“السلطوية”: أفضلها ما اختفى في الوقت الصحيح

أثار نبأ وفاة لي كوان يو- مؤسس سنغافورة الحديثة المستقلة الناهضة- شجونًا في النفس، أعقبتها تساؤلات في العقل، وعلى إجاباتى على هذه التساؤلات ترتبت هذه الجولة في ما يمكن أن نطلق عليه التاريخ المقارن للنظم السلطوية في العصر الحديث.

كنت في الخامسة عشرة من العمر، حين سمعت- في الإذاعة طبعًا- خبر انفصال سنغافورة بقيادة هذا الرجل عن اتحاد ماليزيا، وكنا في مصر لا نتعاطف بصفه عامة مع الاتحاد الماليزي هذا؛ لأنه حسبما كان يقال لنا تشكل بتحريض من الإمبريالية البريطانية لقطع الطريق أمام انتشار الشيوعية من صين ماوسي تونج، ولمناوأة صديقتنا إندونيسيا، ورئيسها الذي كنا معجبين به لدوره في تحرير بلاده من الاستعمار الهولندي أحمد سوكارنو، ثم قيادته مع ناصر في مصر، ونهرو في الهند آمال شعوب آسيا وإفريقيا في الاستقلال والنهضة، لكننا أيضًا كنا نحمل ذكريات سيئة عن مبدأ الانفصال عن الدولة المتحدة، بسبب نكسة انفصال سوريا عام 1961، عن الجمهورية العربية المتحدة التي كانت قد تكونت منها ومن مصر عام 1958.

لذلك لم نفهم في ذلك الوقت، وفي هذه السن المبكرة، ما الهدف من انفصال سنغافورة- ذات الأغلبية غير المسلمة- عن اتحاد ماليزيا الإسلامى، اللهم إلا أن يكون مؤامرة إمبريالية لإضعاف أي اتحاد إسلامي، حتى وإن كان هذا الاتحاد تابعًا للإمبريالية، لكننا في الوقت نفسه كنا سعداء بهذا الانتصار الصغير لسوكارنو، الذي كان يرفض الاعتراف بماليزيا، والذي قرر الانسحاب من الأمم المتحدة بسبب قبولها عضوية ماليزيا، ليدعو إلى تشكيل منظمة عالمية بقيادة الصين وإندونيسيا، تخلص شعوب العالم الثالث من “الأمم المتحدة” الخاضعة لهيمنة الإمبريالية الأمريكية!

كانت تلك أجواء الحرب الباردة في عنفوانها، وكانت تلك أيضًا أيام تألق حركة عدم الانحياز، وتألق الصين كنموذج ثوري ملهم، وكانت أيضًا أيام بداية اشتعال حرب فيتنام، باختصار، كانت تلك هي فترة الاضطراب الأعظم في جنوب شرق آسيا، لكن ذلك الرجل الذي أثارت وفاته شجوننا، وفرضت علينا الأسئلة عن ظاهرة النظم السلطوية في سياق المقارنة بينها وبين بعضها، كان في الحقيقة– وكما ظهر من إنجازاته، وتراثه، وتأثيره في الإقليم بأكمله- هو صانع النموذج الملهم الذي أنتج فيما بعد ظاهرة “النمور الآسيوية”.

كان لي كوان يو رئيسًا لوزراء سنغافورة، وممثلها في حكومة اتحاد ماليزيا، وعندما رأى أن بلده سيبقى رهينة الصراع الدولي والإقليمي في منطقته من العالم، والذي كانت أطرافه هي: الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وإندونيسيا وماليزيا واليابان والاتحاد السوفيتى. والذي كانت ماليزيا نفسها إحدى أهم جبهاته الساخنة، قرر أن يبتعد عن هذا كله، وينشغل فقط ببناء بلده، اقتصاديًا وسياسيًا، ولكن قبل ذلك ومعه ثقافيًا واجتماعيًا، رغم أن شعبها خليط من أجناس الملايو والصينيين والهنود، ورغم أنها أصغر دولة في الإقليم مساحة وسكانًا- وأقلها موارد إذا ما قورنت مثلًا بسلطنة بروناى البترولية-، وأتذكر عندما زرتها عام 1998، أن أكبر مشكلاتهم كانت هي عدم وجود رمال وأتربة كافية للبناء، ولردم أجزاء من البحر، ومن ثم كان التراب والرمال ولا يزالان من أهم صادرات إندونيسيا إلى سنغافورة.

النتائج طبعًا لا تحتاج إلى حديث كثير؛ فقد أصبحت سنغافورة واحدة من أقوى الدول اقتصادًا، وأكثرها انضباطًا، وأفضلها تعليمًا، وأرشدها سياسيًا في الداخل والخارج، وبسرعة اقتفت ماليزيا نفسها أثر سنغافورة، فانطلقت بعد بدايات ضعيفة نسبيًا تحت قيادة تنكو عبدالرحمن، وتونى عبدالرزاق، لتتحول تحت قيادة مهاتير محمد إلى نمر آسيوى هي الأخرى، وامتدت العدوى إلى إندونيسيا نفسها بعد أن أُطيح بسوكارنو، وخلفه دكتاتور آخر هو سوهارتو، ثم انضمت كوريا الجنوبية إلى الركب، ليتتابع انضمام الآخرين وفي مقدمتهم الصين نفسها تحت قيادة دينج شياوبنج بعد وفاة ماو، ثم تايلاند وفيتنام بعد انتهاء الحرب، وأخيرًا لاوس وكمبوديا.

اللافت للنظر هنا، أن جميع هذه الدول بدأت نهضتها تحت نظم سلطوية، وفي مرحلة تالية تحولت كلها تقريبًا إلى الديموقراطية على مدى العقود الثلاثة الماضية.

السؤال هنا: هل كانت “السلطوية” ضرورة؟ ويتفرع من هذا السؤال سؤال آخر، هل النظم السلطوية كلها نسخ طبق الأصل من بعضها البعض. [نؤخر الإجابة عن السؤال الأصلي، ونعجل بالإجابة عن السؤال الفرعي].

دون تفلسف: قارنوا بين رجلنا لي كوان يو في سنغافورة، وفرديناند ماركوس في الفلبين، وسوف تكتشفون أن هناك أنواعًا مختلفة من النظم السلطوية؛ فبينما كان “يو” يبني بلده من أول السطر كما يقال، لدرجة فرض عقوبة السجن أو الصفع في المكان على المواطن الذي يبصق أو يتمخط في الشارع أو في مكان عام بقوة القانون، للقضاء على ظاهرة القذارة والتلوث، ورقاعة الشبان محترفي مضغ اللبان، المتعطلين عن العمل والتعليم، كان ماركوس مشغولًا بعدد وألوان وماركات أحذية قرينته السيدة إميلدا ماركوس، وبينما كان رجل سنغافورة القوي يحتوى زعماء المعارضة وفق تقاليد أبوية حازمة وحانية، كان ماركوس يخطط لنفي واغتيال المعارضين (السناتور آكينو مجرد مثل واحد).

لي كوان يو لم يسرق، ولم يهرب أموالًا، ولم يسمح بذلك لأحد من معاونيه، فضلًا عن مواطنيه، ولم يزور انتخابات، بل لم يوقف العملية الديموقراطية، وتقاعد من السلطة التنفيذية ليتفرغ لرعاية زوجته بعد إصابتها بجلطة دماغية، ولم يفرض ابنه خليفة له في الحزب والحكومة، بل إن الحزب اختار الابن جريًا على تقاليد آسيوية أصيلة طبقت من قبل في الهند (عائلة نهرو)، وسريلانكا (عائلة باندرانيكا)، وباكستان (عائلة بوتو)، وبنجلاديش (عائلتا مجيب الرحمن وضياء الرحمن).. إلخ، أما ماركوس فسرق وهرب، وكبت وقمع، وتشبث بالسلطة، وزور الانتخابات، بل ودبر الاغتيالات لمنع حصول منافسيه على أغلبية أصوات الناخبين.

لكن الفارق بين النظم السلطوية ليس بهذا الوضوح دائمًا؛ فقد كان نظام مهاتير محمد في ماليزيا سلطويًا على غرار نظام “يو” في سنغافورة، وكذلك كان نظام سوهارتو في إندونيسيا، ولكن النظام الماليزي كان ناجحًا في التنمية الاقتصادية وخاليًا من أية شبهة فساد أو قمع، في حين كان نظام سوهارتو ناجحًا اقتصاديًا، ولكن كان مليئًا بالفساد، الذي كانت تقوده عائلة الرئيس، بل والرئيس نفسه، وكان شديد الوطأة في القمع والتنكيل بالمعارضين.

هل يكمن الفرق هنا في أن لي كوان يو ومهاتير محمد، جاءا إلى السلطة من خلفية سياسية مدنية، وأن سوهارتو جاء إلى السلطة استثناءً إلى قوة الجيش الذي كان هو قائده عندما أطاح بسوكارنو، (ليمنع استيلاء الشيوعيين الموالين للصين على السلطة)؟! أم أن الفرق هو أن لي كوان يو ومهاتير محمد، تشربا شيئًا من التقاليد البريطانية في الحكم عندما كانت بريطانيا تحكم الملايو بأسرها. أظن أن السببين صحيحان معًا.

نستمر في التجوال بين صفحات التاريخ المقارن للنظم السلطوية، على أمل استخلاص بعض الدروس والقوانين.

لقد انتشرت النظم السلطوية في بداية تشكل العالم الحديث، أو فلنقل مع بداية ظهور الدول الوطنية؛ فقد كان بطرس الأكبر مؤسس روسيا الحديثة “سلطويًا”، وتلاه في ذلك فريدريك الأكبر (الثاني) في بروسيا نواة ألمانيا الحديثة، وجاء بعدهما نابليون الأول في فرنسا، ومن قبل أقام الكاردينال ريشليو بمباركة لويس الثالث عشر نظامًا سلطويًا، هو الذي أسس للدولة الوطنية الحديثة في فرنسا، وفي كل أوروبا تأسيًا بفرنسا، وهو ما حاوله ميترنيخ في الإمبراطورية النمساوية، ومحمد علي في مصر، حتى وصلنا إلى أتاتورك في تركيا، وموسولينى في إيطاليا، ورضا شاه في إيران، وهتلر في ألمانيا، وفرانكو في إسبانيا، وسالازار في البرتغال، ثم كل نظم أمريكا اللاتينية حتى قرب نهاية القرن الماضي، والخانات في باكستان، وناصر في مصر، وكل من حاول تقليده في الدول العربية بنجاح مثل: بومدين في الجزائر، وبورقيبة في تونس، أو بفشل ذريع كالقذافي في ليبيا، وصدام في العراق، والأسد الأب في سوريا.

لكن يبقى هناك نموذج آخر من النظم “السلطوية الديموقراطية”، إن جاز التعبير، والنموذجان الأبرز لهذه الظاهرة هما حكم حزب “المؤتمر” في الهند الذي استمر بلا انقطاع منذ الاستقلال، ولمدة ثلاثين عامًا تقريبًا، وكذلك هيمنة حزب “العمل” على السلطة والحياة السياسية في إسرائيل منذ تأسيسها حتى عام 1976، ولا يقتصر مظهر السلطوية في هاتين الحالتين على هيمنة الحزب الرئيسي على السلطة والحياة السياسية، ولكن أيضًا في استمرار هيمنة رجل واحد على الحزب الحاكم  نفسه، نهرو في الهند لمدة 16 عامًا في الحكم وأكثر من عقدين قبل الاستقلال، وبن جوريون في إسرائيل لمدة 14 عامًا في الحكم وقبلها عشرين عامًا من السيطرة على الوكالة اليهودية تحت الانتداب البريطاني.

وفي هذه الحالة الأخيرة من النظم “السلطوية الديموقراطية”، لم تكن الهند وإسرائيل استثناء في التاريخ؛ فقد كان هذا الحال في بريطانيا نفسها في بداية تطور نظامها الحزبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وليرجع القارئ إلى أسماء روبرت ولبول، وجون تشرشل، ووليم بت الأب، ووليم بت الابن.. إلخ.

إذا أخذنا هذه النماذج من السلطوية الديموقراطية– وهي كلها ناجحة– ووضعناها جنبًا إلى جنب مع النظم السلطوية الصريحة، ولكن الناجحة أيضًا، فلعلنا نكتشف دلالة بعينها، وهي أن السلطوية قد تكون مطلوبة في مرحلة الانتقال بالمجتمع والدولة من وضعية التخلف والتشرذم الطائفي، والإقليمي، وانعدام الثقافة السياسية الديموقراطية، والانكشاف للنفوذ الأجنبي إلى مرحلة توحيد الإرادة الوطنية، وبناء هياكل السلطة النافذة، وتغليب قيم الحداثة، وإدارة السوق الحديثة.

وإذا ما سايرنا هذه الدلالة إلى نهاية الشوط؛ فإن عمر هذه السلطوية ينقضي بانقضاء مهمتها؛ لأنها- وبحسب قانون “الجدلية التاريخية”، ما إن تنجح في مهمتها حتى تخلق نقيضها الديموقراطي الصريح، فإذا لم تخل مكانها للقوى الديموقراطية الصاعدة، أو قاومتها، أو تلكأت في الاستجابة، فعندئذ تتحول إلى سلطوية بلا مضمون اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي سوى السيطرة بالقوة التي لا شرعية تاريخية أو شعبية لها، وإذا أمعنت في القمع، فلا بد أن تمعن في الفساد؛ لأنها تكون في حاجة إلى حلفاء “مرتشين” لمقاومة القوى الجديدة، وإذ ذاك يتجلى الفارق بين السلطوية الناجحة، والسلطوية التي لا نقول إنها فاشلة وحسب، ولكن نقول إنها تصبح مجرد عصابة مجرمة، وتصبح سببًا في ابتلاء الدولة بكل الأمراض التي قامت هذه السلطوية في الأصل للقضاء عليها، وهي الأمراض التي ذكرناها في الفقرة السابقة.

هكذا يظهر لنا.. لماذا كان لي كوان يو في سنغافورة نموذجًا مختلفًا في القيادة عن فرديناند ماركوس في الفلبين، ولماذا كان نابليون الأول رغم هزيمته النهائية في ووترلو، ورغم أن طموحه إلى المجد الشخصي كان وراء دماره مختلفًا عن ابن أخيه “المسخ”، الذي تسمى باسمه “نابليون الثالث”؛ فقد أورث نابليون الأول تراثًا عظيمًا من التشريعات الحديثة، وكان هو الذي قضى قضاء مبرمًا على الطبقة الإقطاعية، وأعمل بلا رجعة مبدأ المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، رغم أنه تنكر للنظام الجمهوري، وألهم أوروبا كلها مبدأ إلغاء نظام أقنان أو عبيد الأرض، في حين لم يترك المسخ نابليون الثالث تراثًا بعد الهزيمة أمام ألمانيا عام 1870، سوى اسم زوجته الإمبراطورة أوجيني.

وتظهر لنا هذه المقارنة أيضًا، لماذا كان فرانكو في إسبانيا– رغم بشاعة ما ارتكبه من مجازر في حق الاشتراكيين والجمهوريين مختلفًا عن موسوليني في إيطاليا؛ فقد أدرك الأول أن عصر استعادة الإمبراطوريات القديمة قد ولى، ولم ينجر مطلقًا إلى مغامرات حليفية هتلر وموسولينى التي جرت عليهما وعلى بلديهما الدمار، وحافظ على إسبانيا طوال فترة الحرب العالمية الثانية، وأرسى فيها قاعدة اقتصادية أهلتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى فور وفاته وإقامة الديموقراطية بها.

وبالطبع كان محمد علي في مصر مختلفًا عن كثير من خلفائه، وبخاصة عن حفيديه توفيق وفؤاد، توفيق حاول الاحتفاظ بالنظام السلطوي في مواجهة المطلب الدستوري الشعبي، وتحالف مع النفوذ الأجنبي الذي اقترنت مقاومته بالمطلب الدستوري في الثورة العرابية؛ فاستدعى الاحتلال البريطاني لمصر، أما الملك فؤاد الذي قامت في عهده ثورة 1919، وحولته من سلطان تحت الحماية البريطانية إلى ملك لمملكة مستقلة- ولو اسميًا-، آلى على نفسه أن لا يعترف مطلقًا بالإرادة الشعبية، وأوقف الدستور مرتين على الأقل، وأقال حكومة الوفد المنتخبة عدة مرات، وأخذ يحتال على هذه الإرادة بتشكيل الأحزاب الوهمية، أو بمساندة أحزاب الأقليات.

باختصار.. إذا كانت سلطوية محمد علي ضرورة في مرحلة التأسيس للدولة الحديثة؛ فقد كانت سلطوية خلفائه، وبالذات، توفيق وفؤاد عبئًا على مصر، ومانعًا من استكمال تطورها السياسي؛ لأن سلطوية محمد علي خلقت نقيضها الذي استحق المشاركة في السلطة من خلال تحويل النظام من سلطوي إلى تعددي، ومن “شخصي” إلى دستوري قانوني.

لتتذكر أنه في جميع الأمثلة الناجحة السابقة فكرها، كانت السلطوية تخلي الطريق أمام القوى الصاعدة؛ فهكذا تقاعد لي كوان يو، ثم تطور النظام ككل ليقبل بالتعددية الحزبية، وسار على الدرب مهاتير محمد في ماليزيا دون ثورة، وكذلك سارت على الدرب نفسه كوريا الجنوبية، وخلعت الثورة سوكارنو، وانتهت هيمنة حزب “العمل” على إسرائيل، وحزب “المؤتمر” على الهند، ومن قبل تحول نظام أتاتورك في تركيا إلى التعددية، وامتد طوفان الديموقراطية ليجرف كل النظم السلطوية في أمريكا اللاتينية، وإفريقيا جنوب الصحراء، ومن لم يستجب لنداء التاريخ أُطيح به بالدماء والنيران من ماركوس في الفلبين، إلى الشاه في إيران، إلى زين العابدين بن على في تونس، ومبارك في مصر، والقذافي في ليبيا، والحبل على الجرار- كما يقول إخواننا اللبنانيون.

ماذا عن مصر بعد ستين عامًا من قيام أول نظام سلطوي صريح منذ عصر محمد علي، ونعني به نظام 23 يوليو 1952؟

ربما كان مقبولًا، أن يخضع المجتمع المصري في منتصف القرن العشرين لنظام سلطوي؛ فلم تكن المؤسسات القائمة، والقوانين السارية تكفل تحقيق المطالب الأساسية للمجتمع المصري بالأساليب غير السلطوية؛ فلقد قاوم الملك والبرلمان مطلب تحديد الملكية الزراعية رغم مشاركة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، في محاولات إقناع الملك فاروق بها، بعد أن ظل يرفضها ومعه كبار الملاك عندما كانت مطلبًا محليًا لمفكرين وسياسيين مصريين.

وعجز النظام بسبب استهلاك طاقة الأمة، وطاقة ممثلها حزب الوفد، في الصراع السياسي الداخلي، عن إنجاز مطلب الاستقلال الوطني، وكانت هناك مخاوف لها ما يبررها من سيطرة الجماعات الفاشية كالإخوان المسلمين، ومصر الفتاة، أو الشيوعيين على السلطة بعد أن تحلل النظام أو كاد، ودعك من سخط الجيش بسبب الهزيمة في فلسطين، واستمرار الاحتلال.

الآن، بل ومنذ نهاية حرب أكتوبر واتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية، أدت سلطوية نظام يوليو مهمتها التاريخية، إذا افترضنا أنه لم يكن هناك بديل لهذه السلطوية، وأقول إذا افترضنا؛ لأنه كانت هناك دائمًا فرصة أمام جمال عبدالناصر، ثم أنور السادات، ثم حسني مبارك، لإقامة نظام سياسي مفتوح ولو نسبيًا، إما على غرار النموذج الأتاتوركي الذي يسمح بالتعددية في إطار موجه يتحول تدريجيًا إلى نظام تعددي حقيقي، شرط أن لا تتلاعب السلطة دائمًا بإرادة الناخبين، وتقوض دائمًا المنظمات الوسيطة من نقابات وجمعيات أهلية، وإما على غرار نظام نهرو وحزب “المؤتمر” في الهند، بحيث إنه كان من المؤكد أن الهيمنة كانت ستظل في أيدي قوى نظام يوليو، ولكن دون حاجة إلى افتراس كل معارض موجود، ووأد كل معارضة محتملة، مما يتيح الفرصة لظهور البديل أو البدائل التي تتحقق معها التعددية، ثم التداول السلمي للسلطة.

وبما أن ذلك كله لم يحدث بكل أسف، فالسؤال الآن هو: ما المبررات الموضوعية للعودة إلى النظام السلطوي في مصر؟

المبرر الوحيد الذي يُطرح هو الحفاظ على الدولة، مرة من المؤامرات الخارجية، ومرة من الانهيار الداخلي، ومرة ثالثة من الاندماج في مشروع الخلافة الإسلامية الوهمي.

لكن الحفاظ على الدولة يأتي من الرضا العام عن نظامها السياسي، ولا شيء آخر يضمن الحفاظ على دولة تخاصم السلطة فيها قطاعات كبيرة من شعبها. ليس التيار الإسلامى فقط، ولكن القوى الديموقراطية البازغة، بل وتخاصم روح العصر نفسه، دون قدرة على تحقيق إنجازات كبيرة تنسى المطلب الديموقراطي، وتلبي احتياجات 90 مليون آدمي في الحياة الكريمة، والعمل الشريف، والمشاركة في تقرير المصير الفردي والوطني.

أتذكر أن مهاتير محمد في زيارته لـ “الأهرام”، في أبريل عام 2011، قال لي: إن أول شروط الديموقراطية هو قبول المهزوم في الانتخابات لهزيمته.

وتذكروا معي تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ أيام معلقًا على المبالغات داخل أمريكا وفي دول الخليج في تصوير التهديد الإيرانى لهذه الدول؛ فقد قال ناطقًا باسم التاريخ الذي لا يخطئ: إن خطر عدم وجود منافذ لسخط الشباب في دول الخليج على هذه الدول أكبر بكثير من التهديدات الخارجية، رغم أنها موجودة بالفعل.

الخلاصة.. التاريخ غالب على أمره، ولن يشاد التاريخ أحد إلا غلبه.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد