نديم منصور: عدم اهتمام الإعلام بالاحتجاجات الاقتصادية لا يعني أنها قلّت
 
 

لم يكن الهتاف للعيش والعدالة الاجتماعية وليد لحظة اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، بل ربما كان المحرك الرئيسي لها، ليس فقط في 2011، ولكن منذ تكونت حركة احتجاجية قوية غذاها “عمال المحلة” منذ عام 2006،  ضد السياسات الاقتصادية المجحفة التي اتبعها نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. نديم منصور- المدير التنفيذي للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية- يلقي الضوء على التحديات التي تواجهها الحركة العمالية في مصر، والصراع من أجل العيش والعدالة الاجتماعية.

مدى مصر: نادت الثورة بالعدالة الاجتماعية في أول مطالبها، لماذا لم تعد إذن المعركة الأولى للثورة بعد الإطاحة بمبارك؟ لماذا حل صراع الهوية بين الدولة المدنية والدينية محل مطالب العدالة الاجتماعية في المجال العام؟

Nadeem Mansour

Nadeem Mansour

نديم: أعتقد أن هذا محل اختلاف، فالمجموعات السياسية التي كانت في السلطة أو الأحزاب أو الإخوان والسلفيين والمجموعات الليبرالية، نجحوا في أن يحولوا النقاش في وسائل الإعلام المختلفة، وفي أوساط الطبقة الوسطى تجاه الصراع على مدنية أو إسلامية الدولة. ولكن ما أراه من خلال عملي أن الصراع الحقيقي حول العيش والعدالة الاجتماعية والحد الأدنى للأجور، لم يقل ولم يتوقف أبدًا. المشكلة أن هؤلاء نادوا بهذه المطالب في الميدان ولم يستطيعوا تنفيذها لأسباب كثيرة، منها أنهم لا توجد لديهم أحزاب تتحدث باسمهم، ولا وسائل إعلامية تنقل أفكارهم، فكل الإعلام الخاص مملوك لرجال الأعمال الذين يواجهون مشكلات مع الحركات العمالية في مصانعهم وشركاتهم. 

لو نظرنا لطبيعة الاحتجاجات التي اندلعت في الأربع سنوات الأخيرة، سنجد أن معظمها مرتبط بالاحتجاجات حول المطالب الاقتصادية والاجتماعية. لدينا بالمركز مرصد للاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية، في 2013، على سبيل المثال، تجاوز عددها الخمسة آلاف احتجاج. بالمقارنة بأي رصد للاحتجاجات السياسية، ستكون الاحتجاجات الاقتصادية أكثر من حيث العدد وأكبر من حيث عدد المحتجين. إذا كانت أخبار هؤلاء لا تتصدر الإعلام الرئيسي، فلا يعني هذا بالضرورة أن المطالب قلت أو أن المعركة قد خفت حدتها. هي مطالب أكثر تعقيدًا تتطلب الكثير من الوقت والتطوير الحقيقي وليست واضحة وسطحية مثل أسئلة أخرى مباشرة لها علاقة بإسلامية أو مدنية الدولة أو الانتخابات أو أية قضايا سياسية أخرى. وهذا هو دورنا في المحافظة على علاقة قوية بهذه المطالب التي كانت جزءًا أساسيًا من المشكلة الاجتماعية في مصر، ومحكًا أساسيًا أيضًا لأي استقرار يطمح لإيجاد حلول بعد 25 يناير. عاجلًا أو آجلًا، مهما تزايد وجود تحديات مثل الإرهاب أو غيره، لا بد من حل للمشكلات الهيكلية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية.

مدى: كيف مثّل غياب الدعم الحزبي والسياسي والإعلامي اللازم للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عائقًا أمام عملكم بالمركز؟

نديم: عملنا أن نساعد الفقراء والمهمشين، وبالتالي غياب الدعم متوقع. لم يكن التجاهل سيد الموقف طوال الوقت، كانت درجات الاهتمام بهذه القضايا تعلو وتهبط مع الوقت. جزء من دورنا كمقدمين لخدمة قانونية وبحثية وإعلامية، وشراكتنا مع النقابات والمجتمعات المحلية هو مساعدتهم في الوصول إلى حلول لمشكلاتهم وقضاياهم على المستوى المحلي وعلى المستوى المجتمعي الأوسع، من حيث إيصال مشكلات هؤلاء للإعلام. في قضية الحد الأدنى للأجور، على سبيل المثال، لم تكن القضية مطروحة من الأساس قبل أن نقيم الدعوى من أجل تطبيق الحد الأدنى. آخر حد أدنى للأجور كان في عام 1982 على ما أتذكر وقدر بحوالي 34 جنيهًا. حينما أقمنا الدعوى كانت الفكرة جديدة تمامًا، وأقيمت بالمشاركة مع عمال مستفيدين من تطبيق حد أدنى للأجور. تم عمل دراسة وحملة على شبكة الإنترنت وحملة مع العمال؛ حيث لم تكن هناك أية نقابات مستقلة وقتها، ونجحنا في الدعوى ورفعنا الحد الأدنى من 34 جنيهًا إلى 400 جنيه، واستمررنا في الضغط ليصل إلى 700 بعد الثورة، والآن 1200 جنيه، وما زلنا نطالب بزيادته. فكرة أن نضع حدًا أدنى للأجور يقدر بـ 1200 جنيه كمطلب من مطالب الثورة تحولت من مطلب لعامل في مصنع إلى قضية عامة. جزء من اهتماماتنا أن نوسع قضية معينة داخل شركة كشركة “غزل شبين”، التي تم بيعها لمستثمر هندي تعتبر استثماراته في الأصل منافسة للشركة ذاتها، وشراؤه لها بثمن رخيص وبشكل غير قانوني، ليدمر المعدات ويقلل الإنتاج في صالح إنهاء المنافسة مع منتجاته، ونحولها إلى قضايا الفساد التي تحيط بخصخصة شركات القطاع العام. القضية دفعت الحكومة لإصدار قانون “حماية العقود” الذي نرى أنه غير دستوري وقمنا بالطعن في دستوريته أمام القضاء.

في 2012، عملنا مع مجموعة من العمال والفلاحين أثناء كتابة الدستور لإصدار وثيقة سميناها “العمال والفلاحون يكتبون الدستور”. فبينما احتدم الصراع حول إسلامية أو مدنية الدولة ودور المؤسسة العسكرية وصلاحياتها، وسادت في المجال العام نغمة الذهاب للعمال والفلاحين لتوعيتهم بحقوقهم، قررنا نحن الذهاب للعمال والفلاحين لسماع ما يريدون كحقوق لهم. ذهبنا إلى 22 محافظة وتناقشنا مع الآلاف. حينما تمت صياغة أحلام الناس بشكل قانوني وجدنا أنها تكاد تكون مماثلة للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعهود التي لها علاقة بالصحة والعمل والمياه. القدرة على مساعدة الناس في مجتمعاتها المحلية ومساعدتهم للوصول إلى مستويات عليا في صناعة القرار، والتي هي جزء أساسي من حل مشكلات هؤلاء، هي جزء من عملنا.

مدى: لكن بالتأكيد هناك مشكلات داخلية بنيوية داخل النقابات والمجموعات المحلية تلك، بعيدًا عن العوامل الخارجية، أليس كذلك؟

نديم: النقابات ضعيفة بالطبع لأنها حركة وليدة، وتتم محاربتها من كل الجهات طوال الوقت ونحن لا نملك ثقافة التنظيم. الحركة العمالية النقابية هي الحركة الأكثر قدرة على تعبئة الناس نظرًا لطبيعة مطالبها ولكن قدراتها التنظيمية ضعيفة جدًا وهذا طبيعي؛ لأن تطورها يستغرق سنوات خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها. بالإضافة إلى أن قوة هذه التنظيمات مرتبطة بقوة المجتمع المحلي الذي تنشأ فيه. السؤال هو: هل يمكن حل مشكلات هذه التنظيمات بحل موحد على مستوى الدولة فقط أم أننا يجب أن نتحول في اتجاه اللامركزية؟ جزء من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في مصر بالطبع مرتبط بالفساد وسياسات الدولة الاقتصادية وعدم كفاءة البيروقراطية الحكومية، لكن أيضًا جزء آخر له علاقة بالمركزية. فالفساد ليس فساد مسئول أو وزير ولكنه فساد متشعب، وبالتالي مواجهة الفساد تتطلب حلولًا لا مركزية متشعبة. المشكلة أن محاولات الإصلاح تحدث بشكل مركزي جدًا.

مدى: ماذا عن اتحاد النقابات المستقلة إذن؟

نديم: يوجد لدينا الآن عدد كبير من هذه الاتحادات، وقدرة الاتحاد على التمثيل بشكل مركزي مطلوبة ولكنها صعبة لأن الوضع صعب بالأساس؛ لأن النقابات نفسها ضعيفة، وبالتالي الاتحاد أيضًا ضعيف. القدرة على التحريك والتجميع على مستوى السياسة العامة في مصر أمر صعب جدًا لوجود هجمة عامة على المجال العام. نحن نرى اهتمام الناس بالأحزاب والنشطاء ولكن هناك هجمة أشرس على النقابيين.

مدى: ما شكل هذه الهجمة؟

نديم: لدينا ما بين الـ 1500 والـ 3000 نقابة، ولكن لا يوجد إطار قانوني ينظم عمل هذه النقابات، بمعنى أنه لا توجد حماية لها، وبالتالي لا توجد حماية للحق في الإضراب أو تشكيل نقابات أو أي ضمانات أخرى. الحركة العمالية تواجه مشكلات عدة بدءًا بالفصل التعسفي وغياب الحقوق المالية وتوقيع الجزاءات ضد العمال المضربين، وصولًا إلى التهديدات والحبس والاعتداءات الجسدية والتعذيب وإطلاق الرصاص في بعض الحالات. قانون التظاهر الآن يتم تطبيقه على المجموعات التي تنظم تظاهرات سياسية، إلا أنه استخدم بالمستوى نفسه وربما بشكل أشد على الاحتجاجات العمالية، فلدينا عمال تتم محاكمتهم جنائيا بتهمة الإضراب. مصر لديها حركة إضرابات قوية في العشر سنوات الأخيرة. جزء كبير من المعطيات التي أدت لاندلاع ثورة 25 يناير والحركة الاحتجاجية الواسعة في 30 يونيو، كان مرتبطًا بالإضرابات ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية. خلال حكم مرسي تم الهجوم على عمال شركة “بورتلاند” في الإسكندرية بالكلاب البوليسية، وتم إلقاء بعض العمال من الدور الثاني ما أدى لحدوث إصابات شديدة. ربما تفاوتت حدة الهجوم على المجال العام في السياسة حسب تغيرات الظروف، لكن الهجوم على الحركة العمالية لا يتوقف. بالطبع لا يمكن استخدام العنف مع الحركة بأكلمها في وقت واحد؛ لأن لدينا خمسة آلاف احتجاج في وقت واحد فمن غير المنطقي استخدام العنف بشكل جماعي. فقط منذ أيام قليلة استطعنا إخلاء سبيل عامل انتقد إدارة الشركة التي يعمل بها على صفحة “الفيسبوك” الخاصة به، وتم التحقيق معه رغم أنه يعمل في شركة خاصة. هناك حجم من التعسف والقمع والهجوم على الحركة العمالية والنقابية بشكل مهول وكل ما نستطيع تقديمه هو الدعم القانوني بقدر الإمكان وإيصال صوتهم إعلاميًا.

مدى: هل نستطيع القول إن هذه الفترة هي الأسوأ على الحركة العمالية والنقابية؟

نديم: لا أستطيع الجزم بنسبة مئة بالمئة، لكن نعم. العنف والتدخل الأمني وعدم قبول الاحتجاج في المجال العام وصل إلى درجة لست متأكدًا أننا قد وصلنا إليها من قبل خلال العشرة أعوام الماضية. هناك مناخ عام محتقن يغذي الرهبة؛ فهناك شركة خاصة أنهت التفاوض مع عمالها بتدخل من المخابرات العسكرية وهذا مثبت في محاضر التفاوض الرسمية. حينما تتدخل المخابرات ضد العامل، فهذا يرينا مدى الاستنفار الأمني غير المفهوم.

مدى: بالانتقال للقيود التشريعية الجديدة المفروضة على الحركة الحقوقية، كيف تتعاملون مع هذه القضية؟        

نديم: لدينا اعتراضات قوية على القانون الحالي وعلى المسودات المختلفة على القانون الجديد. هناك اتجاه من الدولة للتضييق على كل المنظمات المدنية التي من دونها لن تنجح أية محاولة للإصلاح الديمقراطي أو تقليل الفساد. بالنسبة للمركز بشكل خاص نحن مسجلين وفقًا للقانون، لسنا جمعية، نحن مركز قانوني يقدم خدمات واستشارات قانونية واقتصادية. لو أن هناك قانونًا جديدًا يرى أننا جمعية ولسنا مكتبًا قانونيًا يمكننا أن نتناقش، لكن واقعيًا نحن مسجلون قانونيًا كشركة محاماة ولنا سجلاتنا في الضرائب والتأمينات وتعاملاتنا واضحة للحكومة. نحن مهتمون بقانون الجمعيات بسبب اهتمامنا بالأشكال المختلفة للتنظيم بشكل عام والتنظيم على المستوى المحلي بشكل خاص. نحن أيضًا مع إفادة المجتمع من خلال إتاحة العمل العام لكل الناس إما من خلال روابط منظمة، أو شركات لها نشاطات خدمية، أو روابط تضامنية أو أي شكل آخر من أشكال التنظيم. نريد قانون جمعيات يتيح استقلالية فعلية للمنظمات. القانون الحالي يحد بقوة شديدة من استقلالية الجمعيات. نريد ألا تكون الأشكال الأخرى من التنظيم مهددة من الدولة، ماذا لو كنت شركة محاماة وأريد تقديم خدمات مجانية للمجتمع، لماذا يتم التعامل معي كجمعية إذن؟

مدى: بشكل شخصي، دخلت أجيال جديدة من المدافعين عن حقوق الإنسان في الحركة الحقوقية، كيف بدأت في العمل الحقوقي وما الذي شجعك على الدخول في هذا المجال؟

نديم: بدأت العمل كباحث متدرب بمركز “هشام مبارك” عام 2008، واستمررت مع المركز في عمل الأبحاث، ثم بدأنا في تأسيس المركز المصري مع “خالد علي” في 2009، واثنين من الزملاء. اهتمامي الحقوقي ينبع من دراستي للاقتصاد السياسي وأركز على علاقة الدولة بالمجتمعات المحلية والحركة العمالية. المراكز المهتمة بحقوق الإنسان بها فرصة كبيرة لباحث شاب ومبتدئ لينمي أفكاره وينمي هذه الأماكن من خلالها، خاصة أننا نفعل أشياء مهمة للمجتمع والناس بشكل مباشر.

هناك الآلاف من العمال والفقراء يستفيدون سنويا من الدعم القانوني الذي نقدمه وهذا حافز لي وللكثير غيري أن يعملوا ما يؤمنون به.

بعد الثورة حدث انفتاح كبير في المجال العام، وأصبح هناك احتياج أكبر للقضايا الحقوقية وكسبت أرضًا أكبر، ليس فقط على مستوى المنظمات ولكن على مستوى الحركات مثل: مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين”. أعداد الناس المطالبة بحقوقها أصبح أكبر من المجموعة التي تعمل في المجال الحقوقي على اختلاف أجيالها في الألفينات، والتي كانت أضيق بكثير في التسعينيات.

مدى: وسط حالة الإحباط المسيطرة على الشباب حاليًا، هل من الممكن أن تؤثر محاولات فرض القيود على المجال العام، بحيث تمنع الشباب من الانضمام للحركة الحقوقية والمجال العام بشكل أوسع؟

نديم: لا أظن أن هذا سيمنع الأجيال الجديدة من الانضمام، دومًا ما كانت هناك قيود على العمل الحقوقي، في وقت مبارك ومن قبل أن أبدأ أنا حتى في المجال خلال التسعينيات وصعوباتها وخلال الألفينات من خلال هجمات شرسة ومختلفة. بعد الثورة، قدرة المجموعات الحقوقية سواء جمعيات أو مراكز أو مبادرات أو مجموعات أصبحت أقوى، والمطلوب منها مجتمعيًا أصبح أكثر مما جعل الهجوم عليها أشرس وأقوى. حدة الهجوم على الحركة الحقوقية زاد مع زيادة قوتها وإمكاناتها وجذبها لجمهور أوسع. مع زيادة الانتهاكات والهجوم سيزيد الاحتياج للحركة الحقوقية وكذلك اهتمام الشباب بحقوقهم؛ لأن الموضوع مرتبط بمشكلات المجتمع، طالما استمرت الانتهاكات لحقوق العمال، سيظل اهتمام الناس بحقوق العمال متزايدًا. مع زيادة الانتهاكات سيجذب ذلك اهتمام أصحاب المصلحة المتضررين من الانتهاك. كلما زاد التعذيب في السجون كلما زاد الاحتياج لمراكز مثل “النديم” وغيره. زيادة الهجوم على المجال العام، وجزء منه العمل الحقوقي، يقلل فرص أية عملية إصلاح حقيقية لمشكلات الدولة المصرية سواء الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية، لا أتحدث هنا عن الإصلاح الديمقراطي فقط ولكن حتى أية محاولة تهدئة اجتماعية أو محاولة تنموية جادة أو محاربة فساد التي هي بالضرورة مرتبطة بمجال عام ومجتمع مدني قوي وفعال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذا الحوار واحد من سلسلة من اللقاءات مع عدد من العاملين في مجال حقوق الإنسان في مصر، ينشرها «مدى مصر» على مدار الأسابيع المقبلة.

 

اعلان
 
 
مي شمس الدين