مشكلات قانون الخدمة المدنية – الجزء الثاني

التمييز بين الموظفين على أساس الديانة.. التخوف من القادم ومن أثر القانون على حقوق عمال القطاع الخاص

عرضنا في الجزء الأول من مقال “مشكلات  قانون الخدمة المدنية” كيف أن القانون قد صدر دون التشاور لا مع الموظفين الذين سيطبق عليهم القانون، ولا حتى متلقي الخدمات من المواطنين الذين تدعي الحكومة بأنها قد غيرت القانون من أجل تقديم خدمة أفضل لهم.. متلقي الخدمات الذين لم يضع القانون حقهم في تقييم أداء الموظفين الذين يقدمون الخدمة لهم، وأن يكون ذلك جزءًا من التقييم الذي يتم للموظف مرتين سنويًا.

كما عرضنا كيف أن القانون يهدف بشكل أساسي إلى التخلص من موظفي الحكومة بشتى الطرق، كما أنه اعتدى بشكل واضح على حق وحرية التنظيم للموظفين، وحقهم في التمثيل في اللجان التي تمس مصالحهم بشكل مباشر.

الأخطر كان الاستثناءات الكثيرة التي تسمح للوزراء ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية بالتدخل للحفاظ على مصالح شركائهم في الحكم والقريبين منهم، مما يجعل الكلام عن كون القانون من الممكن أن يؤدي إلى جهاز إداري كفء كلام عارٍ تمامًا من الصحة.

في هذا المقال سوف نستكمل قراءتنا التحليلية للقانون، سواء من حيث الاعتداء على حقوق الموظفين المرضى، أو وضع أسس للتفرقة بين الموظفين على أساس الدين. كما سنطرح التخوف من القادم في القرارات التنفيذية التي لم تصدر بعد، والفتات المنقوصة من المزايا التي يمنحها القانون لبعض الفئات.

أولًا: الاعتداء علي حق الموظف المريض في الأجر

حافظ القانون على اعتداء على حق الموظف المريض موجود في القانون السابق، من خلال نص م48 “يستحق الموظف إجازة مرضية عن كل ثلاث سنوات تُقضى في الخدمة وتُمنح بقرار من المجلس الطبي المختص في الحدود الآتية:

1. الثلاثة أشهر الأولى بأجر كامل.

2. الثلاثة أشهر التالية بأجر يعادل 75 % من الأجر الوظيفي.

3. الستة أشهر التالية بأجر يعادل 50% من أجره الوظيفي, 75% من الأجر الوظيفي لمن يجاوز سن الخمسين.

ويحق للموظف طلب مد الإجازة المرضية دون أجر للمدة التي يُحددها المجلس الطبي المختص إذا قرر احتمال شفائه. ويحق للموظف أن يطلب تحويل الإجازة المرضية إلى إجازة اعتيادية”.

السؤال هو: إذا كان المجلس الطبي يرى بأن الموظف المريض ما زال في حاجة لإجازة، لماذا لا تكون الإجازة المرضية للعامل (طالما أنه غير متمارض) بأجر كامل، خصوصًا أنه في هذه الحالة يحتاج لزيادة راتبه، لا انتقاصه أو منعه.

 

ثانيًا: التخوفات من التفسيرات اللاحقة

1. الإحالة لقرارات تنفيذية لاحقة

القانون مكون من 72 مادة، به إحالات في 35 مادة للوائح وقرارات تصدر فيما بعد إصدار القانون، منها الإحالة  للائحة التنفيذية التي يصدرها رئيس مجلس الوزراء خلال ثلاثة أشهر من صدور القانون، في 24 مادة. هذا بالإضافة إلى عدد من القرارات الأخرى مثل القرار الوارد ذكره في م14 الذي يحدد الوظائف التي تحجز لمصابي العمليات الحربية والمحاربين القدامى، ومصابي العمليات الأمنية وذوي الإعاقة والأقزام.

كما أن هناك أربع مواد يحدد فيها رئيس الجمهورية العديد من الاستثناءات المهمة، ضمنها استثناءات لجهات ووظائف ذات طبيعة خاصة لا ينطبق عليها شروط التعيين في الوظائف الإدارية العليا والتنفيذية، وبالتالي لا يطبق عليها ما قيل بشأن الحد الأقصى للأجور م21. كما أحال للسلطة المختصة والوزير المختص تخصصات في ست مواد ضمنها نظام الحوافز والبدلات للموظفين، ووضع مدونات السلوك والأخلاقيات التي يلتزم بها الموظفون.

فيما يلي بعض مما أُرجئ للائحة التنفيذية: كيفية اختيار لجنة الموارد البشرية م4- تحديد قواعد وضوابط اختيار وتقويم أداء الوكيل الدائم للوزير م10- تحديد وإجراءات عدم الصلاحية للموظف الجديد خلال الستة أشهر التي يوضع فيها تحت الاختبارم17- تحديد ضوابط التعاقد مع ذوي الخبرات في التخصصات النادرة التي أجازت م 18 التعاقد معهم بموافقة رئيس مجلس الوزراء- تحديد إجراءات وقواعد شغل وظائف الإدارة العليا والإدارة التنفيذية م 19- تحديد ضوابط وإجراءات التقويم للموظفين- تحديد ضوابط ومعايير الترقية م 29- تحديد ضوابط وإجراءات الإجازات م 43- تحديد القواعد والإجراءات التي من خلالها يختص مجلس الدولة، دون غيره، بإبداء الرأي مسببًا في المسائل المتعلقة بتطبيق أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية، بناءً على طلب السلطة المختصة م 6- تحديد إجراءات وقواعد إنهاء الخدمة للأسباب التي عددها المشرع في م 66.

مما يعني أننا سننتظر صدور اللائحة التنفيذية، وقرارات رئيس الجمهورية، وقرارات رئيس مجلس الوزراء، والوزير المختص والسلطة المختصة في 35 قرارًا أو إجراءً في القانون، لنرى كيف ستفسر هذه الأمور المهمة بالنسبة للموظفين بادية من إجراءات التعيين والصلاحية والترقيات والتقويم والإجازات حتى إنهاء الخدمة. ومما يجعلنا نتخوف من إحالة كل تلك التخصصات لقرارات لاحقة هو أننا اعتدنا على أن السلطة التشريعية الأدنى تأتي للقضاء على الحقوق التي أقرت من قبل السلطة الأعلى منها، على سبيل المثال، يعطي الدستور الحق في الإضراب والتظاهر السلمي ويترك للقانون تنظيمه؛ فيأتي القانون ليضع عليه قيودًا تجعله في حكم المستحيل، بل ويُجرم أصحاب هذا الحق عندما يستخدمونه، مثلما حدث في قانون تنظيم التظاهر، وحق الإضراب في قانون العمل.

2. غموض الأمر بالنسبة للأجور

ذكر في م 2 من الباب الأول “الأحكام العامة ” تعريف للأجر الوظيفي، والأجر المكمل، وإجمالي الأجر، وجاء في نهاية القانون جداول للأجور الوظيفية فقط، ولم يقل أي شيء عن الأجور الأخرى، كيف ستحسب الأجور المكملة وما قيمتها حتى نستطيع معرفة إذا كانت الأجور سوف تتحسن أم لا؟ وبأي قدر؟

ج- غموض الأمر بالنسبة لحقوق الموظفين الموجودين حاليًا

فلم يُذكر شيء يوضح كيفية الانتقال من الوضع الحالي إلى جدول الدرجات الوظيفية بالنسبة للموظفين الموجودين في الخدمة حاليًا.

كذلك لم يوضح وضع من لا يحصلون على الترقيات للوظائف العليا الإدارية أو التنفيذية، سواء لم يتقدموا لها، أو تقدموا لها ورسبوا؟

بشأن الإجازات الاعتيادية للموظفين فقد ألغى القانون تقريبًا فكرة رصيد الإجازات المعمول بها حاليًا وكذلك  بدل رصيد الإجازات للموظف بحد أقصى أجر أربعة أشهر طوال مدة خدمته الوظيفية، وكان يلجأ من لديه رصيد أكبر من ذلك إلى المحكمة لتحدد إن كان يستحق بدلًا؛ لأنه حرم من إجازته لصالح العمل أم لا؟

السؤال هو: ما وضع الموظفين الموجودين في الخدمة حاليًا ولديهم رصيد إجازات؟ كيف سيكون التصرف معهم خصوصًا من سيخرجون إلى المعاش قريباً؟ هل ستتعامل معهم الحكومة بمقتضى القانون الذي تعاقدت معه عليه، وبالتالي تعطيه كل حقوقه التي حصل عليها بالفعل بموجب القانون القديم، أم لا؟

ثالثاً: التفرقة ما بين الموظفين على أساس الدين

م 49 “تكون حالات الترخيص بإجازة خاصة بأجر كامل على الوجه التالي: 1-  يستحق الموظف إجازة لمدة ثلاثين يومًا ولمرة واحدة طوال مدة عمله بالخدمة المدنية لأداء فريضة الحج….”.

وهنا نتساءل: لماذا التمييز ما بين الموظفين على أساس الديانة، لماذا يستحق الموظف المسلم إجازة بأجر لتأدية فريضة الحج، ولا يستحق زملاءه ممن  يدينون بديانة أخرى الحق نفسه؟

ذكر في م44 بشكل واضح أم الموظف يستحق إجازة بأجر كامل عن أيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية التي تحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء، ولكنه ذكر في المادة نفسها أنه تسري بالنسبة للأعياد الدينية لغير المسلمين أحكام قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في هذا الشأن.

مما يعني الإقرار بكون الإجازة عن عطلات أعياد المسلمين هي بأجر كامل، يتبقى فقط أن يحدد رئيس مجلس الوزراء هذه الأيام بقرار منه، ولكن بالنسبة لغير المسلمين فسيكون الأمر متعلقًا بقرار من رئيس مجلس الوزراء، يمكن تغييره في أي وقت وربما دون الرجوع لأحد.

رابعًا:  قانون الخدمة المدنية والفتات من المزايا غير المكتملة لبعض الفئات

ورد في قانون الخدمة المدنية الفتات من المزايا المنقوصة، والتي ربما يحاولون بها التعمية على ما يحمل القانون من مشكلات كبيرة، أو ربما لتحييد البعض سواء ممن ينطبق عليهم القانون، أو من ينتظرون القانون لكي يروا ما عساه يفعل في قضايا مثل المرأة أو ذوي الإعاقة وغيرها، وهي كما يلي:

1.     ذوي الإعاقة: بخصوص الإجازات، ذكر في م 46 أن الإجازة الاعتيادية لذوي الإعاقة 45 يومًا في السنة دون الارتباط بسنوات الخبرة، وللعلم 45 يومًا هي أقصى إجازة للعاملين المدنيين بالدولة يستحقها الموظف بعد أن يتعدى سن الخمسين.

ولكنه في المقابل تجاهلهم تمامًا، اللهم في م 14، والتي تحدث فيها أنه من اختصاص رئيس مجلس الوزراء أن يحدد بقرار منه الوظائف التي تحجز للمصابين في العمليات الحربية والمحاربين القدماء ومصابي العمليات الأمنية (وهذه إضافة جديدة) وذوي الإعاقة والأقزام… وهنا يثار التساؤل: كيف ندخل ذوي الإعاقة الذين يقدر عددهم ما بين 10و15% من الشعب المصري في مادة مع مصابي العمليات الأمنية والحربية والمفروض أنها حالات عارضة، وليس هذا فقط، بل إنه أرجأ تحديد نسبتهم إلى قرار يصدر من رئيس مجلس الوزراء. كما أنه لم يأت ذكر ق 39 لسنة 1975 (المنتقض من قبل فئات ذوي الإعاقة والذين يطالبون بتغييره ولديهم مسودة بديلة جاهزة) لا في النسبة التي حددت في هذا القانون بـ 5% سواء في القطاع الخاص أو الحكومة، أو كيفية التشغيل، أو شروط وظروف العمل ووسائل الإتاحة.

2ـ المرأة: زيدت مدة إجازة الوضع للموظفة العاملة بأجر إلى أربعة أشهر بدلًا من ثلاثة أشهر فقط في القانون القديم.. بخلاف هذا لم يُذكر شيء عن كيفية رعاية المرأة وتشجيعها ومساعدتها علي التميز في عملها عبر توفير وسائل تسهل عليها تحمل مسئولية المنزل والأطفال الثقيلة مثل الحضانات، أو وسائل مواصلات وغيرها من الخدمات.

ج- لمن يدرسون أثناء العمل: في م 49 جعل من حق الموظف المقيد بإحدى الكليات أو المعاهد أو المدارس إجازة بأجر كامل عن أيام الامتحان الفعلية، وذلك بدلًا من أن كانت تحسب إجازة دون راتب في قانون 47 لسنة 1978.

ولكن للأسف الشديد في م 38 ق 18 لسنة 2015، جعل علاوة التميز العلمي نصف العلاوة الدورية السنوية، أي أن الموظف يظل سنوات يدرس ويذاكر ويشتري مراجع ومستلزمات للتجارب على حسابه الخاص، وعندما يحصل على رسالة الماجستير أو الدكتوراه يأخذ ما يقابل نصف العلاوة 2.5% من الأجر الوظيفي. مما يعني أن الحكومة تريد أن يتطور موظفوها ولكنها لا ترغب في دفع ثمن لذلك فليدفعه الموظف من جيبه الخاص، حتى حقه في الترقي نتيجة لذلك لم يأت لها ذكر.    

هذا ولم  نقف كثيرًا عند الأخطاء التي قد تكون أتت في القانون نتيجة العجلة، مثل ورود كلمات ليس لها تعريف في مادة 2 الخاصة بالتعريفات في القانون، مثل ورود كلمة “الأجر الكامل” في أكثر من مادة وجملة “الجهات المعنية”، ولكننا سننتظر ماذا سيفعلون في هذا الشأن عند التطبيق؟

من الواضح تمامًا أن القانون يقضي تقريبًا على فكرة الأمان الوظيفي التي كان يتمتع بها موظفو الحكومة، كما أنه اعتدى بشدة على حق وحرية التنظيم. وقد اعتدى القانون على حق كان مقرًا للموظفين في علاوتين في القانون القديم (واحدة نتيجة لخبرته وترقية في العمل والأخرى تعتبر بمثابة علاوة غلاء معيشة)، وكذلك ما هو موجود في قانون العمل الحالي الخاص بعمال القطاع الخاص، واستبدلهما بعلاوة واحدة. حتى العلاوة الوحيدة هذه قد قام بتحديد نسبتها بأقل مما هو مقر لعمال القطاع الخاص في علاوة واحدة، من العلاوتين.

السؤال: هل من الممكن أن تلزم الحكومة في قانون العمل (المزمع تعديله) المستثمرين بحقوق للعمال لم تلتزم بها هي تجاه موظفيها؟ وهل نعتبر هذا القانون مقدمة للانتقاص من حقوق عمال القطاع الخاص، الذين كانوا يطالبون بالحصول على حقوق محرومين منها، ويحصل عليها زملاؤهم من موظفي الحكومة؟

أعتقد أن إجابة السؤال توضح لنا لماذا العجلة في إصدار قانون الخدمة المدنية.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان