؛ فإن البنك المركزي اﻷوروبي ECB سيتولى مسئولية السياسات النقدية monetary policies، بينما تحتفظ البنوك المركزية بصلاحياتها في التحكم في السياسات المالية fiscal. كما يوضح فيديو إنفوجرافيك أنتجته “بلومبرج” عن أزمة الدين اﻷوروبية؛ فإن السياسات النقدية هي السياسات المتعلقة بكمية العملة التي يتم طرحها في اﻷسواق ونسبة الفائدة على القروض التي يتم تقديمها، بينما تتعلق السياسات المالية بموازنة الدولة: كمية النقود التي تقوم الحكومات بجمعها عبر الضرائب وكمية النقود التي تقوم بإنفاقها.

بالنسبة للاقتصاديات الصغيرة في منطقة اليورو، كانت السياسات المالية الموحدة التي بدأت مع استخدام العملة الموحدة بمثابة باب الجنة. كانت قدرة هذه الدول على الاقتراض من قبل محدودة بمعدل فائدة عالٍ لا تقدر على الوفاء به. لكن هذه السياسات الجديدة سمحت لها بالاقتراض بمعدل فائدة منخفض باعتبارها أعضاء في منطقة اليورو، وبالتالي فإنه في حالة عجزها عن السداد؛ فإن الاقتصادات اﻷكبر ستضطر إلى التدخل والمساعدة في سداد الدين حفاظًا على اقتصاد أوروبا الموحد.

اليونان هي أحد هذه الاقتصادات الصغيرة في منطقة اليورو، والتي اندفعت حكوماتها المتعاقبة في عمليات اقتراض لا تنتهي: قروض لسداد العجز في الموازنات، ثم قروض ثانية لسداد الديون اﻷولى، وثالثة لسداد الثانية، وفائدة تتراكم مع كل قرض حتى بلغ إجمالي الديون المستحقة على اليونان 323 مليار يورو.

كل هذا كان يحدث بلا أية مشكلة، إذ شهدت اليونان ارتفاعًا كبيرًا في متوسط الدخول ومعدلات الاستهلاك وانتعشت اﻷسواق انتعاشًا كبيرًا ولم تظهر أية علامات بأن الخزائن المفتوحة قد أوشكت على اﻹغلاق. في سنة 2008 ضربت أزمة النقد أسواق العالم، وفقدت حكومة اليونان القدرة على اقتراض المزيد من اﻷموال لتغطية العجز في ميزانياتها أو لسداد ديونها وفوائدها المستحقة الدفع.

بدرجات متفاوتة، كان هذا هو ما حدث في العديد من دول منطقة اليورو، البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وأيرلندا أيضًا لم تستطع تغطية العجز في موازناتها، واتجهت أنظار الجميع إلى ألمانيا، الاقتصاد اﻷقوى في أوروبا والدولة الوحيدة القادرة على تغطية أزمات دول منطقة اليورو. ومن خلال ما يعرف باسم الـ”ترويكا”، وهي لجنة مكونة من البنك المركزي اﻷوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية اﻷوروبية، حصلت الدول المتعثرة على أموال من خطة إنقاذ مالية. في مقابل أموال اﻹنقاذ، تلتزم هذه الدول بخطة تقشف كبيرة حتى تتمكن من تخفيض إنفاقها.

بالنسبة لليونان؛ فإن الخطة كانت أكثر ضراوة. طبقًا لتقرير نشرته الجارديان عن اﻷوجه التي أنفقت فيها أموال اﻹنقاذ المدفوعة لليونان، سمح الدائنون لباقي الدول المتعثرة بتغطية أموال المعاشات وأموال الدعم الحكومي، لكنهم فرضوا على اليونان خطة تقشف أكثر ضراوة يجري فيها تقليص المعاشات وخفض الحد اﻷدنى من اﻷجور والتخلص من قدر كبير من العاملين في الجهاز الحكومي وخصخصة العديد من المؤسسات الحكومية، وهي الخطة التي وافقت الحكومة اليونانية على تبنيها، رغم اعتراض شعبي كبير. التزمت الحكومة بخطة التقشف لكن النتائج كانت كارثية. طبقًا لبيانات نشرتها رويترز؛ فإن نسبة البطالة قد ارتفعت إلى 27% بعد الالتزام بخطة التقشف، بينما وصلت نسبة البطالة بين الشباب في سن من 15 إلى 24 سنة إلى 62%، باﻹضافة إلى انخفاض بلغ 25% في إجمالي الناتج المحلي في محاولة لسداد ديون لا يبدو أنه يمكن الانتهاء منها أبدًا.

(4)

ضع كل ما سبق في خلفية هذا المشهد التاريخي في اليونان: في 25 يناير 2015 تمكن “سيريزا”، الحزب اليساري الراديكالي، من تحقيق اﻷغلبية في الانتخابات البرلمانية ببرنامج انتخابي يعد اليونانيين بالتخلص من خطة التقشف. بفوز كبير، أقل من النسبة المطلوبة لتشكيل الحكومة منفردًا بمقعدين فقط، تمكن تسيبراس- رئيس الحزب- من عقد تحالف مع حزب اليونانيين اﻷحرار، وهو حزب يميني يرفض بدوره خطة التقشف، وتمكن التحالف الجديد من تشكيل حكومة مناهضة لخطة التقشف.

عبر ما يقرب من ستة أشهر، ومنذ تشكيل الحكومة اليونانية الجديدة، أخذت المفاوضات بين الترويكا وبينها شكلًا جديدًا وسط حالة من ترقب ما إذا كانت حكومة اليسار ستلتزم بوعودها تجاه الناخبين اليونانيين برفض الشروط اﻷوروبية فعلًا أم لا؟

وبعد جولات شاقة من المفاوضات، توصلت كل من الـ”ترويكا” والحكومة اليونانية لاتفاق يتم بموجبه تمديد خطة اﻹنقاذ لمدة أربعة أشهر إضافية، مقابل تعهد الحكومة بالالتزام بمعايير التقشف وخفض اﻹنفاق التي تم الاتفاق عليها مع الحكومة السابقة.

وخلال الشهور اﻷربعة اﻹضافية، استمرت مفاوضات شاقة بين الطرفين وسط أخبار يتم تداولها في بعض اﻷحيان عن اقتراب الوصول إلى اتفاق، وتصريحات متنوعة تخرج بعد كل جلسة من جلسات التفاوض، وفي النهاية لم يتمكن الطرفان من حسم المفاوضات. وخلال شهر يونيو، لم تتوقف الاجتماعات والمفاوضات في العاصمة البلجيكية بروكسل حول المجموعة اﻷخيرة من إجراءات التقشف التي تقترحها الـ”ترويكا”، وهي اﻹجراءات التي صمم الطرف اليوناني على رفضها.

وفي مساء السادس والعشرين من يونيو، وقبل أربعة أيام من ميعاد سداد إحدى دفعات الديون المستحقة على اليونان لصندوق النقد الدولي، غادر رئيس الوزراء اليوناني العاصمة البلجيكية ليعلن فشل المفاوضات ويدعو لاجتماع طارئ لحكومته انتهى بإعلان إجراء الاستفتاء العام اليوم، 5 يوليو، حول ما إذا كان الشعب اليوناني يوافق على الحزمة الجديدة من إجراءات التقشف المطروحة أم لا، وهي الحزمة التي فات موعد تنفيذها بالفعل يوم الثلاثاء الماضي 30 يونيو، مع الموعد النهائي لسداد الدفعة المستحقة لصندوق النقد الدولي.

أعلن تسيبراس أن “الشعب اليوناني يخضع للإذلال” وأن مسئولي المؤسسات المالية “يخالفون القواعد اﻷوروبية”، وأنه يدعو الشعب للتصويت بـ”لا” على خطة التقشف، ملمحًا إلى أنه سيستقيل إذا ما وافق الشعب اليوناني على الخطة اﻷوروبية.

جاء اﻹعلان عن الاستفتاء كصاعقة للعديد من اﻷطراف. بالنسبة ﻷعضاء الوفد اﻷوروبي؛ فإن اﻹعلان عن استفتاء يغلق الباب أمام أي مفاوضات.

في اليوم التالي للإعلان، وبسبب الخوف من المجهول الذي يمكن أن يحدث بسبب هذا الاستفتاء، اندفع المواطنون اليونانيون في طوابير طويلة أمام البنوك لسحب ودائعهم. وبسبب الخوف من التأثير في حجم النقود الموجودة في البلد، نتيجة لرغبة الكثير من الناس والمؤسسات في تحويل أموالهم أو سحبها من البنوك، أصدرت حكومة اليونان في اليوم التالي قرارًا بإغلاق جميع البنوك حتى يوم الثلاثاء السابع من يوليو، ووضع رؤوس اﻷموال تحت تحكم الحكومة Capital control، وهي مجموعة من القيود التي توضع على حركة تحويل اﻷموال إلى خارج الدولة، باﻹضافة إلى تحديد حجم ما يمكنه سحبه من ماكينات الصرف بـ 60 يورو فقط يوميًا.

اليوم يدلي الشعب اليوناني بصوته في استفتاء على عرض لم يعد مطروحًا أصلًا بعد رفض الـ”ترويكا” مد أجل الدين المستحق يوم 30 يونيو حتي ينتهي الاستفتاء. لهذا يبدو الاستفتاء كمناورة سياسية أكثر منه طلبًا لرأي الشعب. بالنسبة للحكومة اليونانية؛ فإن الموافقة على الشروط اﻷوروبية لم تكن تعني فقط انهيارًا في شعبية الحزب الذي فاز بالانتخابات بناءً على برنامج مناهض لخطة التقشف، وإنما ربما انهيار للحزب نفسه. طبقًا ﻷحد أعضاء اللجنة المركزية له؛ فإن الحزب الذي نشأ أساسًا من تكتل من أحزاب وتنظيمات مختلفة في مدى راديكالية أفكارها، قد يتعرض لانهيار كبير إذا ما قررت هذه التكتلات الانشقاق بسبب خروج قيادة الحزب عن الخط السياسي المتفق عليه.

لكن رفض الخطة اﻷوروبية لم يكن حلًا أيضًا. فالمغامرة بأن يؤدي الرفض إلى عجز اليونان عن سداد ديونها وخروجها من منطقة اليورو رهان كبير لا يرغب الحزب اليساري في تحمل عواقبه بمفرده. لهذا جاءت فكرة الاستفتاء. وعلى الرغم من وجود جدل قانوني حول ما إذا كان استفتاء الشعب على سياسات نقدية أمر دستوري؛ فإن مجرد مناورة الاستفتاء- في حد ذاتها- تمد الحكومة اليونانية بالمزيد من الوقت وتمكنها من الضغط على الاتحاد اﻷوروبي كي يقدم تنازلات في مفاوضات اللحظات اﻷخيرة، أو في المفاوضات التي ستتم بعد إجراء الاستفتاء.

بالنسبة للـ”ترويكا”؛ فإن مجرد حدوث الاستفتاء خسارة سياسية: إعطاء الشعب اليوناني فرصة ﻷن يرفض خطة التقشف في استفتاء عام مباشر سيقطع الطريق على أي مفاوضات قائمة لتمرير الخطة. تشير بعض استطلاعات الرأي إلى تقدم طفيف للغاية لصالح التصويت بـ “نعم”، لكن الفارق الطفيف قد ينعكس خلال عملية التصويت الحقيقية لصالح “لا”.

إذا جاءت نتيجة التصويت بالموافقة على خطة التقشف اﻷوروبية؛ فإن الحكومة اليونانية ستصبح مضطرة لتقديم استقالتها. وهي ليست نتيجة سيئة بالنسبة للحزب اليساري كمخرج من اللعبة السياسية التي قرروا خوضها. فاستقالة الحكومة كموقف مبدئي سيسهل مهمة الحزب في الحفاظ على وحدته الداخلية وحمايته من الانشقاقات، متيحًا فرصة جديدة في المستقبل لخوض الانتخابات مرة أخرى.

لكن إذا جاءت نتيجة الاستفتاء بـ”لا”، سيصبح أمام الاتحاد اﻷوروبي خيارًا صعبًا بين بيدلين. اﻷول، أن يستسلم للمطالب اليونانية، ويوافق على إعادة جدولة الديون وإلغاء خطة التقشف مقابل بعض اﻹصلاحات التي تجريها الحكومة اليونانية في جهاز الدولة البيروقراطي لتقليل حجم الفساد وزيادة عائدات الضرائب. لكن السماح لليونان بالفوز في هذه المعركة قد يعطي رسالة سيئة لدول أخرى أعضاء في منطقة اليورو تعاني مشكلات اليونان نفسها بدرجات مختلفة، بأنه يمكن رفض خطة التقشف دون أية تبعات كبيرة. إسبانيا على سبيل المثال، تعاني خطة تقشف أوروبية تم فرضها من أجل الحصول على أموال خطة اﻹنقاذ. وهناك أيضًا مشهد مشابه بدرجة ما للمشهد اليوناني، بوجود حزب “بوديموس” اليساري الذي استطاع خلال عام واحد من إنشائه في مارس 2014 أن يصبح ثاني أكبر اﻷحزاب الإسبانية تبعًا لنصيبه من مقاعد البرلمان. يدفع الحزب الإسباني في خطابه برفض خطة التقشف اﻷوروبية، ويقف مع أحزاب أخرى وراء الحكومة اليونانية في رفض الشروط اﻷوروبية.

يرى الصحفي الاقتصادي، محمد جاد، أن نموذج حزب سيريزا اليوناني قد يلهم شعوب باقي دول منطقة اليورو المتضررة من خطط التقشف أنه يمكنكم انتخاب أحزاب يسارية تستطيع ببعض المجهود أن ترفض ما تطرحه الـ”ترويكا” من شروط.

لهذا، فإن الاتحاد اﻷوروبي قد يجد نفسه مرغمًا على اختيار البديل الثاني وهو معاقبة اليونان بإخراجها من منطقة اليورو. لكن اﻷمر ليس بهذه البساطة. إذا خرجت اليونان من الاتحاد اﻷوروبي بشكل مفاجئ ودون وجود خطة من الحكومة اليونانية؛ فإن هذا قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد اليوناني بشكل كامل. فالعودة المفاجئة للعملة اليونانية القديمة، الدراخما Drachma، قد تؤدي- إذا لم تستطع هذه العملة اكتساب أية قيمة- إلى توقف كامل في عمليات اليونان الاقتصادية، خصوصًا مع عمليات سحب اﻷموال التي ستستمر بمجرد إعادة فتح البنوك، وهو أمر ليس في مصلحة الاتحاد اﻷوروبي نفسه حتى لو كانت اليونان خارج اليورو.

إلا أن اﻷمر ليس مستحيلًا بالنسبة لليونان. يرى بول كروجمان– الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل- أن “معظم الفوضى المرتقبة من خروج اليونان من الاتحاد اﻷوروبي قد حدثت بالفعل”، وبالتالي فإنه في مقابل التعنت اﻷوروبي، يجب على اليونانيين أن يصوتوا بـ “لا” في الاستفتاء. يوافق جوزيف ستيجلتيز– الاقتصادي اﻷمريكي الحائز أيضًا على جائزة نوبل- زميله كروجمان في الرأي. طبقًا له، فإن أيًا ما كانت نتيجة الاستفتاء فإن كل المتاحة صعبة للغاية. لكن التصويت بـ “لا” سيفتح الباب أمام “الشعب اليوناني بتراثه الديموقراطي القوي في أن يمتلك مصيره”، وأن “يشكل مستقبله الذي ربما لن يكون مزدهرًا كما كان في الماضي، لكنه بالتأكيد سيخلق أملًا أكبر بكثير من الواقع المؤلم غير المعقول”.

اﻵن، تمتلئ أماكن الاقتراع بالمواطنين اليونانيين في تصويت قد يغير شكل أوروبا وربما العالم كله، وليس اليونان فقط. تتجه أنظار العالم كله إلى تاريخ تتم كتابته، خلف حزب يزعم أنه يستطيع أن يحقق نصرًا كبيرًا “بلا خطوة واحدة إلى الوراء”.

اعلان
 
 
محمد حمامة 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن