لماذا لم يحذرونا من أزمة “الشطافات”؟!
 
 

مجموعة لا بأس بها من المصريين من مختلف الأعمار والأوساط الاجتماعية ترغب في الهجرة إلى الخارج، بعضها للبحث عن فرص عمل والبعض للدراسة والبعض لأسباب أخرى. أحيانًا تنزل النصائح الرادعة جمرًا على آذان كل من فكر لوهلة في ترك “أم الدنيا”، ومن سولت نفسه أن يشرب من مياه غير نيلية: “الغربة مرة” و”هناك إنت لوحدك، مالكش ظهر يسندك” و”خلّي بالك، إنت فاكر إن الحياة من غير مشاكل هناك؟ ده كلام أفلام”، بالرغم من كل هذا، يسافرون، وبخاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، تزداد الهجرة الشرعية وغير الشرعية ويتزايد إقبال الشباب على المخاطرة بحياتهم في سبيل مطاردة أحلام مصنوعة في هوليوود.

عادة ما يتأثر الشخص المهاجر بفعل تلك النصائح الرادعة فيتردد، ثم يتذكر وضعه أو فرصته المنتظرة أو ملله ورغبته في المغامرة  فينسى كل التحذيرات الواهية.

يقطع التذكرة، يوضب أغراضه، يودع أهله وأصدقاءه وأمه الباكية، يركب الطائرة أو الباخرة أو السيارة، يسافر وهو حائر بين التأهب والترقب، يصل إلى وجهته ويتأمل حياته وتحديات المستقبل القريب فى أثناء الانتهاء من إجراءات الوصول، ثم يذهب إلى مكان سكنه فيضع حقائبه بعد رحلة تصل أحيانًا إلى خمس عشرة ساعة (من الباب للباب) ووجبتين (منهما واحدة دسمة)، يذكره جسده بحاجته الملحة لدخول دورة المياه، فيهرول إليها سريعًا، يتفقدها لوهلة.. نظيفة وسليمة، فيجلس على المرحاض.. وهو يقضي حاجته يستفيد من السكون ليفكر مرة أخرى في الأيام المقبلة الحاسمة، بداية الدراسة أو العمل أو ربما رحلة البحث عن العمل.. ينتهي من حاجته فتذهب يده اليمنى تلقائيًا إلى مقبض الحنفية أسفل المرحاض، فلا يجده!.. يتحسس مرة أخرى عن يمينه ويساره، ربما يجد بوقًا أو خرطومًا ضالًا (علمًا بأن القيام للبحث المرئي صعب)، فلا يجد شيئًا.. يتلفت حوله وصبره بادئ في النفاد، فلا يجد إلا بَكرة مناديل يتيمة.. يفكر في احتمالية سيئة، شنيعة، غير آدمية.. يصيح بصوت عالٍ مخاطبًا العالم: الشطافة فين يا إخوانا؟!

“أزمة الشطافات”.. حقيقة مُرة يعلمها الكثير من المهاجرين في الغرب ويتحدث عنها القليل، كثيرًا ما يصطدم بها المهاجر، ورغم ذلك لا يفكر أحد “المحذرين من الهجرة” في إضافة هذا التنبيه المهم إلى قائمة التحذيرات. رغم أنه يشكل فارقًا جوهريًا وأساسيًا بيننا نحن العرب وبين الغرب.

“أنا صعقت.. مسكت نفسي ولم أدخل الحمام لمدة يومين، إلى أن سلمت أمري لله واستعملت حماماتهم، أشعر دائمًا أني غير نظيف حتى أستحم”.. هكذا قال لي أحمد، قهوجي من الغربية أتى حديثًا إلى لندن للعمل في مقهى عربي، الكثير أمثال أحمد يعصرون على أنفسهم  هذه الليمونة في سبيل فرصة عمل تتيح لهم القدرة على إرسال ألفي جنيه مصري كل شهر لمساعدة أهاليهم في دفع مصاريفهم، “الواحد أول ما يرجع مصر بيجري على الحمام دوغري، ويشعر أنه أخيرًا في بيته، برجع آكل الأكل الدسم- الممبار مثلًا- وأنا مطمئن”- يقول أحمد.

“الشطّاف” عامل حيوي لتنظيف الجسم بإمعان بعد أن يتخلص الجسد من فضلاته، سواء بعد الأكل الدسم أو غيره. أهميته، لما يؤديه من غرض باستخدام المياه، دفعت إلى وجود تعددية فى أشكاله وأنواعه؛ فهناك شطاف رشاش وهناك الخرطوم والشطاف الصنبور، وهو مثبت، كلٌ يستخدم حسب راحة الشخص وحاجته، فمن يريد اختيارًا بين البارد والدافئ مثلًا سيذهب إلى شراء البيديه الفرنسي (الذي أوشك على الانقراض نظرا لغلائه وعدم عمليته). ذكر هذه الأنواع كلها ما هو إلا لتأكيد أهمية الشطاف سهل الاستخدام والذي بات مسلمًا به وطبييعيًا بالنسبة لنا، أليس كذلك؟

في المهجر- في الغرب تحديدًا- الأمر ليس كذلك، ولكن يجب التنويه عن أن هناك دول غير عربية اعتادت الشطافات مثل: تركيا، واليابان التي ابتكر نبغاؤها شطافات تعمل بالتحكم الإلكتروني ومتنوعة البخاخات وبها قدرة على التحكم في درجة حرارة المياه وزاوية خروجها، كل في آن واحد! يبدو أننا في مصر ضمن المدللين في هذا الموضوع؛ فمع كل التقدم التكنولوجي والديموقراطي والحقوقي المزعوم وجوده في الغرب، فحق التطهير الكامل والشامل بعد قضاء الحاجة مهضوم.

لماذا إذن هذه المفارقة، علمًا بأن معظم الدراسات تدل على عدم وجود سبب منطقي لرفضه؟

البعض في الغرب يعتبر أن الشطاف غير صحي، ويرفضون بكل بساطة فكرة تدفق المياه “هناك” خوفًا من احتمالية حملها الأمراض إلى الجسد. هذا الانطباع غير علمي وإنما ناتج عن عرف مجتمعي عام، وفقًا لألكسندر كيرا مؤلف كتاب “المرحاض”، وهو كتاب عن تاريخ عادات الغرب المتعلقة بالمرحاض. وفيه ينتقد كيرا هذا العرف المنتشر.. يقول إنه بالشطاف يستطيع الإنسان التأكد من التخلص من بقايا الفضلات في المنطقة السفلى بعد المسح. ويشير في الكتاب أيضًا إلى دراسة  تثبت وجود “مادة برازية” في سراويل، والملابس التحتية لـ 44% من الرجال في بريطانيا من رافضي الشطاف، كما أشار كيرا أيضًا إلى اتفاق الأطباء في الغرب على أهمية استخدام الشطاف للمصابين بالتهاب في الأمعاء والبواسير، نظرًا لما يسببه المسح “على الناشف” من ضيق.

وتقول مدونة “ليلا”– المعروفة بتناولها أمور الصحة المنزلية الأمريكية- إن كثيرًا من الناس في أمريكا يعتقدون أن الشطاف يهدر المياه، ولكنها تشير إلى استنتاج بحثي في مجلة “ساينتفك أمريكان” العلمية، يفيد بأن العكس صحيح؛ فالشطاف يحافظ على المياه والأشجار معًا! فاستخدامه يقلل كمية المياه المهدرة لكونه سيوفر المياه المستخدمة فى عملية تصنيع الكميات المهولة من المناديل المستهلكة في الحمام، والتي عادة ما تلقى مصيرها في المرحاض مما يؤدي إلى مشكلات في السباكة تهدر مزيدًا من المياه. كذلك قام برنامج صباح الخير أمريكا“، في سياق تقرير تليفزيوني، بتحليل عينات مأخوذة من عدد كبير من المقاعد الموجودة في أماكن عامة مختلفة في العديد من المدن والقرى الأمريكية، واكتشف علماء بجامعة نيويورك وجود بقايا براز على أكثر من نصف المقاعد. 

الكثير من الحقائق إذًا تشير إلى أهمية الشطاف من الناحية الصحية والبيئية.. فمتى تنتهي أزمة الشطافات؟

هناك مؤشرات إيجابية- على الأقل للعرب- في هذا المجال، تتمثل فى حلول حديثة نسبيًا ولكن بعضها لا يزال معقدًا أو مؤقتًا. فالآن يستطيع المهاجر العربي شراء شطاف يتم تركيبه في حنفية الحمام، وفي معظم المدن الكبرى أصبح كثير من السباكين متخصصين في تركيب “شطافات العرب” أو “بخاخ الاستنجاء الإسلامي”- كما يسميه البعض- ولكنها عملية مكلفة.

مُنجد، سباك باكستاني في لندن، يقول إن هذه الخدمة أصبحت مطلوبة إلى حد كبير، “دائمًا ما يطلب مني العرب تركيب شطافات في حماماتهم. أكسب الكثير من رزقي بهذه الطريقة”. مُنجد أشار أيضًا إلى أهمية الشطاف في باكستان والهند إلا أنه استدرك قائلًا: “ولكنهم هناك يكتفون باستخدام الأباريق، يبدو أن العرب لا يرتاحون إلا بوجود ضغط المياه الذي ينظف جيدًا قبل المسح”.

للتغلب على المشكلة فى الأماكن العامة بدأ البعض يلجأ إلى زجاجة مياه بلاستيكية يخصصونها للاستخدام كشطاف في الحمامات العامة وعادة ما تكون هذه الزجاجة من النوع الحديث، أي بغطاء أصغر يتطلب الضغط على الزجاجة حتى تندفع المياه، الأمر الذي يتيح التحكم في كم المياه الخارج واتجاهه، ويبدو أن بعض أصحاب المحال المصرية بدأوا هذا العام في تسويق مثل هذه الزجاجات المخصصة للاستنجاء، والتي تسمى “شطاف المسافر”، والتي بدأت كمحاولات فردية، تطورت حاليًا لتصبح سلعة مستقلة يتم تصنيعها وتسويقها بالاستعانة بعبارات من نوعية “تمتع بالطهارة خلال السفر”.

الخطوة المقبلة الطبيعية المتوقعة، هي أن يقوم مستثمر مغامر باستيراد كم كبير من المراحيض المجهزة بالشطاف الداخلي، وتركيبها في الدول الغربية كوسيلة لخدمة المسافرين/ المهاجرين العرب، وإذا حدث ذلك، سيكون مؤشرًا سلبيًا وإيجابيًا في آن واحد. من الناحية الإيجابية، سيتمتع العربي بالراحة التامة في حمامه، وسنستطيع التباهي بأنه في العصر الحديث استطعنا أن نصدر ملمحًا حضاريًا عربيًا إلى الغرب، ومن الناحية السلبية لن يضطر أحمد “القهوجي” للسفر إلى مصر ليشعر أنه في بيته وسيستطيع أكل “الممبار” بلا حرج، وبذلك ستقل أسباب رجوعه إلى بلده.

اعلان
 
 
محمد المشد