“القبضاي”.. البلطجة من الدراما إلى الواقع

 

اعتدت منذ 30 يونيو أن ألجأ لمشاهدة التليفزيون للاستراحة من العمل أو كسر الملل والتوتر. وبما أن كل برامج التوك شو أصبحت مستفزة من كثرة زيفها، فلم أعد أستطيع مشاهدتها. لذا لجأت للدراما من حيث الأفلام القديمة والمسلسلات في محاولة للهروب من الضغوط العصبية الكبيرة نتيجة ما يحدث من مصائب ومهازل.

ضمن المسلسلات التي وجدت نفسي مشدودة لها وأبحث عن مواعيدها لمتابعتها، مسلسل تركي اسمه “القبضاي”- بغض النظر عن مسألة المسلسلات التركية والدوبلاج وغيرها من المسائل التي قد تكون محل جدل- بعد فترة بدأت أفكر فيما شدني لهذا المسلسل- رغم كرهي لفكرة أن يظل الإنسان يتابع مسلسلات تستمر لأكثر من مائة حلقة، يظلون يمطون فيها وفي أحداثها، وتستخدم القناة التي تعرضها مسألة الإقبال في المشاهدة عليها لكي تدخل فيما بينها إعلانات مدتها أكثر من مدة المسلسل نفسه- لماذا كل هذا الإصرار على مشاهدته، ولماذا تحول موعده لمحطة إجبارية للراحة من العمل حتى لو كنت أكتب في موضوع لا يجب أن أتركه الآن؟

ما شدني لمشاهدة هذا المسلسل هو قدرة الشخصية الرئيسية في المسلسل “ماهر” علي الدأب من أجل إثبات براءة أبيه الذي وصل إلى حبل المشنقة لاتهامه بجريمة لم يرتكبها- وذلك بعد فشل محاولة هروب العائلة كلها إلى خارج تركيا- مستخدمًا في ذلك كل خبراته وقدراته التي اكتسبها في حي شعبي تركي، رغم معارضة المقربين له ممن يعملون في أجهزة الدولة (القضاء والشرطة) لأساليبه غير الشرعية أو قانونية، ولكنه استطاع بهذه الأساليب أن يفعل ما لم يستطعه القائمين على تنفيذ القانون بكل ما لديهم من سلطة.

وكانت ملاحظتي وسؤالي الدائم، هو كيف استطاع ماهر أن يستمر في إيمانه بإمكانية إنقاذ أبيه من الإعدام؟ بعد أن حكم على أبوه بالإعدام، وصدّق مجلس النواب على الحكم (طبقًا لنظامهم وليس شيخ الأزهر)، وبعد أن تحدد موعد للتنفيذ، وبعد أن استسلم الجميع لفكرة أن إعدام الأب أصبحت أمرًا واقعًا لا بد من التعامل معه، حتى الأب نفسه.

لتظل الفكرة الأساسية التي خرجت بها من المسلسل، هي أن الاستمرار في المعركة عامل أساسي في النجاح في كسبها، أو حتي الوصول إلى نتائج أفضل بكثير من أجل المعارك التالية.

الفكرة الأخرى التي يحاول المسلسل إيصالها إلى المشاهد، والتي أختلف معهم فيها هي محاولة تقليم أظافر القبضاي، ليس من قبل المتربعين على رأس السلطة، ولكن من المقربين له ممن يقومون على تطبيق القوانين في ظل اشتغال كبار رجال الدولة في تهريب سلاح وجرائم كبيرة عبر سلسلة من القبضايات الحقيقيين الذين يعملون لصالحهم.

 فكرة البلطجة، وقدرة البلطجية ولاد البلد، قد تمت معالجتها في الكثير من المسلسلات المصرية، ما يأتي على بالي منها الآن هو مسلسل خالد الصاوي “تفاحة آدم”، والذي يستخدم آدم فيه أيضًا كل ما وصل إليه من خبرة وقدرة ومهارة ومعرفة بجهاز الشرطة بحكم عمله لصالحهم سنوات طويلة ومعرفته بالقائمين علي الحكم، ولكن في هذه الحالة لصالحه هو والمجموعة الصغيرة التي تعمل معه، وذلك من خلال ابتزاز القائمين على الحكم، بما لديه من وقائع وتسجيلات، وكيف أن آدم ومجموعة صغيرة جدًا معه لا تتعدي أصابع اليد الواحدة استطاعت أن تلاعب نظام الحكم، وجهاز الشرطة مستخدمة في ذلك الفاسدين في هذا الجهاز.

ومن البلطجة في الدراما للبلطجة في الواقع المعيش؛ فهناك البلطجية الذين استخدمهم الحزب الوطني سنوات طوال في تنفيذ مخططاته، ولعل السلوك الأوضح منها كانت في الانتخابات بجميع أنواعها، سواء محلية أو برلمانية. وكم من بلطجية في أماكنهم وصلوا إلى المجالس التشريعية عبر بوابة الحزب الوطني. ولعل المثال الواضح في ذلك هو من دبّر خططًا لموقعة الجمل، التي استخدم فيها بلطجية الحزب الوطني جنبًا إلى جنب مع وزراء وبرلمانيين وكبار موظفين في البيروقراطية المصرية ورئيس اتحاد عمال، وساعدهم في ذلك الجهاز الأمني الذي فتح لهم الطريق للدخول إلى ميدان من الجهة الوحيدة التي كانت تحت سيطرته ناحية عبد المنعم رياض. اتفقوا جميعًا في الهدف، وهو أن انتصار الثورة خطر عليهم جميعًا ولا بد من العمل من أجل إيقاف امتداد وتعميق خروج الملايين في الشوارع، وذلك عبر فض الاعتصام في ميدان التحرير بالقوة.

وهناك البلطجية التابعين لجهاز الشرطة والذين كانوا يستخدمونهم في تزوير الانتخابات لصالح التابعين لنظام الحكم، واستخدموا وما زالوا يستخدمون حتى الآن في فض أي تظاهرات في الشارع معارضة للنظام. شاهدناهم في بداية تطور الحركة الصاعدة- التي بدأت بالخروج للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، ثم في المظاهرات المناهضة لضرب العراق، ثم انتقلت الحركة لانتقاد نظام الحكم في الداخل مع حركة “كفاية” وأخواتها- ففي يوم الاستفتاء الأسود 2005، خرج بلطجية النظام تحت إشراف الشرطة ببجاحة ليتحرشوا بالنساء، ويعرونهم حتى أمام نقابة الصحفيين، وذلك في محاولة مستميتة لإيقاف الحركة الصاعدة عبر كسر نسائها.

وإلى الآن في ظل كل قوانين تجريم الاحتجاج، وعلى رأسها قانون التظاهر كلما حاول مجموعة من الشباب عمل وقفة سلمية ولو صغيرة وحاولوا مشي عدة أمتار، فالشرطة وبلطجيتها جاهزون للتصدي لهم بكل أسلحتهم الظاهرة أو المخبأة (المواطنون الشرفاء).

وأخذ العمال نصيبهم من البلطجة المباشرة في حالات استخدام حقهم في الإضراب أو الاعتصام أو التظاهر، سواء من قبل الشرطة والجيش في السويس والإسكندرية والقاهرة….. فكم من مرة تدخلت الأجهزة الأمنية لفض اعتصام عمال الصلب في السويس، أو عمال الميناء في العين السخنة. كما قام ضابط شرطة برتبة كبيرة بضرب عمال الغزل بالإسكندرية بالرصاص الحي والخرطوش، وعندما افتضح أمرهم ساوم السادة قيادات الشرطة قيادات العمال على عدم تقديم بلاغ ضد الشرطة، مقابل عدم تقديمهم للمحاكمة بتهمة التظاهر دون تصريح[1].

وفي بعض الأحيان تحاول الشرطة أن لا تتدخل بشكل مباشر، فتوكل المهمة لآخرين سواء منها (لا يرتدون ملابسها ولا يركبون سياراتها) أو تابعين لها مثلما حدث مؤخرًا مع عمال شركة المشروعات الصناعية والهندسية في يوم 1 مايو الماضي؛ حيث يعتصم العمال المحرومين من أجورهم منذ ستة أشهر، فيخرج عليهم بلطجية في سيارة يطلقون عليهم النار، على الرغم من أن مقر الشركة ومكان الاعتصام بجوار قسم شرطة مدينة نصر ثان، وعلى الرغم من أن الاعتصام عليه تأمين كثيف من قبل قوات الشرطة  فلم يتحرك السادة ضباط القسم للإمساك بهولاء البلطجية[2].

ولم يسلم العمال من استئجار رجال الأعمال البلطجية بشكل مباشر في فض اعتصام وإضرابات العمال، فقد استأجر أبو العينين البلطجية لفض اعتصام عمالة شركته “سيراميكا كليوباترا” في السويس، ونقلهم من القاهرة إلى السويس لفض الإضراب والاعتصام وتصدى لهم العمال. وهو الإضراب الذي فضته قيادات بالجيش الثالث الميداني فيما بعد بطريقتهم ولصالح أبو العينين[3].

مؤخرًا تعرض عمال “الزيوت المتكاملة” لبلطجية من قبل صاحب العمل، لفض اعتصامهم بالقوة. اعتصام العمال يتصدى لمحاولة صاحب المصنع إغلاقه رغم مخالفة ذلك لكل القوانين، وفصلهم جميعًا، واعتراضًا على عدم دفعه لأجور العمال[4].

ناهيك عن بلطجة الشرطة التي تمارس طوال الوقت ضد كل المواطنين، من يعملون منهم في السياسة، ومن يمشون بجوار الحيط، وكلما كان المواطن فقيرًا كلما كانت الشرطة أشرس في تعذيبه وقتله، ولعل أقسام الشرطة في حلوان وشبرا الخيمة والمطرية… وغيرها خير دليل على ذلك.

كل هذه الأساليب من البلطجة وغيرها الكثير يمارسها النظام الحاكم (مؤسساته المدنية والشرطية والعسكرية)، رجال أعماله، وفي الحقيقة يستخدمون كل السلطات التي يمتلكونها لتقنين هذه البلطجة، وقلب الحقائق، واتهام كل من يعمل ضد بلطجتهم بالبلطجي.

فالعمال في مواجهتهم لكل الظلم الذي يتعرضون له، وسرقة حقوقهم عندما يمارسون حقهم في الإضراب أو الاعتصام أو التظاهر، أو حتى قطع الطريق في حال لم يستجب أحد لمطالبهم يتهمون بالبلطجة. بل ويقدمون للمحاكمة بقوانين السلطة، وتعمل السلطة القضائية على تنفيذ ما يطلب منها من خلال تفعيل نصوص، وإسقاط نصوص أخرى، فيصدرون الأحكام بالإدانة للعمال، ولا تتحرك الشكاوى والبلاغات التي يقدمها العمال ضد أصحاب الأعمال. وتدور الآلة الإعلامية المملوكة للسلطة الحاكمة وأصحاب الأعمال على شيطنة العمال البلطجية الذين يوقفون عجلة الإنتاج ويدمرون الوطن.

والباعة الجائلون الذين هم في الأساس ضحية من ضحايا هذا النظام بانحيازاته الواضحة لأصحاب رؤوس الأموال في مواجهة أغلبية الشعب المصري من عمال وفلاحين وصيادين، وعاطلين عن العمل. العاطلون عن العمل الذين لجئوا للجلوس في الشارع ساعات طويلة يوميًا في البرد والحر لكي يكسبوا قوت يومهم– على الرغم من علمنا باستخدام جزء منهم من قبل الشرطة، إلا أنهم ليسوا جميعا- بعد أن تخلت عنهم الدولة يتهمون بالبلطجة، والاستيلاء على الشارع وحرمان المارة من المشي بأمان فيه.

وطبعاً قبل كل ذلك يتهم شباب الثورة بالبلطجة والعمالة للخارج من أجل البلبلة والفوضى، وقلب نظام الحكم، وكلنا يرى ويسمع عن المهازل في محاكمتهم، أو في رميهم في المعتقلات حتى دون محاكمة، في الوقت الذي ينعم فيه مبارك وأبناؤه والعادلي  وأحمد عز… بالحرية بعد قتلهم الشباب في الميادين تحت سمعنا وبصرنا جميعًا، وبعد استيلائهم على مقدرات هذه البلد. يخرجون الآن لاستكمال مسيرتهم في النهب والسلب والقتل والتعذيب مع النظام القديم الجديد.

البلطجة فعل يمارسه النظام الحاكم بكل مكوناته، ويتهم به كل معارض لهذا النظام.


اعلان
 
 
فاطمة رمضان