المُستعرِب – الجزء الثاني
 
 

هذا هو الجزء الثاني من الحوار الذي أجرته هديل غنيم مع تريفور لوجاسيك، وهو في الحقيقة حوارين، أولهما كان في بيته، والثاني كانت حاضرة فيه أثناء حواره مع طلبة الثانوية في فصل المعلمة كيتي جلوبكر، التي بدأنا معها- ومعهم-  في التعرف على لوجاسيك..

في الجزء الأول (الذي يمكنكم قراءته من هنا) تعرفنا على بداية لوجاسيك مع الترجمة، وبداية تعرفه على أعمال نجيب محفوظ، وترجمته لرواية “زقاق المدق”، التي اشتهر بترجمتها بعد ذلك، وتحدث عن معاييره في الترجمة ونظرته لها، وعن ما لفت نظره في أعمال محفوظ.

وفي هذا الجزء تستكمل هديل الحديث، لنتعرف على الخلفية التي أتى منها لوجاسيك، على أن نستكمل في الجزء الثالث تعرفنا على رؤيته للكثير من الكُتاب والأدباء المصريين والعرب الذين عاصرهم وتعامل معهم واشتبك مع أعمالهم.

مرحلة التكوين: هكذا أصبحت مستعربًا

هديل غنيم: ذكرت أنك بدأت تبحث عن روايات عربية بعد تخرجك في الجامعة، ألم تكن قد تعرفت على الأدب العربي المعاصر أثناء دراستك للعربية في جامعة لندن؟

تريفور لوجاسيك: أثناء تحضيري لرسالة الدكتوراه قرأت دراسات عن قضية القومية العربية لمنظرين سياسيين مثل: “ساطع الحصري” و”قنسطنطين زريق”، الذي عملت تحت إشرافه بعد ذلك في الجامعة الأمريكية ببيروت، كما قرأت للبعثيين، وكانوا جميعًا ينادون بالوحدة العربية في وجه التهديد الصهيوني. قبل ذلك، كانت دراستي في مرحلة البكالوريوس متركزة على اللغة العربية الكلاسيكية، وكل ما فعلته آنذاك هو التحضير لذلك الامتحان النهائي الرهيب، ولم تكن الروايات المعاصرة جزءًا من منهج الدراسة.

هديل: وما رأيك في فكرة الوحدة العربية؟

لوجاسيك: لو كنت عربيًا لأيدتها، ولضايقتني الغيرة الموجودة بين البلدان العربية وصراع المصالح فيما بينها.

هديل: ألم تقابل أي أشخاص من بلدان عربية خلال فترة دراستك في لندن؟

لوجاسيك: بلى؛ كونت صداقة وطيدة في تلك السنوات الأولى مع سلمى الجيوسي، وفي ما بعد اشتركت معها في ترجمة رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإيميل حبيبي. وما زلنا نجد سبلًا للقاء كلما أمكن، كل صيف أحيانًا.

هديل: ألم تساعدك تلك الصداقة في مشكلة غياب الشعور بالألفة مع الثقافة العربية التي تحدثت عنها سابقًا؟

لوجاسيك: حتى بالرغم من معرفتي الجيدة بها؛ فإننى لسبب ما للأسف لم أستطع فهم الثقافة العربية. بالأساس ما كونته خلال دراستي للغة العربية في جامعة لندن، ثم عملي في الشرق الأوسط هو احترام كبير للعرب، لكنني في الحقيقة لم أفهمهم، كما أنني حقيقة لم أفهم مدى عمق القضية العربية الإسرائيلية. حاولت جديًا، ولكنني لم أكن أفهم خطورة الموضوع بشكل كامل. كان العرب جادّين إلى حد بعيد جدًا بسبب استشعارهم خطر التوسع المحتمل الذي تسعى إليه إسرائيل، وبسبب الظلم التام الذي تعرض له الفلسطينيون. ولكنني لم أفهم نهائيًا لماذا لا يكفون عن ذكر الصهيونية وما إلى ذلك، لأنني طبعًا، وبسبب خلفيتي في بريطانيا كما تعلمين، كنت أرى تأسيس “إسرائيل” كتحقق بديع للوعد الإلهي، وكنت أرى أن الأمر في النهاية سيكون في صالح الجميع، بما فيهم من ينتمون للشرق الأوسط.

هديل: هل “وعد بلفور” (اللورد بلفور) أمر معروف بالنسبة للشعب الإنجليزي؟

لوجاسيك: كلا. إن ما يعرفه الغرب عن تاريخ تأسيس إسرائيل ضئيل لدرجة مدهشة.

هديل: متى كنت تدرس العربية؟

لوجاسيك: بدأت عام ١٩٥٥ وتخرجت عام ١٩٥٨؛ فكنت هناك في الوقت نفسه الذي كانت فيه الأزمة المصرية تحت حكم عبدالناصر (العدوان الثلاثي) أزمة دولية، وكانت لدى أفكار عن الانضمام للخدمة في الخارجية. كان واضحًا الفائدة من دراسة اللغة العربية في ذلك الوقت.

هديل: هل كانت لديك موهبة خاصة فيما يتعلق باللغات؟

لوجاسيك: تعلمت اللغتين الفرنسية والألمانية في المدرسة، وأثناء عامي التجنيد في البحرية كان لدي اختيار أن أدرس اللغة الروسية من خلال برنامج لغات تمنحه البحرية. كنت أستمتع بالآداب، وليس اللغات، إذ كنت أكره تعلم القواعد النحوية جدًا. وبعد دراسة الروسية، تساءلت عما يجب أن أفعل الآن، وخطر لي أن دراسة اللغة العربية قد تكون فكرة جيدة.

كان عمري خمس سنوات حين اندلعت الحرب العالمية الثانية وكان أبي يخدم في البحرية الملكية. كانت سني رغم صغرها كافية لإدراك معنى الحرب، ومعنى أن هناك احتمالًا ألا ينجو أبي بسببها، وطبعًا كان النازيون يسقطون القنابل فوقنا طوال الوقت في المكان الذي كنت أعيش فيه في إنجلترا، في “كِنت”. فربما أعطتني نشأتي وطفولتي حسًا غير عادي بالشؤون والمشكلات الدولية. كانت القنابل تسقط على حينًا وكانت لدينا مخابئ في المنزل وفي الحديقة نحتمي فيها من الموت المحدق.

هديل: إذا كانت خبرة الحرب العالمية الثانية في طفولتك وراء اهتمامك بدراسة اللغات الألمانية والفرنسية والروسية، فهل كانت أزمة قناة السويس وراء رغبتك في دراسة صعود القومية العربية؟

لوجاسيك: بالأساس، نعم. كانت تلك القضية مهمة جدًا من وجهة النظر البريطانية؛ لأنها مثلت تحديًا للقيم البريطانية، مثل حق بريطانيا في امتلاك الشركة العالمية لقناة السويس البحرية. وكما تعلمين، كان هناك عدد كبير من المواطنين البريطانيين والفرنسيين يعيشون في مصر في ذلك الوقت، بحثًا عن دفء الشمس بالتأكيد، وبحثًا عن حياة لطيفة، حتى جاء التأميم المصري ليهدد كل ذلك. وبالطبع فإن جمال عبدالناصر كان دكتاتورًا، مهما بلغت شعبيته في بعض المناحي، ومهما قدم هو نفسه كذلك. وأنا كنت بالغريزة مضاد بشدة لأي دكتاتور؛ لأنني عشت فترة الحرب العالمية الثانية التي قامت بسبب أدولف هتلر وموسوليني، وبسبب حقيقة أنه لم يعرف أحد كيفية السيطرة على هؤلاء المجانين. فكوني بريطانيًا، تربيت على الاعتقاد بأنه لا ينبغي لمن يرغب في السلطة أن يحصل عليها. وناصر كان نموذج الدكتاتور، كان يعتقد أنه يعلم ما هو صائب وكان يرغب أن يطبق حدسه على المجتمع كله بغض النظر عن أي شيء أو أية معارضة. كانت له بعض المميزات الجيدة، ولكننا في بريطانيا ننظر للشخص الذي يستولي على السلطة لنفسه، مثل جمال، باعتباره مصدر محتمل للمشكلات.

هديل: أنت أيضًا كنت تحب بلدك، فهل كنت قوميًا؟ أم أن رفض فكرة الوطنية كان شعورًا منتشرًا في سنوات ما بعد الحرب العالمية؟

لوجاسيك: كنت أعي تمامًا بأن هناك ثمة خللًا في العالم بشكل عام، وأن السبب يعود في جزء منه لدور البريطانيين في التأثير والسيطرة على مناطق عدة.

هديل: هل كانت كتابات القوميين العرب التي درستها تتناول التهديد الصهيوني بشكل أساسي، أم كانت تتناول الإمبريالية الأوروبية أيضًا؟

لوجاسيك: بالنسبة لهم كان الأمر واحدًا، الصهيونية والإمبريالية مثلتا تهديدًا مشتركًا.

هديل: كان ناصر مثال الدكتاتور بالنسبة لك، فكيف كانت النظرة بالنسبة للصراع على فلسطين؟ من كان الخصم هناك؟

لوجاسيك: ما حدث هو أنه مع مرور الوقت أثناء الحرب العالمية الثانية شهدت شعوب العالم أجمع الوحشية التي تعرض لها اليهود؛ غرف الغاز السام وما إلى ذلك. وما إن حل عام ١٩٤٥، وبدأنا نستعيد تدريجيًا بعض المناطق التي احتوت على معسكرات اعتقال اليهود، سرعان ما أذيعت تلك المشاهد على شاشات التليفزيون. وكانت لديّ في ذلك العام وسائل متابعة برامج الأخبار من راديو وتليفزيون. وكان الجنود المنتصرون الأمريكيون والإنجليز هم أول من رأى تلك المعسكرات وكان معهم كاميرات. تلك الصور البشعة للمقابر الجماعية وأدلة التعذيب شكلت جزءًا من ذاكرتي منذ شاهدتها حين كان عمري ١٢عامًا.

هديل: لا بد أن ذلك خلف لديك شعورًا كبيرًا بالتعاطف وبالذنب.

لوجاسيك: كبير جدًا. بكل تأكيد. وكانت الجماهير الإنجليزية على علم بالهجمات التي يشنها الوطنيون الفلسطينيون ضد الانتداب البريطاني الذي شجع  الهجرة اليهودية إلى هناك.

هديل: وطبعًا تمنى الفلسطينيون أن يفوز الألمان في الحرب!

لوجاسيك: بالتأكيد. أنا أعتبر من القلائل الذين قابلوا “الحاج أمين الحسيني”- أحد الأمور القليلة التي لا أخجل من التباهي بها، الأمر الثاني الذي أتباهي به هو مصافحتي “فاتن حمامة” حين دعاني “يوسف إدريس” لحضور الحفل الافتتاحي لفيلم “الحرام” عام ١٩٦٥-. قد لا تعلمين ذلك، ولكن “الحسيني” تم تعيينه من قبل الإنجليز، وكان يعد شخصية معتدلة ومتعقلة، ولكنه في نهاية الأمر ضاق ذرعًا بسياسة بريطانيا التي سمحت بهجرة يهودية واسعة النطاق، وبدافع من اليأس انضم إلى القوات العراقية المعادية محاربًا الإنجليز حين فاض به الكيل. ثم رحل بعد ذلك إلى ألمانيا حيث تم التقاط صورته الشهيرة وهو يصافح هتلر.

هديل: في رواية “زقاق المدق” عبرت بعض الشخصيات المصرية في الرواية عن التأييد نفسه للألمان في الحرب العالمية في مواجهة المحتلين البريطانيين.

لوجاسيك: بالتأكيد، فـ “عدو عدوي صديقي”. بالمناسبة، لقد قام والدي بمصافحة تشرشل،  وصافحت أنا أمين الحسيني الذي قام بدوره بمصافحة هتلر. إنها دائرة غريبة من العلاقات!

هديل: وَصَفَكَ “دنيس جونسون دايفيز” بالمُستعرب، وليس المترجم أو الدارس فحسب. ماذا يعني المُستعرب؟ وكيف أصبحت كذلك؟

لوجاسيك: في بعض الأحيان، من وجهة النظر الأمريكية، يرتبط وصف المستعرب بدلالات سيئة؛ ذلك لأن المفهوم هنا إنك إذا كنت مستعربًا فأنت محب للعرب ومؤيد للجانب العربي من الصراع، وذلك في مقابل أن تكون أكثر عقلانية، وبالتالي على جانب إسرائيل. وقد تم تصنيفي على أني متعاطف مع فلسطين، خاصة من خلال ترجمات الأدب العربي التي قمت بعملها والتي تعبر عن وجهة النظر العربية في الصراع العربي الإسرائيلي.

هديل: وهل لا تزال تلك التقسيمات لها أهمية؟

لوجاسيك: بالطبع؛ وتبين الواقعة الأخيرة التي حدثت مع ستيفن سلايطة في جامعة “إلينوي الجنوبية” ما يحدث وراء الستار في العديد من الجامعات. أحيانًا يخطر لي أن البعض ممن لديهم أجندة صهيونية يودون لو أنني استقلت من عملي أو تقاعدت.

كيتي جلوبكر (في الفصل):  لم يفصح أي من الطلبة هنا عن رغبتهم في أن يصبحوا مستعربين. هل يمكن أن تشرح لنا ما (أو من) هو المستعرب؟

لوجاسيك: حسنٌ، إن كنتم سمعتم عن كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد، لعرفتم كيف وصف المستشرقين كجماعة سيئة للغاية، ووصف الاستشراق كمهنة مخزية مليئة بالتحيز الغربي ضد وجهة النظر العربية والإسلامية فيما يخص الدين والحياة. لذا، يستخدم “المُستعربون” ذلك اللفظ لتمييز أنفسهم عن المستشرقين، إلا أنني حين بدأت دراساتي كنت أعتبر نفسي مستشرقًا، إذ لم يكن لهذا اللفظ معنىً سلبيًا في ذلك الوقت. ولكننا اليوم نَصِف أنفسنا بالمُستعربين إذا ما كانت نظرتنا تجاه العالم العربي متعاطفة أو محايدة في مقابل النظرة السلبية، وإذا كانت نظرة واقعية وليست رومانسية. فعادة ما يلام المستشرقون على كون نظرتهم للعالم العربي إما مفرطة في السلبية أو مفرطة في الرومانسية.

كيتي: وماذا يفعل المُستعربون؟

لوجاسيك: يحاولون تعلم اللغة العربية، ثم يحاولون استخدام ذلك بشكل من الأشكال سواء في مجال الصحافة أو الترجمة. ولكن بالطبع يحمل اللفظ أيضًا دلالة أن المستعرب شخص يميل بشكل إيجابي إلى الثقافة العربية والمجتمع العربي. فهي كلمة لا توحي بمواجهة سلبية.

حققت “زقاق المدق” شهرة نسبية بعد صدورها، لا بين الجمهور العام من القراء في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بين صفوف دارسي الأدب العربي الذين لم يكونوا على دراية بأن هناك روائيًا على مستوى عال- مثل نجيب محفوظ- موجود في العالم العربي. أدهشتهم الرواية. كان عملي التالي هو ترجمة رواية “عودة الطائر إلى البحر” لحليم بركات، وبها وجهة نظر مؤيدة للفلسطينيين، وهي شيقة جدًا؛ إذ تتناول حرب ١٩٦٧ ويجدها القراء مفيدة جدًا في تفهم الكثير عن شعوب وقضايا الشرق الأوسط. دائمًا ما أنصح الطلبة بقراءة تلك الرواية، وعادة ما يصرح من يقرأها بأنها بالفعل غيرت من وجهة نظره. أنصحكم أيضًا بقراءتها؛ فهي عمل غاية في الأهمية بالذات وأن العالم العربي ما زال عالقًا في المشكلات الناجمة عن حرب ١٩٦٧.

كيتي: قلت لنا إنك اخترت نجيب محفوظ لأنك أردت أن تتعلم المزيد عن الثقافة العربية، ثم قلت بعد ذلك أن بعض ما قرأت بدا لك عالميًا؛ بمعنى أنه قد يحدث في أي مكان في العالم. هل يمكنك أن تحدثنا عن تلك الخاصية في الأدب التي تستطيع أن تفتح نافذة للقارئ على ثقافة بعينها؟ معظم الناس لا يقرأون الأعمال مترجمةً. [موجهةً الكلام إلى الطلبة] أليس كذلك؟ أنا شخصيًا لم أقرأ الكثير من الترجمات. هل نقرأ مثل تلك الروايات لكي نتعلم شيئًا عن أماكن أخرى، أم أن هؤلاء في النهاية مثلنا تمامًا؟

لوجاسيك: لقد نشأت في بريطانيا، ولم تكن بريطانيا في ذلك الوقت مجتمعًا عنصريًا بشكل متعال أو بغيض، ولكنه كان مجتمعًا أغلبه في بياض الزنبق. وكان هناك عدد قليل جدًا من ذوي البشرة الملونة من أصول إفريقية أو شرق أوسطية يعيش في بريطانيا في ذلك الوقت. ورغم أن الشعب البريطاني لم يكن متعصبًا ضد الأجناس الملونة؛ فإنه لم يفهمهم أيضًا، ولذلك كانت النظرة تميل إلى السلبية تجاههم في مجتمعي. وكان هناك استخدام لبعض المصطلحات السلبية في وصف ذوي البشرة الملونة، بما فيهم المنتمون للشرق الأوسط. إذن فقد نشأت في مجتمع حيث كنت مدركًا لتلك السلبية التي يكنها تجاه المنتمين لثقافات أخرى، وقاومت ذلك. فأنا مقتنع بأننا جميعًا بشر، وأحد أهدافي من كوني مستعربًا وتقديم الأدب العربي، هو تذكير الناس بذلك ولأظهر لهم كيف أننا بالفعل جميعًا نشبه بعض. قد تختلف درجات لون بشرتنا، وقد يبدو أن قيمنا مختلفة، ولكن في الحقيقة فإن قيمنا الأساسية متشابهة.

اعلان
 
 
هديل غنيم