ما لم يقله السيسي في حديثه الشهري
 
 

أذاعت القنوات الفضائية المصرية أمس، الثلاثاء، خطابًا للرئيس عبد الفتاح السيسي بعنوان “حديث الرئيس”. وهو الخطاب الذي تعهد السيسي في شهر فبراير الماضي، أن يتكرر بصفه شهرية، غير أن ٣ أشهر مضت بين الحديث الأول والثاني.

وتطرق السيسي أمس إلى نقاط رئيسية عدة، من بينها: قضايا الفساد، ومكافحة الإرهاب، والوضع في سيناء، ومعضلات إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، والوضع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتطورات محور قناة السويس، والمؤتمر الاقتصادي، وقضايا الإسكان والطرق والطاقة والوقود والمواد التموينية. إلا أنه من الملاحظ غياب عدد من القضايا التي وردت في حديثه الأول، وكذلك عدد من النقاط المتوقع إثارتها في حديث الرئيس.

خلا حديث الرئيس، أمس، من الإشارة إلى الانتخابات البرلمانية والحوار مع القوى السياسية، وملف المعتقلين السياسيين، وكذلك غاب الحديث عن السياسة العامة للدولة في مقابل التركيز على تفاصيل المشروعات الاقتصادية والتنموية.

الانتخابات البرلمانية

الدكتور محمد أبو الغار- رئيس الحزب “المصري الديمقراطي الاجتماعي”-  قال لـ«مدى مصر» إن: “النظام السياسي بمجمله يرى أن البرلمان المقبل سيُعَقِد المسيرة ولن يسهلها بالنسبة لهم”.

يرى أبو الغار، أن هناك تخوفًا بشكل عام لدى أجهزة الدولة من مجلس النواب المقبل، فيقول: “البرلمان المقبل، أيًا كان شكله أو طريقة انتخابه، سيضم نوابًا لهم حصانة وبعضهم سيكون لهم آراء مخالفة لرأي الدولة وسيعبر عن هذه الآراء داخل مجلس النواب أو أمام الإعلام وسيحرج الدولة”. يرجع أبو الغار الصمت عن قضية إجراء الانتخابات في حديث السيسي لهذا السبب، غير أنه يستدرك قائلًا: “إن رئيس الجمهورية نفسه مقتنع بأهمية إجراء الانتخابات وذلك للكثير من الأسباب الخارجية والداخلية”.

يشير أبو الغار في النقطة الأخيرة التي ذكرها، إلى الانتقادات الدولية إزاء عدم إكمال الاستحقاقات الانتخابية، والتي عطلها حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية عدد من المواد الواردة بقوانين انتخاب مجلس النواب.

وعلى النقيض من الصورة الظاهرة بعدم الاهتمام الرسمي بإجراء الانتخابات البرلمانية أو التخوف منها، نشرت صحيفة «الشروق» في عدد اليوم- نقلًا عن مصادر قضائية- أن هناك مشروع قانون جديدًا، وافقت عليه المحكمة الدستورية العليا، بإلغاء القرار الجمهوري بقانون رقم ٢٦ لسنة ٢٠١٤، الذي كان يحدد مواعيد ملزمة للمحكمة الدستورية لسرعة الفصل في الطعون على دستورية قوانين الانتخابات النيابية الثلاثة، وأضافت المصادر- بحسب «الشروق»- أن إصدار هذا القانون يضمن انتخاب البرلمان في أسرع وقت دون انتظار الحكم في دستورية القوانين.

يُعلق أبو الغار على هذا القانون، قائلًا: “إنه سيكون كارثة حقيقية”، ويضيف: “هذا القانون قد يتسبب في إلغاء الانتخابات أثناء إجرائها إذا ما صدر حكم من “الدستورية العليا” بعدم دستوريته، ومن الوارد أن يتم حل البرلمان بعد فترة قصيرة من انتخابه، بما يعني إعادة العملية برمتها لاحقًا، والاستمرار لفترة أطول دون سلطة تشريعية”.

يُفضّل أبو الغار أن تتم العملية الانتخابية بترتيبها الطبيعي بعد التأكد من دستورية قوانين مجلس النواب لضمان عدم الطعن عليها، على أن تبدأ الانتخابات في سبتمبر المقبل مع احتمالية إلغائها لاحقًا أو حل البرلمان.

قوائم العفو عن المعتقلين في قضايا سياسية

غاب عن حديث السيسي، أمس، أية إشارة إلى ملف المعتقلين في قضايا سياسية، رغم إشارته إلى هذه القضية في حديثه السابق في فبراير الماضي؛ حيث قال: “أثناء لقائي مع الشباب والإعلاميين تحدثنا عن المحتجزين من الشباب، وطلبت منهم تفقد جميع السجون وإعداد قائمة بأسمائهم للتنسيق مع وزارة الداخلية والعمل على إطلاق سراحهم، وخلال الأيام القليلة المقبلة سيتم الإفراج عن الدفعة الأولى من شبابنا المحتجزين”.

كان وفد من “شباب الإعلاميين”، قد التقى السيسي في شهر ديسمبر الماضي، وتطرقوا خلال اللقاء لقضية المعتقلين في قضايا تظاهر، وطلب منهم السيسي تقديم قوائم بالمحبوسين على ذمة هذه القضايا.

وعلّق أحد أعضاء اللجنة- الذي تحفظ على ذكر اسمه- قائلًا: “إن اللجنة قدمت بالفعل قائمة بالمحبوسين في قضايا تظاهر، تم إعدادها بالتعاون مع جهات حقوقية معنية بملف السجناء والمعتقلين السياسيين”، وأضاف: “هذه القوائم كان بها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين متهمين في قضايا عنف، وآخرون محكوم عليهم في قضايا تظاهر معروفة مثل “الاتحادية والشورى”، غير أنه لم تصدر ضدهم أحكام نهائية مما يمنع رئيس الجمهورية من إصدار قرار عفو لصالحهم”.

وأكمل: أنه تمت تصفية هذه القوائم إلى ٢٥٠ اسمًا من المحبوسين احتياطيًا على ذمة تحقيقات النيابة وصدر قرار بالإفراج عنهم على ذمة القضايا بالفعل.

كانت قرارات عدة من النائب العام، قد صدرت خلال الفترة بين يناير الماضي والشهر الحالي، بالإفراج عن عدد من المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا تظاهر، وما وصفته النيابة في بياناتها بـ”أحداث عنف” على دفعات، فصدر قرار بالإفراج عن ١٠٠ طالب في ٢٢ يناير الماضي، وقرار ثان بالإفراج عن ١٢٠ من الطلاب وكبار السن في ٢ مارس الماضي، وقرار ثالث بالإفراج عن ٤٤ محبوسًا احتياطيا في ٢٤ أبريل الماضي، وآخر تلك القرارات كان في ٢٢ أبريل الماضي بالإفراج عن ١٧٤ محبوسًا احتياطيًا.

وأضاف عضو لجنة شباب الإعلاميين، أن هناك قوائم أخرى يتم إعدادها بمن صدرت ضدهم أحكام نهائية في قضايا تظاهر لإصدار قرار عفو لصالحهم.

وفي السياق نفسه، نشرت صحيفة «الشروق» تقريرا لـ “الأمن الوطني”، اطلعت عليه الصحيفة عن طريق “مصدر حكومي واسع الاطلاع” دون الحصول على نسخة منه. وجاء في تغطية «الشروق» أنها علمت من مصدر أمني أن هناك توصيات واضحة “لا تحتمل التأويل” تم توجيهها لكل أجهزة الدولة بما في ذلك مؤسسة الرئاسة، لرفض مقترحات يجرى نقاش حولها بشأن الإفراج عن بعض النشطاء السياسيين تنفيذًا لوعد رئاسي علني متكرر، في الوقت الذي تلقت فيه الرئاسة نصائح بالإعلان عن العفو عن هؤلاء النشطاء مع حلول الذكرى الأولى لتولي رئاسة البلاد.

وأضافت «الشروق» في تغطيتها، أن المصدر قال: “إن أي عمليات إفراج الآن أو تخفيف لقبضة الأمن مع النشطاء سيفتح شهية هؤلاء

إلى العودة للمطالبة بتعديل قانون التظاهر، وهو الأمر الذي لا يمكن لأي عاقل في أي من الأجهزة الأمنية أن يقبل به أو يعمل في ظله”.

القليل من السياسات العامة.. الكثير من المشروعات

تطرق السيسي خلال حديثه، أمس، والذي استمر قرابة الساعة، إلى العديد من المشروعات الاقتصادية والقضايا المحلية مثل: التموين والوقود والكهرباء، في حين خلا الحديث من استعراض سياسات عامة سواء لإدارة الاقتصاد أو الوضع السياسي، وهو ما لفت نظر عمرو عادلي- الباحث بمركز “كارنيجي” للشرق الأوسط.

قال عادلي إن ذلك ليس جديدًا، وإن هناك ميلا لدى الرؤساء عمومًا في مصر إلى “النزول بالسياسة العامة إلى إجراءات تطبيق السياسة”، وهو ما يراه عادلي قضايا شديدة التفصيل يمكن أن تأتي عبر بيان أو تصريح على لسان الوزراء وليس حتى رئيس الحكومة.

وأضاف: “هذا الطابع لحديث الرئيس ومن سبقوه من رؤساء هو نتيجة لعدم وجود كوادر تضع سياسات عامة، وذلك لأنه لا يوجد ساسة من الأساس. وهذا جزء من ميراث النخبة الحاكمة البيروقراطية الأساس والمنشأ”.

ولفت عادلي إلى أن “حوار الرئيس” أوصل إليه انطباعًا أن السيسي كان يحاول التأكيد أن هناك إنجازًا ما يحدث، وهو ما يراه محاولة للتعامل مع ما وصفه بـ “إحباط ما بعد المؤتمر الاقتصادي”.

يرى عادلي أن هناك إحساسًا عامًا بالتململ سواء بين المواطنين أو رجال الأعمال، وهو ما يُعبر عنه انتقادات عدد من الإعلاميين، القريبين من مجتمع الأعمال، للجهاز الإداري للدولة أو الأداء التشريعي المتباطئ، وبخاصة مع عدم وجود أحداث كبرى منتظرة بعد انتهاء المؤتمر الاقتصادي، بخلاف افتتاح “محور قناة السويس”، الذي يراه عادلي حدثًا احتفاليًا أكثر من كونه حدثًا يعود بفائدة اقتصادية عاجلة.

يشرح عادلي، أن حديث السيسي عن الجهاز الإداري للدولة واحتياجه للإصلاح له دلالة مهمة. فتُعد طريقة التعامل مع الجهاز الإداري للدولة هي إحدى أكبر التناقضات لدى التحالف الحاكم.

ويرى أن السلطة الحالية قامت على تحالف بين عدد من أجهزة الدولة البيروقراطية التي لعبت دورًا رئيسيًا في إسقاط حكم الإخوان المسلمين من الداخل، وبالتالي شهدت الفترة اللاحقة على الإطاحة بمرسي وحكومته محاولات كلاسيكية لضمان هذه الكتلة البيروقراطية عبر إجراءات عدة من بينها زيادة الأجور وغيرها.

غير أن هذه السياسات، التي يصفها عادلي بالمحافظة، تتناقض مع ما يراه السيسي إصلاحات ضرورية لإعادة بناء “السلطوية” في مصر.

يقول عادلي: “مشكلة الجهاز الإداري ليست الفساد، فيمكن دائما تنظيم هذا الفساد وتحقيق معدلات نمو مرتفعة حتى مع وجوده”، ويستدل على ذلك بعدد من الدول المختلفة التي لديها معدلات نمو مرتفعة مع وجود نسب فساد عالية كذلك. غير أنه يرى أن أزمة النظام الإداري في مصر هي عدم كفاءته بسبب محدودية قدراته البشرية. وهو ما يعلق عليه بأنه نتاج طبيعي بسبب التعامل مع هذا الجهاز منذ بدايته كـ “هيكل لخلق وظائف قليلة التكلفة”، وليس جهازا لإدارة الاقتصاد.

يستكمل عادلي حديثه بأن جذب استثمارات جديدة أو تنشيط الاقتصاد، وهو ما يُعول عليه السيسي، يستدعي بالضرورة مهاجمة أجزاء من هذا الجهاز البيروقراطي، بالتخلص من بعض كوادره وضخ دماء جديدة داخله، وهو ما يستدعي الصدام مع البيروقراطية التي تمثل جزءًا أساسيًا في تحالف السيسي الحاكم.

ويضيف: “السيسي يسعى للدخول في شراكات واسعة مع رأس المال الكبير ولكن مع معضلة الجهاز البيروقراطي للدولة تصبح المهمة غير ممكنة، وحتى هذه اللحظة لا تزال صيغ تعامل السلطة مع هذه الإشكالية غير واضحة، فلا يوجد غير استخدام قدرات الدولة لحشد موارد مالية لمشاريع اقتصادية تهدئ الاحتقان المجتمعي”.

يصف عادلي الوضع الحالي بأنه “النسخة غير المنتهية من الناصرية”، وهو ما يدرك السيسي جيدًا أن عليه التخلص منه لدفع النمو الرأسمالي في مصر، إلا أنه يفتقد وجود مساحات للحركة دون حدوث اضطرابات قد لا يتحمل نتائجها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن