المدينة.. مسؤولية من؟
 
 

في ١٥ يونيو الماضي، بحديقة الأزهر، دعت كريستين أوكلير، منسقة الحملة الحضرية العالمية، عدد من الصحفيين والباحثين العمرانيين والنشطاء والمسؤولين الحكوميين وآخرين إلى جلسة عصف ذهني بخصوص حملة قومية تتناول المشكلات الحضرية في مصر.

كان ذلك في اليوم الثاني للمنتدى الحضري المصري الأول، الذي نظمته هابيتات-الأمم المتحدة ووزارتي الإسكان والتطوير الحضري والعشوائيات لمدة ثلاثة أيام. ومن ضمن أهداف المنتدى “توفير منصة للسماح بحوار بنّاء ومشاركة فعالة لكل الشركاء المعنيين بما يسمح بطرح التساؤلات المرتبطة بالتنمية الحضرية المستدامة”.

المشاركون، الذين تخطى عددهم ٥٠٠ شخص، أتوا من مؤسسات حكومية وجامعات ووسائل إعلامية ومنظمات مجتمع مدني متنوعة.

وتسخدم هابيتات-الأمم المتحدة شعار I’m a city changer “أنا أُغيّر المدينة” كرسالة مفتاحية لاشراك المواطنين والشركاء المعنيين لإطلاق حملات قومية في بلدانهم لجعل المدن صالحة للعيش وأكثر استدامة.

طلبت أوكلير، خلال الجلسة التي نظمتها الحملة العالمية في القاهرة، من الحضور تنظيم مجموعات عمل للنقاش حول الجوانب المختلفة لشكل حملة كتلك في مصر. وتشكلت المجموعات لتعريف شعار الحملة، والاستراتيجيات المتوقعة لتفاعل الإعلام معها، ونشاطات الحملة الاخرى.

كانت الخطوة هي تحديد شعار مناسب للسياق المصري. واثار الحديث عن الشعار جدلاً بين الحضور حول تعريف المشكلات الحضرية ومسؤلية الدولة في مواجهة مسؤلية المواطنين.

وزع المنظمون كتيب ارشادات على الحضور عن كيفية صياغة وتفعيل حملة حضرية قومية، جاء فيه:  “أعد صياغة شعار أن أُغير المدينة وفقا للغتك”، أو “قم بصياغة شعار آخر مُستلهما من الآتي: نحو المدينة التي نحتاجها، مدينة أفضل.. حياة أفضل، مدن ملائمة للعيش، مدينتي.. حياتي، إلخ”. وبينما حث الكتيب المشاركين على خلق شعاراتهم بأنفسهم، ترجم المنظمون، أثناء تعريب محتوى المنتدي، شعار الحملة بالفعل إلى “مدينتي.. مسؤوليتي”. وهو ما علق عليه أحد المنظمين قائلا للمشاركين: “الشعار مؤقت، ويمكنكم تغييره”، غير أن ذلك الاختيار أثار نقاشات مثيرة بين المشاركين في مجموعات العمل.

قال أحمد زعزع، المعماري والباحث العمراني في مجموعة عمل “عشرة طوبة” للدراسات والتطبيقات العمرانية: “لا أفهم كيف تحول شعار أنا أُغير المدينة إلى مدينتي مسؤوليتي”.

“مدينتي مش مسئوليتي”، قال زعزع، “في وضعها الحالي هي مسئولية الدولة”، مضيفاً أن “شعار “مدينتي.. مسؤوليتي” يعيد إنتاج نفس سردية الدولة بان المواطن هو سبب المشاكل”، ويستطرد قائلاً انه كان من الأفضل أن يتم ترجمة الشعار حرفيا إلى أنا مُغيّر للمدينة.

قال مشارك آخر، عرف نفسه أنه صحفي، “لا أريد إعفاء الحكومة من مسؤوليتها”، واستمر في حديثه عن افتقار الحكومة للشفافية المالية، طارحا قضية الصناديق الخاصة المثيرة للجدل. وهي حسابات مالية لا تُدرج في الموازنة، وتواجه الحكومة اتهامات بإهدارها، بحسب ملف استقصائي عن الموضوع بدورية “أفريقا كونفيدنشيال”. المتحدث أصرّ على خضوع هذه الصناديق للتدقيق، وإعادة الهيكلة والتوجيه نحو الاحتياجات المحلية.

دعم مشاركون آخرون نهج حقوقي في اختيار الشعار، مثل “حقي في المدينة” أو “مدينتي حقي”. بينما عبر مينا مفيد، من مؤسسة الحياة الأفضل في المنيا، عن مخاوفه تجاه اختيار شعار متمحور حول المدينة بما يستبعد العديد من المجتمعات الريفية الفقيرة والمهمشة. واقترح مفيد بدلا من الشعارات السابقة “بلدي: حقي ومسؤوليتي”. فيما يقول متخصصون بهذا الشأن أن أغلبية المصريين يعيشون اليوم في مراكز حضرية، وأن الفصل بين الحضري والريفي في مصر مازال ملتبسا. بمعنى أن المناطق الريفية تتحول سريعا إلى مناطق حضرية، والفرق بين الحضري والريفي أصبح غير واضح مع انتشار الإسكان العشوائي.

و تعليقاً على تلك الجدلية، قالت ديلفين الدحداح، مستشارة دولية لقضايا العمران ، لـ«مدى مصر» أنه: “من المهم التركيز على المدن، فعلى سبيل المثال، علينا التساؤل هل يمكن أن يكون لدينا مدن دون عْمد منتخبة؟”.

وتطرقت مجموعات العمل لمشكلة الإدارة المحلية خلال نقاشاتها حول سؤال “المسؤولية”، مع بعض الزعم أن المسؤولية تقع على الحكومة في غياب مجالس محلية منتخبة وفاعلة. فنظام الإدارة المحلية في مصر شديدة المركزية، وتعتمد نظريا على نوعين من المجالس: المجالس الشعبية والتي يتم تشكيلها بالانتخاب، والمجالس التنفيذية المعيّنة من الحكومة (والمكونة من ممثلي الوزرارت والمرافق العامة). فوفقا للباحث في شئون العمران، منيب أنصاري، الموظفيين التنفذيين والمحافظين (المعينين بواسطة رئيس الجمهورية) يديرون الأحياء، بينما لا تملك المجالس الشعبية المحلية إلا القليل فيما يخص الميزانية والتخطيط.

تقول إحدى المشاركات في مجموعة العمل انه إذا ما وضع الشعار كل المسؤوليات على الحكومة، فلا شيء سيحدث. نحتاج إلى إشراك الناس الذين مازالوا مسؤولين، ويمكنهم على الأقل تغيير شارعهم الذي يعيشون فيه. وطلبت أن يكون الشعار “شارعي، مسؤليتي” باعتباره أفضل لإشراك المواطنين.

يكشف عمر عبد القوي، أستاذ العمارة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، المشارك في الجلسة عن جانب آخر أثناء حديثه لـ«مدى مصر»، فيقول: “تحتاج الحملة أولا إلى توعية الناس بحقوقهم، توعيتهم بأدوات التغيير والضغط السياسي. ولاحقا، تأتي المسؤولية الشخصية للمواطن”.

تعد مصر إحدى أكثر الحالات تحديا في العالم فيما يخص التنمية الحضرية المستدامة. فقد أظهر يحيى شوكت، الباحث العمراني، كيف أن الرؤية الحكومية للتنمية الحضرية في مصر تعتمد على بناء مدن جديدة، تبقى شاغرة في معظم الحالات، وهي أكبر مثلا لعدم الاستدامة. أما حال المدن “القديمة” فالتحديات عدة، منها: المسكن غير الملائم، ومشاكل البنية التحتية، والمواصلات.

كما يتحدث عبد القوي في مقالاً له بجريدة «الشروق» عن مشكلة المدينة، ففي القاهرة الكبرى وحدها، يعيش أكثر من ٦٠٪ من السكان في مساكن غير ملائمة، وأحيانا غير آمنة، ومنازل تُصنف رسميا بأنها عشوائية.

ويضيف أن نسبة الـ٤٠٪ الباقية تعيش في مناطق مُخططة تعاني من أوجه أخرى من العشوائية والتعدي على الفراغ العام. ويتسائل في نفس المقال الذي نُشر قبل المنتدى قائلا: “أين جودة الحياة فى مدن يعتبر فيها الرصيف المخصص لحركة المشاة رفاهية لا داعى لها؟”، و”ماذا بعد المؤتمر؟”.

رغم النقاشات المثيرة، إلا أن التصويت النهائي على الشعار أخدنا إلى الترجمة الأصلية الواردة من منظمي المؤتمر: “مدينتي.. مسؤوليتي”.

علّق عبد القوي قائلا: “الصورة العامة للجلسة بدت مُعدة مسبقاً، تبدو جلسة الحملة القومية الحضرية كأنها فقط تمهد الطريق لمؤتمر الأمم المتحدة الثالث للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (هابيتات ٣)”؛ حيث سيتم كتابة أجندة عالمية جديدة للتنمية الحضرية في بيرو العام القادم.

يشرح عبد القوي: “لكن يمثل هذا المنتدى وجلسة مثل هذه فرصة لبعض الأصوات البديلة كي تُسمع. وغير ذلك لا توجد فرص ومنصات أخرى”.

 

اعلان