لمثقفينا.. لا للأبنودي

جميعنا بمثقفينا وقعنا في بلبلة وتضارب مواقف ورؤى بعد الثورة، ثورة 25 يناير 2011، البعض أيد نظام مبارك والثورة عليه في الوقت نفسه، وحلت له 30 يونيه المشكلة ولم يعد يشعر باغتراب نفسي ثقافي، بل وقدمت لمثقفينا ذكرى عبد الناصر في طبق من فضة ليتغنى بمواقف عاشها، يجترها ويراجع القديم ويكفر عن ما سبق، بأي شكل كان! فالحديث عن الشرعية الثورية والشرعية الدستورية أعاد لنا مقولة “هيكل” الخالدة لـ “السادات”: (أنت معاك الشرعية)! وكان يقصد شرعية يوليو.

دولة يوليو 1952 وسمت المثقف بأنه من تاريخه سيكون ضمير الدولة وليس ضمير الشعب، لدرجة أن بهاء طاهر، نبش في جذور بناء الدولة المصرية ونسب المثقفين بأنهم أبناء رفاعة الطهطاوي، وبالتالي أخرج لنا معتقدًا لطيفًا عن مهمة المثقف، والذي يقول بالنص: “الطريق واضح كما ارتاده هؤلاء الأسلاف: أن ينطلق من تراث الشعب وأن يخاطبة باللغة التي يفهمها. وقبل ذلك كله يتاح له الوصول الفعال إلى الجماهير. أي ألا تكون السلطة أيضًا حربًا عليه!”. والسبيل الذي يوضحه في كتابه الذي يعتبره الكثير “مانفيستو” الجماعة الثقافية المصرية، هو مهادنة السلطة بل التعاون معها. من كان أفضل من الأبنودي ليفعلها- كما قال الكتاب- ويموت بعدها تاركًا شعرًا تتغنى به الجماهير.

سأل جمال الغيطاني نجيب محفوظ: “أحيانا أجد تناقضًا بين بعض ما تقوله في أحاديثك وبين ما أقرأه في إنتاجك الفني..”، فرد النجيب بحسم: “صدّق إذن العمل الفني”.. ولكننا نعرف أن هيكل عرض على النجيب وظيفة في “الأهرام” وتملص منها محفوظ بدعوى أنه ما زال موظفًا ويريد أن يحافظ على معاشه، ونعرف أيضًا أن أحاديثه في “الأهرام” كان يتلوها علينا السلماوي. وندرك– من قصة وحيدة كتبها عن رحلة اليمن– أنه كان بشكل ما مرغمًا على السفر مع وفد من الأدباء إلى اليمن في أوقات حربنا الأولى بها.

ماذا لو سأل جمال الغيطاني عبد الرحمن الأبنودي: “ونحب نختم الحلقة معاك؛ فتقدر تقولنا.. الأبنودي الإنسان يقول إيه للأبنودي الشاعر؟” سأتخيل رد الأبنودي من رده على أحد شباب الشعراء حينما ذكره بقصيدة ثورية له؛ فقال له بحسم: “جولوها في أحزابكم السرية”.. ولكننا نذكر أنه كان يلقي الشعر بين يدي مبارك، وأيضًا نتذكر أن عمار الشريعي لحن أغاني لمبارك منها الأوبريت الشهير:”اخترناك”.. في لحظة الثورة عرف الشريعي الطريق، بينما خدعنا الأبنودي فقال:”يا عم الضابط أنت كداب .. واللي باعتك كداب”، وذهب ليصافح الكذاب، أم أننا في زمن يوم ما يصدق كداب.

في مقال جميل لسمير جريس في “أخبار الأدب” عن جونتر جراس الكاتب الحائز على نوبل، يوضح لنا طبيعة الضجة المثارة حول الكاتب، عندما اعترف أنه انضم لـ “شبيبة هتلر” عندما كان صبيًا في كتاب “أثناء تقشير بصلة”، وقال سمير جريس بالنص: “.. الضجة التي أثيرت في ألمانيا كانت حول رجل تحول برواياته ومقالاته ومواقفه السياسية إلى مؤسسة أخلاقية وضمير ألمانيا بعد الحرب، فإذا بالقراء يكتشفون أن “واعظ” ألمانيا منافق، صمت ستين عامًا عندما تعلق الأمر بشخصه.. وعدم تورعه في الوقت نفسه عن مهاجمة الآخرين لأنهم لم يواجهوا ماضيهم بشجاعة”.

كيف لنا أن نفصل بين الشاعر والإنسان والمواطن؛ فمن المفترض أن الإبداع هو نتيجة وتراكم للتجربة الإنسانية والحياتية! لا أحد ينكر أن الأبنودي كان ضمير الأمة الثقافي ونرفع شعره كالشعارات في المظاهرات؛ فكيف لنا إلا نحاسبه على مواقفه السياسية. العقيدة الأدبية المصرية اعتادت على غفر ذنوب المبدع إكرامًا لإبداعه؛ فتراها ترسم بورتريهات للأدباء كأنهم من أولياء الله الصالحين، ناسين أنهم بشر، طبيعي أن نعتاد فيهم الطمع والدهاء والخطايا. تلك العقيدة التي تتعامل مع خطايا كُتابها بطريقة فريدة، نجدها تكره الهزيمة والضعف والتناقضات البشرية، وإن معظم مثقفينا يرى أنه من الأفضل تجاهل الماضي، ونسيان أخطاء الذات، ولهذا كانت وستظل ثقافتنا تدفن خطاياها في الرمال.

ليس عيبًا أن يعبر الأبنودي عن موقف ما؛ فهذا أكثر شجاعة من المتلون. لكن ما بال من آمنوا بالأفكار والرؤى المحملة في شعره، هل يكفرون الآن بما تعلموه؟ هنا، وفي هذه النقطة تحديدًا لي كامل الحق في محاسبته. هل كان نجيب سرور سيخرج من مصحة الأمراض العقلية لو امتد به العمر وهادن السلطة كالأبنودي، أم سيغتني أمل دنقل ولا يموت فقيرًا معوزًا ويستطيع تربية ابنته الوحيدة إذا تنكر لشعره؟!

يجب أن أناقش: هل شعره وحده ما أوصله لقلوب الجماهير أم خدمته السلطة؟ أحاسبه كما أحاسب كتاب “البست سيلر”! هل قيمتهم الأدبية ما أوصلتهم إلى الأكثر مبيعًا أم فساد آليات النشر والسوق؟ هل الجوائز والتكريمات يستحقها أم منع ودفن مواهب للصعود؟ هل قدم إسهامات في الحياة الثقافية! فتبنى مبدعين شبانًا أم أستولى على المشهد؟ هل قدم جديدًا منذ رائعته “جوابات حراجي القط” أم ظل يستثمر ويطور الفولكلور الشعبي ويتغنى بإحياء السيرة الهلالية؟ لماذا لا تدعوني أناقش هذا وتلطموني بـ “اذكروا محاسن موتاكم”.

اعلان
 
 
طه عبد المنعم