ويكيليكس: شفيق والإخوان.. بين الإمارات ومصر
 
 

لا تزال علاقة الإمارات بالنظام السياسي المصري، وبخاصة فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين والمرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق، ملفًا مفتوحًا حتى هذه اللحظة. فالفريق أحمد شفيق، المقيم في الإمارات منذ خسارته الانتخابات في صيف ٢٠١٢ أمام الرئيس المخلوع محمد مرسي، تحول خلال الأسابيع الماضية إلى إحدى أكثر المواد الصحفية سخونة وإثارة للجدل، بما نُسب إليه من تحركات سياسية مؤخرًا.

فقد نشرت صحيفة الشروق في شهر مايو الماضي، تقريرًا نسبته إلى مصادر سياسية وحزبية، أن عددًا من رجال الأعمال أحدهم مصري مقيم في أمريكا وآخرون من دول خليجية، لعبوا دورًا في دعم احتجاجات ٣٠ يونيو، ولهم شراكات مع رجال أعمال مصريين محسوبين على نظام مبارك، قد وصلوا القاهرة في وقت سابق على كتابة التقرير في محاولة لتشكيل تحالف انتخابي قوي قادر على الاستحواذ على الأغلبية البرلمانية. وهو ما أعقبه أخبار أخرى نشرتها الشروق أيضًا، عن سفر مسؤول استخباراتي مصري رفيع المستوى لأبو ظبي، لبحث عدد من الملفات من بينها المطالبة بوقف تحركات شفيق ومحاولاته العودة للمشهد السياسي المصري، وبخاصة مع ما بدأ في التواتر على ألسنة عدد من الشخصيات العامة والإعلامية من أن شفيق فاز في الانتخابات الرئاسية سنة ٢٠١٢، إلا أن السلطات المصرية قامت بتغيير النتيجة وإعلان فوز مرسي. وكان أحد تداعيات ذلك التوتر تأجيل بث الحوار التليفزيوني الذي أجراه الإعلامي عبد الرحيم علي مع الفريق في الإمارات، بزعم وجود مشكلات تقنية خاصة بالصوت، قبل أن يُذاع في وقت لاحق.

لا يأتي ذكر اسم شفيق كثيرًا في الوثائق المنسوبة للحكومة السعودية. فترصد برقية، حصلت عليها منظمة “ويكيليكس” ونشرت صفحتين منها، بينما ينشر «مدى مصر» حصريًا الصفحة الثالثة والأخيرة، حالة من الترقب بين الأوساط السياسية والشعبية والإعلامية لما ستؤول إليه نتائج انتخابات الرئاسة في مصر بين المرشحين، وقتها، محمد مرسي وأحمد شفيق.

ويكيليكس السعودية/الإمارات ١

برقية من السفارة السعودية في القاهرة للخارجية في الرياض

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٢

برقية من السفارة السعودية في القاهرة للخارجية في الرياض

تُكمل الوثيقة، في صفحتها غير المنشورة بعد والتي حصل عليها «مدى مصر»، أن حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر يبلغ ٥ مليارات دولار، تتركز في مجالات الزراعة والاتصالات والعقارات وتكنولوجيا المعلومات، ويبلغ عدد الشركات الإماراتية المستثمرة في مصر نحو ٦٠٠ شركة.

وتضيف الوثيقة أن المستثمرين الإماراتيين يفضلون “مصر الليبرالية لا الدينية، ويوجد حاليًا، نوع من الإحجام من قِبلهم، على الاستثمار في مصر، حتى تتضح الرؤية حول الانتخابات الرئاسية، ومن سيفوز بالرناسة، وذلك لتخوفهم من استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، التي سادت مصر منذ اندلاع ثورة ٢٥ يناير. وعلى المستوى الشعبي، تميل غالبية المواطنين الإماراتيين إلى الفريق أحمد شفيق، وبخاصة أنهم يعلمون عن موقف دولتهم غير المتوافق مع جماعة الإخوان المسلمين. ويرون أن وصول شفيق إلى كرسي الرناسة، سيؤدي إلى طي موضوع الخلافات مع مصر، والإقبال على دعمها، والاستثمار بها. أما الإعلاميون فيتفق موقفهم مع الموقف الرسمي والشعبي للدولة، وسبق لهم أن شنوا هجومًا لاذعًا على حركة الإخوان المسلمين لتطاولها على دولة الإمارات”.

في مطلع يناير ٢٠١٣، اتخذت الأزمة منحى جديدًا بإعلان الحكومة الإماراتية اعتقال أكثر من ١٠ مصريين بزعم انتمائهم لجماعة الإخوان المسملين، ومحاولتهم مع آخرين إماراتيين تشكيل تنظيم إخواني في الإمارات. يرصد تقرير سعودي بعنوان “التداعيات السياسية للأزمة بين مصر والإمارات.. يناير ٢٠١٣” أسباب الأزمة والاتهامات المتبادلة بين البلدين، والتصعيد بين القاهرة ودبي وتداعياته السياسية. يأتي التقرير في ٦ صفحات نُشرت منه بالفعل الصفحات رقم ١ و٤ و٥، بينما ينشر «مدى مصر» حصريًا الصفحات رقم ٢ و٣ و٦.

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٣

غلاف تقرير التداعيات السياسية للأزمة بين مصر والإمارات

القسم الأول للتقرير الذي يرصد أسباب الأزمة والاتهامات المتبادلة بين البلدين، يُشير إلى التطورات منذ إلقاء القبض على الخلية الإخوانية في الإمارات وتوجيه الاتهامات لها بالتحريض على قلب نظام الحكم، ثم رفض دبي الطلب المصري بالإفراج عنهم. وعلى الجانب الآخر “تتهم جماعة الإخوان في مصر دولة الإمارات بأنها تقف ضد الثورة المصرية وتأوي بعض “الفلول” من رموز الحكم السابق وعلى رأسهم أحمد شفيق- المرشح السابق لرئاسة الجمهورية-، بل إن محمد سعد ياقوت- القيادي بحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين- أدلى بتصريحات الشهر الماضي للعديد من وسائل الإعلام، تفيد بأن هناك خلية خليجية تعمل على عزل الرئيس محمد مرسى بمعاونة قيادات المعارضة (المصرية) فى إشارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة”.

وتضيف الوثيقة أن بعض الخبراء أكدوا “أن هذه الأزمة بين البلدين قد تؤدى إلى احتمالات مواجهة ما بينهما فى حالة استمرارها وسيكون لها تاثير سلبي على حوالي ٤٠٠ ألف مصري يعملون في  الإمارات ويشكلون ثالث أكبر جالية فيها بعد الهنود والباكستانيين.

ترصد الوثيقة ما وصفته بـ”أهم شواهد العداء المتنامي بين الإخوان ودولة الإمارات العربية المتحدة” في النقاط التالية التي نذكرها كما وردت في التقرير:

  • فشل الجانب المصري في إقناع الإمارات بالإفراج عن المعتقلين المصريين من التنظيم الإخواني؛ حيث لم تنجح اتصالات السفارة المصرية هناك مع وزارة الخارجية الإماراتية في مقابلة هؤلاء المعتقلين وتقديم المساندة القنصلية لهم، كما فشلت مساعي الوفد المصري الرسمي للإمارات برئاسة عصام الحداد- مساعد رئيس الجمهورية- في حل الأزمة، بعد أن قام بتسليم رسالة من الرئيس محمد مرسي إلى نظيره الإماراتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، غير أن الإمارات أكدت أن الإجراءات القانونية هي التي تحكم قضية المعتقلين.

  • تأكيد بعض المصادر هنا (القاهرة) على أن المباحثات التي أجراها الوفد المصري مع المسؤولين الإماراتيين تناولت قضية تسليم الفريق أحمد شفيق المرشح الرئاسي الخاسر لاتهامه في قضايا فساد، ولكن الوفد لم يتلق ردًا شافيًا، على الرغم من تسليم مدير المخابرات المصري معلومات للسلطات في دبي حول اتصالات شفيق بعدد من رموز النظام السابق لتأليب الرأي العام ضد الرئيس محمد مرسي- بحسب ما جاء في الوثيقة.

  • اتهم عصام العريان- نائب رئيس حزب “الحرية والعدالة”- وياسر عبد التواب- رئيس اللجنة الإعلامية لحزب “النور” السلفي- في ٢ يناير ٢٠١٣، دولة الإمارات بأنها “تعادي التغيير الذي حدث في مصر وباقي بلدان الربيع العربي خوفًا من وصول قطارالثورة إليها. وأنها تخشى الديموقراطية، وتأوي الفلول وتدافع عنهم، والدليل هجوم قاند شرطة دبي ضاحي خلفان المستمر على مصر ورئيسها المنتخب بعد الثورة”.

  • دعوة وزيرالخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد في أكتوبر الماضي، دول مجلس التعاون الخليجي إلى “التعاون لمنع جماعة الإخوان المسلمين من التآمر لتقويض الحكومات في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل سلبية لدى الإخوان المسلمين ومطالبة البعض بالرد عليه”.

  • تعمد بعض الصحف المصرية في ٦ يناير، نشر محاضرة “مزعومة” للمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي بجامعة “كولومبيا” الأمريكية عن الثورة المصرية، جاء فيها (أن السبب الحقيقي وراء عداء دبي للنظام المصري الجديد هو مشروع تطوير قناة السويس؛ لأن هذا المشروع سيصبح أكبر كارثة لاقتصاد دبي الخدمي الذي يقوم على لوجيستيات الموانئ البحرية بحكم موقع قناة السويس الاستراتيجي الدولي)، وقد حرصت الصحف المصرية على ترديد هذه المزاعم على الرغم من تكذيب ونفي تشومسكي نفسه لها. في الوقت نفسه أشارت بعض الصحف المصرية إلى أن (الإمارات هي الثورة المضادة ضد الثورتين المصرية والسورية، حتى لا يتم نجاح إعمار قناة السويس أمام التجارة الأوروبية).

ينتقل التقرير إلى رصد معالم التصعيد المتبادل بين الطرفين والتداعيات المترتبة عليه، ولعل أهم ما جاء في هذا القسم من التقرير أن جماعة الإخوان المسلمين اتخذت قرارًا بإلغاء زيارة خيرت الشاطر للإمارات احتجاجًا على تصريحات خلفان المتكررة.

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٤

تقرير التداعيات السياسية للأزمة بين مصر والإمارات

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٥

تقرير التداعيات السياسية للأزمة بين مصر والإمارات

وتشير الصفحة الأخيرة من التقرير إلى أن الإمارات تُصر على “فضح العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر والمعتقلين المصريين الأعضاء في التنظيم الإخواني بالإمارات؛ حيث أعلنت مصادر أمنية إماراتية أن التحقيقات تشير إلى أن (هذا التنظيم نجح في تجنيد العديد من أبناء الجالية المصرية بالإمارات، وأسس شركات لتحويل أموال بطرق غير مشروعة إلى التنظيم الأم في مصر، بل وقيامه بتدريب الإسلاميين المحليين على كيفية الإطاحة بالحكومات)”. كما أشار التقرير إلى “تهكم وسخرية الصحف الإماراتية الصادرة في يناير ٢٠١٣، على الوفد المصري برئاسة عصام الحداد- مساعد رئيس الجمهورية-، واندهاشها من جدول أعماله الذي شمل بندًا واحدًا هو ملابسات توقيف ١١ معتقلأ على ذمة قضية تنظيم الإخوان، وتجاهل الوفد لحوالي 350 محتجزًا مصريًا مما يؤكد الدوافع الحزبية، وتأكيدها أن الإفراج السياسي عن خلية الإخوان غير وارد”.

وأضاف التقرير أن عددًا من الخبراء المصريين في القاهرة، أكدوا أن “زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى مصر يوم الأربعاء ٩ يناير ٢٠١٣، إشارة قوية من مصر إلى الإمارات بأن البديل هو إيران، في ظل الأحداث المتوترة بينهما على خلفية المعتقلين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين”.

وفي برقية أخرى صادرة من السفارة السعودية في القاهرة ومرسلة لوزارة الخارجية في الرياض، جاء فيها أن مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، اجتمع في ١٠ يناير ٢٠١٣ لبحث تداعيات الأزمة وسُبل معالجتها. طلب عدد من الأعضاء انتظار ما ستسفر عنه جهود مؤسسة الرئاسة ووزارة الخارجية، بينما طالب آخرون سفر خيرت الشاطر- نائب المرشد العام- مع مسؤول قطري رفيع المستوى إلى الإمارات لبحث سُبل إنهاء الأزمة “بحيث يطالب الشاطر الجانب الإماراتي بعرض متطلباته التي تضمن عدم تدخل جماعة الإخوان المسلمين في شؤون الإمارات، وعدم نقل التجربة الديموقراطية التي مرت بها مصر إلى دولة الإمارات”.

كما أشارت البرقية إلى “فتح السلطات المصرية لقضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم في شقتها في دبي سنة ٢٠٠٨ مرة أخرى؛ حيث تلقى النائب العام يوم ٩ يناير (٢٠١٣)، بلاغًا ضد نائبة مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية بدبي فريدة الشمالي، وقائد شرطة دبي ضاحي خلفان، الشاهدين في قضية مقتل المطربة اللبنانية، يتهمهما بتزوير تقرير الطب الشرعي الخاص بقتلها”.

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٦

برقية من السفارة السعودية في القاهرة للخارجية في الرياض

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٧

برقية من السفارة السعودية في القاهرة للخارجية في الرياض

فيما أشارت برقية أخرى، ينشرها «مدى مصر» حصريًا أيضا، إلى الاتهامات التي وجهتها مصادر أمنية لما وُصف بـ”شخصية إماراتية كبيرة بتمويل عمليات التخريب والتدمير في مصر على هامش احتفال المصريين بمرور عامين على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١”، وهو ما نشرته صحيفة الأخبار، المملوكة للدولة، يوم ٢٨ يناير ٢٠١٣.

ويكيليكس السعودية/الإمارات ٩

برقية من السفارة السعودية في القاهرة للخارجية في الرياض

في يناير ٢٠١٤، صدر حكم من المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات، بأحكام بالسجن ضد ٣٠ إماراتيًا ومصريًا تتراوح بين ٣ أشهر وخمس سنوات. وقبلها صدرت أحكام أخرى في يوليو ٢٠١٣، بالسجن ضد ٦٩ شخصًا آخرين لفترات تراوحت بين ٧ سنوات و١٥ سنة، بعد إدانتهم بتشكيل “تنظيم سري” بهدف الاستيلاء على السلطة، وإقامة علاقات مع الإخوان المسلمين.

معظم وثائق “ويكيليكس” التي تناولت العلاقات المصرية الإماراتية خلال هذه الفترة، أشارت إلى التقارب بين النظام المصري من جانب والنظامين الإيراني والقطري من جانب آخر، باعتباره أحد أسباب ارتفاع حدة التوتر بين البلدين. فوفقًا لوثيقة “ويكيليكس” المنشورة، زار الشاطر الدوحة في مارس ٢٠١٢، لطمأنة المستثمرين القطريين أنه بعد وصول الإخوان إلى السلطة في مصر ستصبح استثماراتهم في أمان بموجب قوانين الاستثمار الأجنبي التي يعتزمون إصدارها. بالإضافة إلى زيارة مرسي إلى طهران خلال القمة الإسلامية التي انعقدت في أغسطس ٢٠١٢، التي شكلت سابقة في تاريخ العلاقات بين العاصمتين بعد الثورة الإيرانية سنة ١٩٧٩، وخلالها وجه الرئيس المصري السابق الدعوة إلى أحمدي نجاد لزيارة القاهرة، وهو ما تلاه زيارة وزير الخارجية الإيراني لمصر، وكذلك زيارة اللواء قاسم سليمان- قائد لواء القدس التابع للحرس الثوري الإيراني- إلى القاهرة ولقائه عصام الحداد.

ويكيليكس السعودية/خيرت الشاطر ٨

برقية من الخارجية السعودية لمجلس وزراء المملكة

غير أن الحملة الإماراتية لم تكن مرتبطة فقط بالترتيبات الإقليمية والنزاع بين محوري السعودية/ الإمارات/ الكويت من جانب، ومصر/ قطر/ إيران من جانب آخر. فهناك تاريخ من تمدد نفوذ “جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي”، التي تنتمي لتيار الإخوان المسلمين، في الإمارات منذ تأسيسها سنة ١٩٧٤، والتي ألقي القبض على عدد من قياداتها خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣ ضمن قضية تنظيم الإخوان. فوفقًا لدراسة أعدها ونشرها مركز المسبار للدراسات والبحوث، الموجود في الإمارات، سيطر تيار الإخوان المسلمين، من خلال نشاط الجمعية، على قطاع التعليم العام ولجان تطوير المناهج في الحكومة الإماراتية، وشارك اثنان من قيادات الجمعية في حكومتين متتاليتين خلال عقد السبعينيات في فترة شهدت توسعًا في نفوذ الجمعية بشكل عام.

غير أن الحكومة الإماراتية بدأت في الصدام مع الجمعية في أواخر الثمانينيات، بعد فترة طويلة من الشد والجذب بينهما. إذ قررت السلطات الإماراتية سنة ١٩٨٨، وقف مجلة “الإصلاح” الناطقة باسم الجمعية لمدة ٦ أشهر، وعندما عادت للصدور مرة أخرى أصبحت لهجتها أقل حدة. وفي سنة ١٩٩٤، حلّت الحكومة مجلس إدارة الجمعية وتعرضت فروعها، في دبي والفجيرة ورأس الخيمة، إضافة إلى جمعية “الإرشاد” في عجمان، لتقليص أنشطتها الداخلية والخارجية، وقامت الحكومة بإسناد الإشراف عليها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، ما عدا فرع رأس الخيمة الذي لم يزل حتى اليوم يحظى باستقلالية تحت حماية وتعاطف حاكمها الشيخ صقر القاسمي.

ومنذ عام ٢٠٠٣، بدأت حملة واسعة للتخلص من نفوذ الجمعية داخل قطاع التعليم، بنقل عدد كبير من الموظفين المنتمين لها إلى دوائر حكومية أخرى، وهو ما تكرر سنة ٢٠٠٦ بعد لقاءات للتهدئة بين قيادات من الجمعية ومحمد بن زايد- حاكم أبو ظبي- فشلت في الوصول إلى مساحة من التوافق. وسلك أعضاء الجمعية منحى مختلفًا بعد ذلك، إذ بدأوا في تنظيم تجمعات احتجاجية وكتابة مقالات مختلفة عبر المدونات والمواقع الإلكترونية تنتقد أداء السلطات الحاكمة في الإمارات. بينما يرى مراقبون آخرون أن الجمعية، وبخاصة في السنوات الأخيرة، كانت تمثل صوتًا إصلاحيًا في الإمارات بدفاعها عن قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة.

في النهاية، بدا صعود الإخوان المسلمين في تونس ثم مصر، عقب الثورة في كلا البلدين، مؤشرًا مقلقًا للسلطات الإماراتية، فبدأت في حلقة أخرى من حلقات التضييق على الجمعية، وكذلك انتهاج سياسات عدائية ضد النظام الإخواني في مصر بسبب مقارباته الإقليمية. وانعكست التطورات السياسية على الساحة المصرية خلال العامين الماضيين على العلاقات بين القاهرة ودبي مرة أخرى. إذ بلغت الاستثمارات الإماراتية في مصر، بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان المسملين، ٤.٥ مليار دولار، بعد انخفاضها خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، لتحتل المرتبة الثانية عربيًا بعد المملكة العربية السعودية التي تصل استثماراتها إلى ٧.٥ مليار دولار- بحسب تصريحات أشرف سالمان، وزير الاستثمار المصري، في مارس من العام الجاري. غير أن العلاقة بين الحكومتين تظل متشابكة وأكثر تعقيدًا من الصورة الظاهرة، وأحد أوجه ذلك التعقيد هو استمرار دبي في استضافة المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق، الذي بدت تحركاته مزعجة للسلطات المصرية في الفترة الأخيرة، وكذلك الأخبار المتضاربة عن إلغاء مذكرة التفاهم بين المستثمر الإماراتي محمد العبّار والحكومة المصرية لإنشاء العاصمة الجديدة.

 
اعلان