لماذا لا يستطيع “الزعيم” تجاوز “عَلقة” الشيوعية؟
 
 

في الحلقة الثانية من مسلسل عادل إمام ويوسف معاطي في رمضان هذا العام، “أستاذ ورئيس قسم”، يتجمع مئات الطلاب المتظاهرين أمام أحد المباني داخل الجامعة. كردون عساكر اﻷمن يفصل بينهم وبين أساتذتهم، بينما يبدي مجموعة من اﻷساتذة كبار السن تأففهم مما وصلت إليه أخلاق شباب هذه اﻷيام. يأتي الزعيم، دكتور فوزي جمعة/عادل إمام، المناضل اليساري العتيد مؤسس حركة “إيه؟”، من خلف صفوف الشباب، يعتلي السلالم ويشير إلى المتظاهرين أن انصرفوا. ينصرف الطلاب فعلًا بناءً على طلب أبيهم الروحي، يلتفت عادل إمام إلى قائد قوات اﻷمن، ويلقي إليه بجملة تسخر بعبقرية من حجم قوات اﻷمن: “ما كنتم جبتوا غواصة كمان بالمرة”. يتحدث إليه بحكمة ما لا أتذكرها لكنها تحكي عن أن هؤلاء “اﻷولاد” معذورون ولا بد من فهم غضبهم واستيعابه. يُبهَت قائد اﻷمن بعد لحظات من العند، يسكت ويطأطئ رأسه مستسلمًا للمنطق السديد.

حين كان شابًا في الخامسة والخمسين من عمره، تعاون الزعيم مع وحيد حامد في فيلم “طيور الظلام”. كان حامد هو رجل تلك المرحلة بالنسبة لعادل إمام. ينتج توليفة مناسبة من الدراما تجمع بين السياسة والقليل من الشبق الجنسي وكوميديا المواقف الساخرة على الدوام من “اﻵخرين” اﻷكثر غباءً واﻷقل معرفة. يعرف “عادل” بذكاء الزعماء أن هذه التوليفة ستنجح. يحبه الجمهور فعلًا ويعشق جرأته ويمنحه حقوقًا حصرية لم يحصل عليها أي ممثل آخر. على سبيل المثال، يستطيع ضرب الممثلات على مؤخراتهن أمام الكاميرات، لكن أحدًا آخر لم يكن يجرؤ.

في عالم وحيد حامد، كانت هناك طبخة ما سياسة مستمرة: أطراف تنتمي للدولة أو لحزبها في صراع مكتوم على الدوام على السلطة مع اﻹسلاميين بشكل أساسي. يكشف حامد لنا عن بعض صور هذا التفاعل. كما تتوقع: هناك اﻹخواني، وهو صاحب اللحية الذي يرتدي جلبابًا ويردد ما يقوله رموز تياره إلا إذا كان إخوانيًا محاميًا من الرموز يمثل تياره في صراع السلطة هذا، هذا “اﻹخوانجي” الأخير يمكنه أن يرتدي البدلة. هناك أيضًا رجل الدولة وهو شخص تستطيع أن تكرهه بينما تتمنى أن تكون مثله بكل سهولة، والمرأة التي تدرك أن عظمة جسدها تستطيع إخضاع أعتى اﻷنظمة السياسية. كي تكتمل التوليفة، هناك الشاب اليساري المثالي الكاره لكل ما يحدث، لكنه- ككل اليساريين كما يراهم حامد: مغفّل. يستمر التفاعل سطحيًا في دراما إمام/ حامد لكن سطحية التناول لا تنفي أن هذه الأطراف موجودة فعلًا وتخوض صراعاتها في العالم الحقيقي. بالنسبة لعالم وحيد حامد؛ فإن هؤلاء مجموعة من اﻷشخاص الذين يعترفون ﻷنفسهم في أحيان ما أنهم منافقون وأن “السياسة نجاسة”.

لكن السنوات تمر، عشرون عامًا على “طيور الظلام”، وعادل إمام اﻵن في الخامسة والسبعين من عمره. يدرك بذكاء تميز به طوال الوقت أن هذا ليس عصر وحيد حامد ولا عصر السينما. نحن في عصر الدراما التليفزيونية ورجل المرحلة- بالنسبة للزعيم- هو يوسف معاطي.

بعد غياب استمر 32سنة، عاد عادل إمام إلى مسلسلات التليفزيون. كانت عودته عبر مسلسل “فرقة ناجي عطا الله” الذي كتبه معاطي، ليقدم توليفة تعتمد على تنويعات مختلفة من صورة اﻷب مطلق الفهم والقدرات، القارئ للمشهد والحكيم بما يكفي للسخرية منه والتنبؤ بتبعاته. هذه التيمة اﻷبوية هي اختيار عادل إمام الجديد، مضافًا إليها بهارات من “الهَلس” التي تليق بالـ “دون جوان” الذي يعشق اجتماع النساء حوله وتعشقه النساء، بينما يلقي إفيهاته الساخرة شديدة الذكاء والمرح ممسكًا بكئوس الويسكي ومتفوهًا على الدوام بحكمته العميقة، وهي الوصفة التي لم تختلف بشكل كبير في العملين اللذين قرر إمام أن يستمر في الاستعانة بمعاطي خلالهما: “العراف” و”صاحب السعادة”.. والتي تطرح- وسط غيرها من الأعمال الرمضانية- سؤالًا: هل يقدم الممثل وجهة نظر المؤلف، أم أن الكاتب يكتب وجهة نظر النجم؟

بعيدًا عن إجابة السؤال، يستمر معاطي هذا العام في رسم صورة اﻷب ذاتها ليقدمها إمام في “أستاذ ورئيس قسم”. وتستمر رؤية معاطي/ إمام للعالم كصور وأنماط أحادية البعد. يلعب “الزعيم” دور زعيم: دكتور جامعة يساري وأب روحي لكل الشباب المناضلين. بالنسبة لمعاطي؛ فإن أي يساري يعلق صور لينين وجمال عبدالناصر على حوائط بيته، ويتجرع الخمر حين يستريح من مخاطبة الجماهير بشعارات عصماء في رحلة نضاله من أجل الطبقات الكادحة، ويعشق النساء، ويفعل كل هذا بينما يستمر في إعطاء تحليلاته وتوجيهاته وحكمته التي لا تنقطع.

تختبئ دراما معاطي وراء قناع تهكمي ضعيف، وهو أمر يستخدمه طوال الوقت ليغطي غياب أية قراءة حقيقية ﻷي مشهد. فهو لا يستطيع أن يتخيل تفاعلًا مستمرًا بين أطراف صراع، يعلو ويهبط، يتحرك ويسكن، يتأثر به البشر ويتفاعلون معه، كما كان وحيد حامد يحاول أن يفعل. لهذا تظهر الحياة كما يقدمها بحيرة راكدة مكونة من شخصيات مستقاة من كليشيهات متوارثة يتخيل أنها تمثل المجتمع. رجل أعمال شديد الثراء يهمل أولاده وينحني للسلطة ورموزها من أجل المزيد من الصفقات. دكتور جامعي يحاول التقرب من السلطة وجذب انتباه الرئيس لا بد أنه سيكتب مقالًا بعنوان “نعمين يا ريس وليست نعم واحدة”. سكرتير الحزب اليساري الشاب بشاربه الكلاسيكي، يرتدي البدلة الصيفي ويحمل حقيبته الممتلئة باﻷوراق على الدوام حتى إذا كان ذاهبًا ﻷحد البارات، وهو “الشكل” الذي قد يتغير لاحقًا ليستخدم في السخرية من أمثاله وإظهارهم كمدعين، ابن رجل اﻷعمال الذي يقرر الانحياز للعمال والفقراء وينضم للحزب اليساري ليناضل في صفوفه. سائق التاكسي المنبهر على الدوام بثقافة اﻷستاذ الجامعي الكبير وحكمته في الحياة. “عبير عبدالباسط، تانية كلية زراعة وعضو في حركة الاشتراكيين الثوريين”.

بناء على رؤية معاطي- إن اعتبرناها رؤية- على اﻵباء أن يحبوا أبناءهم أكثر، واﻷب هنا مجاز عن كل أشكال السلطة ابتداء من اﻷب البيولوجي وحتى الدولة/ اﻷب. ابنك “مدمن بيشرب بانجو وحشيش”؟ السبب أنك لا تأخذه في حضنك لتبكيان معًا بما يكفي، تنزعه عنك لتتفرغ لجمع المال أو تملق السلطة. هل تتعجب الدولة من وقاحة الشباب وثورتهم؟ السبب أن الدولة تفتقد دورها كأب، لا تتفهم إحباطات الشباب ومشكلاتهم ولا تبدي تعاطفًا معهم. يتفق الدكتور فوزي جمعة المناضل اليساري العتيد مع عميد الشرطة قائد الحرس الجامعي في أن الشباب أصبح “قليل اﻷدب” في لغته وطريقته، لكن المختلف في ثنائي معاطي-إمام أنه يرى أسبابًا منطقية لما يوافق الجميع على اعتباره “قلة أدب”. يرغب الثنائي في “علاج” ثورة الشباب ووقاحتهم، لكن طريقتهم “مختلفة” عن العقل “الضيق” للمجتمع/السلطة. فلنتحدث إلى الشباب، نحنو عليهم، نبدي تفهمنا ﻹحباطاتهم. لا بد أن نعطيهم حبًا يفتقدونه، وحضنًا ثاروا من أجل الحصول عليه.

بعد حديث الزعيم مع قائد قوات اﻷمن، يذهب إلى الطلاب ليعطي محاضرته الدراسية. يبدأ كلامه معهم باستنكار سلوكهم: “الله يخرب بيوتكم ويهد حيلكم.. إيه اللي كنتم عاملينه في الجامعة ده؟”. ينصح الدكتور/الزعيم الشباب بنغمة أبوية صارمة وحنونة: “هو لعب العيال اللي كنتم عاملينه ده بتسموه مظاهرة؟! عشان تعملوا مظاهرة ارجعوا لكتابي: آليات التظاهر بين النظرية والتطبيق”. ثم يمزج وظيفته كأستاذ لمادة علم الحشرات في كلية الزراعة ودوره كمناضل يساري وأب لكل المناضلين ويبدأ درسه عن ذكور النحل التي تستمر في الدوران خلف مليكتهم في محاولة لأن يظفروا بتلقيحها. يتساقط الذكور واحدًا تلو اﻵخر، يعطي كناية ذكية للغاية لا نفهمها، كمعظم تشبيهات يوسف معاطي الذكية للغاية: “الحماس لوحده مش كفاية، لما شفتكوا في ساحة الجامعة افتكرت الذكور الهبل.. أفتكر الرسالة وصلت”. لا بد أنك اﻵن تتوقع ما سيحدث: يندفع الشباب في عاصفة من التصفيق بعد أن وصلتهم الرسالة.. اﻷب الساكن في عقل معاطي وشخصية الزعيم يفهم كل شيء، بينما نرزح نحن- اﻵخرون- في جهلنا.

في حوار تليفزيوني أجراه عمرو الليثي معه في يوليو 2010، يحكي عادل إمام عن أنه كان عضوًا في الحزب الشيوعي المصري في السادسة عشر من عمره. كيف انتهت علاقة الزعيمبالحزب الشيوعي؟- بحسب روايته: “دخل أبويا لقى كتب كارل ماركس ولقى البتاع، راح ماسك الكتب ده حارقها، وكلني علقة يشيب لها الولدان“.

اعلان
 
 
محمد حمامة