هل يجب هدم “الحزب الوطني”؟

في السنوات القليلة الأخيرة- وبخاصة بعد ثورة يناير- انتبهت لمشاهدة أعمال جدي وإسهاماته المعمارية والحضرية لهذا المجتمع العريق، وبكل أسى أجدها تُمحى وتُهمل وتُنسى وتُدمر؛ جدي “محمود رياض” الذي اعتبره علماء ومعماريون ذوو ثقل عالمي أحد رواد العمارة المصرية والعربية الحديثة.

ولم يسع أحد لينهل من خبرته في التخطيط الحضري والإسكان الاجتماعي غير الأمم المتحدة؛ حيث اُختير في مناسبات عدة ليكون جزءًا من فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بتخطيط المدن الكبرى.

وبعد تصميمه للحي الراقي بمنطقة المهندسين خلال عمله مع وزارة الأوقاف، ومشروعات حضرية أخرى كمدينة العمال بكفر الدوّار ،وحي حدائق المعادي السكني، فقد تولى منصب مدير بلدية القاهرة في عام 1953. 

وخلال فترة توليه بلدية القاهرة، شَرُفَ بإنجاز بعض من أهم المشاريع التي شكّلت القاهرة الحديثة التي نشهدها اليوم، كشارع كورنيش النيل بوسط القاهرة ومنطقة جاردن سيتي وماسبيرو، استاد القاهرة، تخطيط حي مدينة نصر، والكثير من مشروعات النقل والمرافق العامة. وبعد تركه لذلك المنصب، تلقى دعوة من صاحب السمو الملكي أمير الكويت كي يكون المستشار الفني والهندسي لوزارة الأشغال العامة بالكويت. حيث أشرف على تخطيط مدينة الكويت مع المخطط الحضري “كولن بوكانن”، وأبراج الكويت المائية  مع “سيون ليندستروم” من شركة VBB، وكذلك مبنى مجلس الأمة مع “يورن أوتزون”، ومطار الكويت الدولي مع “كينزو تانجيه”، وغيرها من المشروعات المهمة. 

وفي الفترة التي لحقت تخرجه في مدرسة “ليفربول” للهندسة المعمارية عمل مع شركة “شيريف ولامب وهارمون” على أهم الأعمال الفنية المعمارية بمدينة نيويورك كمبنى الإمباير ستيت و 500 فيفث أفينيو.

ومن مشروعاته كمهندس معماري في مصر، فندق النيل هيلتون سابقًا (مع ويلتون بيكيت وشركاه)، وفندق النيل (كمبنسكي حاليًا)، ومبنى السفارة الروسية، ومبنى بلدية القاهرة (المعروف حاليًا بمبنى الحزب الوطني).

انتقالًا من المشهد الخاص للمشهد العام؛ يحاول المقال عبر هذه المقدمة أن يناقش قرار هدم مبنى بلدية القاهرة، المعروف إعلاميًا بـ “مبنى الحزب الوطني المنحل”.

لذا دعوني أولًا أسرد لكم ملخصًا حول تاريخ هذا المبنى.

بُني في أواخر خمسينيات القرن الماضي ليكون مقرًا لمكاتب بلدية القاهرة؛ حيث كانت بلدية القاهرة قبل ذلك موجودة بشكل مؤقت في بناية الحرس الملكي بقصر عابدين (ومن المفارقات أنها ما زالت في ذلك المقر المؤقت)، وقد بني هذا المقر الجديد ليصبح رمزًا للجمهورية المصرية الجديدة بعد ثورة 52، وبعد فترة وجيزة من إنشائه قرر الاتحاد الاشتراكي أن يتخذه مقرًا له. وبعد وفاة عبد الناصر تحول المبنى ليصبح مقرًا لعدد من الهيئات كـ: المجلس القومي للصحافة، والمجلس القومي للمرأة… إلى جانب كونه مقرًا للحزب الوطني الديموقراطي، وعلى عكس الاعتقاد العام فإن مقر الحزب الوطني شغل مساحة صغيرة من المبنى.

والاعتقاد العام بأن كامل المبنى يعود إلى الحزب الوطني جعله لسوء الحظ يمثل رمزًا للفساد وأسهم ذلك في رغبة الكثير في أن يستهدفوا فيه غضبهم من السلطة السياسية الحاكمة.. ولكن ما الذي يعبّر بشكل أفضل عن رمزية الانتصار على الفساد؟ هل هي الإزالة؟ هل هي محاولات نسيان وجود وحدوث ذلك الأمر. أم إيجاد حل آخر لإعادة تشكيل المبنى ليصبح في وقت قصير رمزًا لمعني مختلف تمامًا عن السابق؟ هذا المبنى بحالته الآن محروقًا ومخربًا ليس رمزًا للفساد بقدر ما هو رمز لثورة الشعب على الفساد في 2011.

لذا؛ فهدم المبني هو بداية نسيان الوعي الجمعي لكل ما حدث، ولكن بإعادة استغلال المبنى نستطيع أن نعيد ملكيته للمجال العام.

ثانيًا؛ دعوني أناقش إشكالية المتحف. فهناك الكثير من الشائعات التي تتداولها بعض وسائل الإعلام أن أرض المبنى كانت جزءًا من حديقة المتحف، والتي كانت ممتدة حتى نهر النيل، وقد خصصتها الدولة فيما بعد لمبنى بلدية القاهرة.

وبالرجوع للخرائط الخاصة بالمنطقة قبل بناء المبنى سوف نرى أن تلك الأرض كانت تتمركز عليها ثكنات خاصة بالجيش البريطاني. ووفقًا لأستاذة التاريخ المعماري وأحد مسؤولين مشروع توثيق تاريخ مصر الخديوية د. سهير زكى حواس؛ فإن قطعة الأرض التي خُصّصت لبناء المتحف في عام 1890 تتفق مع حدود موقع المتحف حاليًا دون أي امتدادات حتى نهر النيل كما تقول الادعاءات الآن.  

وكانت هناك اقتراحات سابقة لجعل أرض المبنى حديقة مفتوحة، وهو ما أختلف معه أيضًا؛ حيث إن وجود حديقة في ذلك الموقع سوف يكون قرارًا خاطئًا لأسباب عدة:

أهمها؛ أن طبيعة شارع الكورنيش تتطلب جدارًا معماريًا متماسكًا على امتداده، ووجود حديقة بذلك المكان يجعلها ثغرة في هذا الجدار . وبالإضافة إلى ذلك فإن ثلاثية التحرير (مبني بلدية القاهرة، فندق النيل هيلتون، وجامعة الدول العربية) تشكل حواف قوية ومحددة لميدان التحرير، وتشكل شخصيته المكانية الفريدة. ودونها سيفقد الميدان شكله؛ حيث إن الحواف الأخرى غير محددة وواضحة. ومع ذلك فإن المقترح فيما يتعلق بالمتحف ليس حديقة، وإنما سوق مغلقة مع ساحة مفتوحة في الوسط لخدمة المتحف فقط. وهذا ما يعني أن تلك المساحة لن تكون متاحة أو مرئية من الخارج، ولن يكون ذلك للعامة سوى مجرد حائط كبير!

ثالثًا؛ فيما يتعلق بسلامة واستقرار بنية المبنى بعد الحريق، فهناك الكثير من التقارير التي تزعم بأن المبني معرض للانهيار في أية لحظة، وتقارير أخرى تزعم بتضرر جزئي للمبني (في المباني المحيطة لبرج المبنى). لذا فنحن نطالب الجهات المسؤولة بالسماح لمهندسي واستشاريي  مكتب محمود رياض بإجراء معاينة وفحص للمبنى لحسم ذلك الجدل.

رابعًا؛ وهو إشكالية أن المبنى أصبح “قبيحًا”، فعند التعليق على القيمة الجمالية لعمل فني أو قطعة أثرية أو مبنى، فنحن المعماريين نستخدم مصطلحات كـ”الهيكلية، التكوين، الإيقاع، التناسب، والإلحاق  والانسجام”. وكل من هذه المصطلحات لها معاييرها الخاصة التي نستطيع من خلالها مناقشة ما إذا كان الشئ جميلًا أم لا؟

وقد لاحظت أن كثيرًا من الأسباب التي يسوقها البعض للتدليل على افتقاد  أي مبنى للقيمة الجمالية يرجع إلى الواجهة الخارجية للمبنى. فهم يشيرون إلى العدد الكبير من وحدات مكيفات الهواء الظاهرة على واجهة المبنى بطريقة عشوائية، وترسبات عوادم السيارات، لعدم وجود صيانة وتجديد لدهانات الواجهة، وكيف أن مستخدمي المبني غيروا من تصميم شرفات الواجهة لتناسب احتياجاتهم واستخداماتهم دون مراعاة لتناسق الشكل العام للمبنى والتصميم المعماري له، وتكوينات الظلال، بالإضافة إلى تلاشى خطوط تقسيم المبنى بما جعله فوضويًا إلى حد كبير. 

لذا أدعوكم  لإلقاء نظرة على الصور والرسومات القديمة الخاصة بمبنى بلدية القاهرة، قبل بناء الجدار القبيح المحيط بالمبنى، ووجود كوبري 6 أكتوبر الذي حال دون المشهد الرئيسي للمبنى، لا تنظروا إلى تكرارية النوافذ فقط وإنما إلى انسجامها مع المدخل الكبير والمنصة المحيطة بكامل المبنى، والعلاقة بين فتحات النوافذ و الطارات الصلبة المتماسكة المحيطة بها والتي تعكس عظمة قوة التكوين الخاصة بالمبنى المتأثرة برؤية العصر الناصري. 

وفي نهاية الخطاب، أود أن أدعوكم للاطلاع على مقترحاتنا الخاصة بإعادة استخدام لمبنى على صفحتنا بشبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وآملين أن نستطيع طرحها في وسائل الإعلام المختلفة خلال الأيام المقبلة.

والتأكيد أن المبنى مصنف من قبل وزارة الثقافة ضمن المباني ذات الطراز المعماري المتميز وفقًا للقانون 144 لسنة 2006، والقانون 119 لسنة 2008، فهل الأجدر بنا أن نحافظ عليه كواحد من مواقع التراث الثقافي وبحث سبل إعادة استغلاله بدلًا من إهالته أرضًا دون حساب؟ فهل الأجدر بالمستثمرين أن تعظم قيمة المبنى وسرديته التاريخية بدلًا من هدمه و بناء مجرد ناطحة سحاب تؤثر سلبًا في الشخصية المكانية لميدان التحرير؟

لذا أطالب الجهات المعنية بشكل عاجل أن توقف عملية الهدم وفتح حوار مجتمعي عام، فهو ملكية لعموم المصريين؛ فإن المشاركة الواعية المطلّعة من عموم المصريين ستقود حتمًا إلى مستقبل أفضل.

اعلان
 
 
محمود محمد رياض