نقل الباعة الجائلين.. مزيد من المشكلات في انتظار الانفجار
 
 

فجْر أمس، الأحد، قامت قوات الأمن- ثمانية تشكيلات أمن مركزي مصحوبة بقوات من الجيش- بالبدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة محافظة القاهرة لإزالة الباعة الجائلين من محيط وسط البلد، وهي المرحلة التي تقتضي إخلاء ميدان “رمسيس” من الباعة الجائلين الموجودين فيه، ونقلهم إلى مكان جديد، مؤقت، تم تجهيزه داخل محطة “أحمد حلمي”، خلف محطة سكك حديد مصر.

هذه المرحلة تأتي بعد مرور ثمانية أشهر من تنفيذ المرحلة الأولى، التي تم فيها إزالة الباعة الجائلين من منطقة الإسعاف وشوارع “طلعت حرب وقصر النيل وعبد الخالق ثروت وميدان عبد المنعم رياض”، والذين تم نقلهم بشكل مؤقت، إلى منطقة مجهزة داخل جراج “الترجمان”، تمهيدًا لنقلهم إلى مقر دائم في أرض “وابور الثلج” بمنطقة عبد المنعم رياض.

إجراءات النقل في المرحلة الأولى كانت تتم بشكل سريع: على الباعة تقديم طلبات الحصول على أماكن و”باكيات” في المنطقة الجديدة داخل جراج “الترجمان”، وتقوم رئاسة الحي بجمع بيانات البائعين وتوزيع الأماكن الجديدة عليهم في قائمة يتم تسلمها ونشرها عن طريق قسم الشرطة الذي تتبعه المنطقة، وعند الحصول على الموافقة، يحصل كل بائع على مساحة يتمكن فيها من عرض بضاعته.

صباح أمس، وخلال تنفيذ المرحلة الثانية، زار «مدى مصر» جراج الترجمان، والتقينا بعض الباعة الذين انتقلوا إلى هناك منذ ثمانية أشهر، خلال المرحلة الأولى.

من داخل سوق الترجمان

من داخل سوق الترجمان

لا يشغل عدد الباعة هناك الآن أكثر من 10% من المساحة المجهزة، والتي من المفترض أن تسع نحو 1750 بائعًا- حسب تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة د. جلال مصطفى السعيد-، وهم موجودون وسط رائحة كريهة تجعل ما لا يقل عن نصف المساحة غير قابلة للاستخدام.

أحد الباعة- رفض نشر اسمه- يقول إن معظم البائعين قرروا هجر المنطقة الجديدة بعد خسارة بضائعهم وأموالهم مع الانتقال الجديد، ويضيف: “المنطقة ميتة، الحكومة وعدتنا أنها تنقل موقف الميكروباص عشان الناس تعدي علينا”.

لم تنفذ المحافظة وعودها بنقل موقف الميكروباص وهو ما أدى إلى ركود كبير في حركة التجارة بالنسبة لهم.

يستكمل البائع الذي رفض ذكر اسمه: “معظم الناس هنا قفلت ومشيت، اللي كان معاه ألف ولا ألفين جنيه خسرهم ومشي”.

كان من المفترض نقل الباعة من مكانهم المؤقت بجراج “الترجمان” إلى مكان جديد بمنطقة “وابور الثلج” بعبد المنعم رياض بعد ستة أشهر، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بعد مرور ثمانية أشهر على نقلهم.

يقول أحد البائعين هناك: إن رئاسة الحي قامت مؤخرًا بتجديد الكارنيهات الخاصة بهم لستة أشهر جديدة وهو ما يجعله متشككًا في نية الحكومة بنقلهم من الأساس، ويضيف: “إيه اللي يمنع إنهم يفضلوا يجددوا لنا كل 6 أشهر هنا ويفضل الوضع كده على طول؟!”.

اللواء محمد أيمن عبد التواب- نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية ومسئول ملف الباعة الجائلين والأسواق البديلة بالمحافظة- أشار في اتصال هاتفي مع «مدى مصر» إلى أنه تم تأجيل الحديث عن السوق الجديدة المفترض تجهيزها في منطقة “وابور الثلج”، وأنه يجري حاليًا تجهيز “سوق الزاوية” في منطقة الزاوية الحمراء لنقل البائعين إليه، وأضاف أنه سيُنقل إليه بائعو منطقتي المسرح القومي والإسعاف ووسط البلد الذي استمروا بالعمل في سوق “الترجمان” المؤقتة. ما يعني أن البائعين الذين انتقلوا إلى الترجمان ولم يتحملوا ركود التجارة وتركوا أماكنهم، لن يكون لهم الحق في الانتقال لاحقًا إلى “سوق الزاوية”.

خلال تجوّل «مدى مصر» في منطقة رمسيس وأحمد حلمي، صباح أمس، أثناء تنفيذ عملية الإزالة في المرحلة الثانية، ظهرت أُبعاد إضافية للأزمة لم تكن موجودة مع المرحلة الأولى.

المكان الجديد تم تجهيزه على غرار منطقة جراج الترجمان: مربعات صغيرة للغاية عددها 550 حسب تصريحات لنائب محافظ القاهرة تحمل أرقامًا موزعة على البائعين، لكن هذه المرة يفترض أن يستوعب المكان البائعين القادمين من منطقتين مختلفتين على مستوى التقسيم الإداري: بائعو ميدان رمسيس- يتبعون قسم شرطة الأزبكية- وبائعو محطة أحمد حلمي- وهؤلاء يتبعون قسم شرطة شبرا مصر، وحصلوا على عدد 30 “باكية” لهم فقط، حسب روايتهم، في حين تم توزيع الباقي على بائعي رمسيس.

المتأثرين سلبًا من عملية النقل، ليسوا فقط باعة رمسيس الذين سينتقلون لمكان مختلف عن مكانهم الأصلي، بل إن باعة أحمد حلمي الذين انتقلوا للمحطة القريبة من مكان وجودهم الأصلي تأثروا هم أيضًا بشكل كبير، وغالبًا بسبب قلة الأماكن المخصصة لهم.

ياسر عرفات أبوزيد، 35 سنة، يقول إنه بعد عشر سنوات على عمله في “نصبة شاي” في محطة أحمد حلمي، إلا أن الحكومة الآن ترغب في طرده بعد فشله في الحصول على مكان له في الموقع الجديد. يرى ياسر أن “الحكومة جاءت بالباعة من ميدان رمسيس لتضمهم إلى باعة أحمد حلمي في المكان نفسه دون حساب”.

أما المنتقلون من رمسيس فمشكلاتهم متنوعة..

حمدي عبد الحليم، 62 سنة، ويعمل بائعًا في منطقة رمسيس منذ 45 عامًا، يحكي أنه حين تقدم بطلب إلى حي شبرا للحصول على “باكية” في المنطقة الجديدة، وعلى الرغم من وعد رئيس الحي بإيجاد مكان له نظرًا لظروفه الصحية- أصيب بطلق ناري أثناء اشتباكات رمسيس في أغسطس 2013-؛ فإنه فوجئ بأمناء الشرطة يخبرونه، حسب روايته، بأنه تم حذف اسمه من قائمة المستحقين للأماكن الجديدة ولم يستطع عم حمدي مقابلة مأمور قسم شرطة شبرا مصر ليعرف سبب حذف اسمه.

إبراهيم تركي إبراهيم، 26 سنة، لديه مشكلة مختلفة بسبب كون نظام العمل في المكان الجديد يشترط أنه لا يمكن بيع المأكولات والمشروبات داخل المكان. يحكي إبراهيم أنه قضى أعوامًا طويلة لا يعرف إلا هذا العمل. ويضيف متسائلًا: “أجيب منين أنا 2000 جنيه اشتري بيهم هدوم عشان أبيعها في المكان الجديد؟ أنا طول عمري بابيع شيبسي وحلويات وباعمل شاي وماعرفش غير كده!”، مشكلة إبراهيم متشابهة مع مشكلة حنان عمر علي، والتي تبلغ من العمر 45 سنة، وتقول إنها بدأت ببيع الشاي كي تسهم في إعالة أسرتها بعد مرض أصاب زوجها وتسبب في إزالة حنجرته. تقول حنان إنهم كانوا يحصلون على معاش شهري يبلغ 415 جنيهًا من معاشات الضمان الاجتماعي، وهو ما تم إلغاؤه بعد حصولها على “باكية” في المكان الجديد- حسب قولها. تضيف حنان بحسرة أنها حاليًا فقدت معاشها، ولن تتمكن من عمل الشاي وبيعه بعد الآن بسبب شروط العمل في المكان الجديد، ولا تمتلك أي رأس مال يمكنها من العمل على مشروع جديد.

يوضح شهير جورج- الباحث المهتم بقضية الباعة الجائلين- أن التعامل مع القضية باعتبارها شأن أمني خالص لن يسهم في حل المشكلة. يضيف في سياق حديثه عن الأزمة المتكررة إلى أن “النقل ليس حلًا دون إعادة دراسة البيئة التشريعية نفسها والقوانين المنظمة لعمل الباعة الجائلين ومحاولة فهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية وراء الظاهرة”. يشير جورج أيضًا إلى أنه تحت ذريعة “الحفاظ على المظهر الحضاري”؛ فإن عددًا كبيرًا من هؤلاء الباعة يتم حرمانهم من الحاجات الأساسية لحياتهم وحياة عائلاتهم باعتبار أن عملية البيع اليومي تمثل مصدر دخلهم الوحيد.

داخل المكان الجديد المخصص للباعة بمنطقة أحمد حلمي، تبدو “الباكيات الجديدة” متهالكة.

من داخل السوق الجديد في أحمد حلمي

من داخل السوق الجديد في أحمد حلمي

أحد الباعة الذين تسلموا أماكنهم الجديدة- رفض نشر اسمه- يشتكي تجهيز المكان وصغر حجم الباكيات. يشير إلى سور من الصاج المحيط بالمكان كله، ويقول: “المفروض الحكومة تشيل الأسوار عشان الناس تشوفنا وتعدي علينا.. وإلا هنبيع منين؟”، ويتساءل أيضًا عن كيفية استخدام مثل هذه الباكيات الصغيرة لعرض بضاعة كالملابس مثلًا: “الباكيات ده تنفع دولاب للجزم، هنعرض فيها هدوم إزاي؟”. ولم تتوقف مشكلات الرجل مع تجهيزات المكان عند هذا الحد، استنكاره الآخر كان عن كيفية حماية بضائعهم: “العربات على عجل متحرك ويمكن بسهولة تتبدل أو تتسرق، مين هيحمي حاجتنا؟”.

اللواء عبد التواب، أشار إلى أن بائعي رمسيس المنقولين إلى سوق أحمد حلمي الجديد، سيستقرون في مكانهم الجديد، إلا إذا استدعت الحاجة ذلك، وأكد أنه لا نية لنقلهم “طالما لم نحتاج المكان في شيء”.. كما وضح أن باعة رمسيس الذين لم يتسلموا “باكيات” جديدة في أحمد حلمي سينقلون إلى سوق الترجمان مع بائعي الإسعاف ووسط البلد.

الآن، وبعد مرور ثمانية أشهر على تنفيذ الإزالات في المرحلة الأولى، وعدم التزام الحكومة بوعودها بنقل بائعي المرحلة الأولى إلى مقرهم الدائم الأكثر حركة ورواجًا، من وجهة نظرها، تبدو مشكلات تنفيذ المرحلة الثانية كقنبلة مستعدة في أية لحظة للانفجار، وبخاصة مع عدم حل الحكومة للمشكلات التي ظهرت مع المرحلة الأولى، والتي فاقتها المرحلة الثانية تنوعًا في مشكلاتها.

قبل الخروج من المقر الجديد للباعة الجائلين بموقف أحمد حلمي، استوقفني ياسر عرفات مرة أخرى، وقد أصر أن يريني بعض الأوراق: صحيفة الحالة الجنائية الخاصة به، والتي تحوي 45 سابقة إجرامية متنوعة بين جنح وجنايات كلها بين عامي 1996 و2005. يقول عرفات إنه أقلع تمامًا عن ممارسة الجريمة منذ 2005 بعد أن تزوج وأنجب. لكنه يلمح إلى أن هذا الطريق، الذي يُدفع له، ليس صعبًا بعد كل شىء، “أنا بقالي 10 سنين مستقيم وباكل عيش بالحلال، بس لما الحكومة تيجي على أكل عيشي مستنيين مني إيه؟ مفيش أسهل بالنسبة لي من إني أشيل مطواة وأنزل أسرق الناس”.

اعلان
 
 
محمد حمامة