عن وجوه تاجر المخدرات المتنوعة في السينما المصرية
 
 

فى شهر سبتمبر الماضى استضاف برنامج “كلام في سرك”، الذي يعرض على شاشة قناة “الحياة”، تاجر مخدرات في الاستديو، في سابقة من نوعها، وأثناء حديثه عن عمله وعائده الشهرى الذى يصل أحيانًا إلى 10000 جنيه، كان تاجر المخدرات المزعوم متنكرًا عبر ارتداء “باروكة” ونظارة شمسية لافتتان للنظر وللسخرية، وهو ما حدث بالفعل، إذ أصبح هذا اللقاء مصدرًا خصبًا للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعى.

Fake dealer on Kalam fi Serak

سذاجة الحدث تتعارض كليًا مع العمق والتعقيد اللذين صورت بهما السينما المصرية شخصية تاجر المخدرات، والتي لم يحصرها قالب واحد، بل تراوحت من الشيخ الحكيم إلى المرأة الارستقراطية، وتعددت أشكال الشخصيات ومساحات الغرابة في كل منها تبعًا للعصور المختلفة ورؤى المخرجين المتفاوتة.

في عام 1990، وفى فيلم “الإمبراطور” إخراج طارق العريان، جسد أحمد زكى شخصية أحد أنضج- وأشهر- تجار المخدرات الذين مروا في تاريخ السينما، لكن على مر السبعين عامًا الأخيرة، انتجت السينما المصرية شخصيات تجار مخدرات أكثر غرابة وأقل شهرة.

1942: الزوجة المنتقمة  

Shafiqa

شهد فيلم “المتهمة” لهنرى بركات، دور تاجرة مخدرات صغير لكنه مؤثر فى تطور قصة الحب والخيانة والانتقام التى يتمحور حولها الفيلم. بعد حكم السجن المؤبد على المعلم برعى، تقوم زوجته وشريكته، المعلمة شفيقة (فردوس محمد، أحد أشهر من جسدن دور الأم فى السينما) بالانتقام من وكيل النيابة، فتورط زوجته سميحة (آسيا داغر) فى جريمة شرف لتهدم المنزل المثالى السعيد؛ فتسقط الزوجة الارستقراطية ضحية لمخطط المعلمة الماكر.. وتبدأ التراجيديا.

بعد الحرب العالمية الثانية قلت تجارة الهيروين والكوكايين تأثرًا بزيادة تهريب الحشيش والأفيون إلى مصر من دول مجاورة. شفيقة، تاجرة المخدرات المدخنة للشيشة يدفعها كره كبير للقانون والعدالة. بالرغم من أهميتها فى تطور الأحداث إلا أن هذه الشخصية المثيرة تختفى بعد 15 دقيقة من الفيلم. كونها تاجرة مخدرات-  لن يعرف المشاهد مطلقًا فى أي نوع من المخدرات تتاجر المعلمة- هو فقط تحريك الأحداث، عبر وضع الزوج فى السجن وإعطائها سببًا كافيًا للانتقام.

1956: المتدين ذي الوجهين 

Raseef Nimra Khamsa

من إنتاج “أفلام العهد الجديد”، يعكس فيلم نيازى مصطفى “رصيف نمرة خمسة” صورة للعدالة الاجتماعية والسياسية بعد ثورة يوليو، وهي الصورة التى أرادها الرئيس جمال عبدالناصر أن تنعكس فى ذلك الوقت.

يشن الشاويش خميس (فريد شوقى) حملة على أعتى مهربى المخدرات فى الاسكندرية. عصابة يرأسها المعلم بيومى (ذكى رستم)، رجل طيب ومتدين شكلًا، لا تفارق سبحته يده، يقضي أغلب وقته فى المسجد أو فى مساعدة المحتاجين، ومن ضمنهم الشاويش نفسه. لكنه فى نفس الوقت أكبر مهرب فى المدينة، يستخدم الحمام الزاجل فى تهريب الهيروين والكوكايين فى أنابيب صغيرة فى أرجل الحمام، طريقة جهنمية وقليلة المجازفة، ولكونه من أطيب رجال المنطقة، يظل المعلم بيومى هو آخر من يشك فيه البوليس.

فى النهاية يضطر بيومي إلى اللجوء لحيل شيطانية للهرب من قبضة البحرية القوية. “رستم” الذى عُرف بتألقه في أدوار الشر يبالغ فى تمثيل الخير بابتسامة ثابتة ونظرة مريبة. بالرغم من تفوقه فى عمل الشر إلا أنه دائمًا ما يحيي خميس بدعوة: “روح يا شيخ إلهى يعمر بيتك”. بيومى هو ألد الاعداء وأفضل الأصدقاء فى آن واحد.

1957: الفاتنة الأجنبية ذات المايوه

Ibn Hamido

يتطرق فيلم “ابن حميدو” للمخرج فطين عبدالوهاب أيضًا إلى تجارة المخدرات؛ فالصول ابن حميدو (إسماعيل يس) والضابط حسن (أحمد رمزى) يشتركان فى مهمة سرية للإيقاع بعصابة لتهريب المخدرات عبر البحر، ولكن رئيس العصابة هذه المرة امرأة مثيرة من أصول أجنبية اسمها لاتانيا، والتي لعبت دورها الراقصة نيللى مظلوم.

مثل الفيلم السابق، يمجد “ابن حميدو” جهود جهاز البوليس مستغلًا النجاح الذى أحدثته سلسلة أفلام إسماعيل يس التى تحمل اسمه فى عصر قومية ووطنية ناصر. بينما لاتانيا ومساعدتها ماريز باقيتان فى خلفية المشهد بملابس السباحة، وأدوات الغطس ولكنة أجنبية حادة.

ربما كان الاختيار هنا سياسيًا، فمصر المحررة حديثًا من الاحتلال البريطانى كانت تخشى عودة المحتل الأجنبى، خاصة بعد العدوان الثلاثى فى 1956، ما نتج عنه حملة ضد المصريين من أصول أجنبية ومن ضمنهم الجالية اليهودية. قبل ثلاث سنوات فقط من عرض هذا الفيلم، كانت التفجيرات التي شهدتها القاهرة وتسبب فيها عدد من الشباب اليهود التابعين للموساد الإسرائيلى.

و لكن لكى لا يبعد كثيرًا عما يبرع به، اختار عبدالوهاب أن يكون الشرير امرأة جميلة لإضافة لمحة كوميدية لمطاردات الشاطئ.

1976: موظف الحكومة المنافق

The Guilty

بعد حفل صاخب بمنزلها الفاخر فى وسط البلد، يعثر البوليس على الممثلة ونجمة المجتمع سناء (سهير رمزى) مقتولة، فتبدأ التحقيقات مع كل المتواجدين فى الحفل وتنكشف أسرار الجريمة. أحد أهم شخصيات فيلم “المذنبون” لسعيد مرزوق هو فهمى القليوبى (توفيق الدقن)، نوع جديد من المهربين- النوع الرسمى- فهو موظف وزارة التموين الذي يوفر الطعام والمشروبات والمخدرات لحفلات الفنانة الماجنة.

يجسد القليوبى الفساد الحكومى؛ فهو يهرب السلع المدعومة إلى من لا يستحقها ويعمل كمورد حشيش مؤقت لحفلات الأغنياء. بخلاف أغلب تجار المخدرات فى السينما، يجني القليوبى من تجارته الصغيرة القليل، ولكن، رغم ذلك، يظل المكسب عشرة أضعاف راتبه الحكومى الزهيد. القليوبي يغامر بمستقبله ووظيفته نظير ضحكات قليلة وأنفاس مسروقة مع النجمة وأصدقائها الأغنياء، متشبثًا بأصغر الاحتمالات في أنه قد يصبح واحدًا منهم في يوم ما.

الفساد هو سبب وجود شخصية مثل القليوبى، فهو بكل سهولة قد يكون لص، مختلس أو محتال. انفتاح الرئيس أنور السادات فتح المجتمع المصرى للسوق العالمية، وما تبع ذلك من تحول المجتمع إلى مجتمع مستهلك، هذا التغيير تطلب وجود شخصية مثل القليوبى، عنصر مجتمعى يطمح للأكثر بأى ثمن.

1985: التاجر الشيك  

Al-Keif

تلقت السينما المصرية فى منتصف الثمانينيات ضربة قوية من ما سمى حينها أفلام المقاولات، فهذه الأفلام ذات الإنتاج والقيمة المنخفضة كانت تعتمد على الفيديو فى مكاسبها، حيث كان جهاز الفيديو معجزة هذا العصر. فى نفس الحقبة العاصفة، عادت المخدرات بقوة للمجتمع فأمتلأت الجرائد بقصص عن ورد ممزوج بالكوكايين يباع خارج المدارس والنوادى، وشباب من عائلات مقتدرة يتحولون إلى تجار مخدرات لتمويل عادتهم الباهظة الثمن.

هذا التغير الاجتماعى استدعى تجسيد جديد لهذه الشخصية الشريرة؛ فظهر “البهظ” (جميل راتب) فى فيلم “الكيف”، هجين متطور ما بين الشكل المعتاد للشخصية بجلبابه وشراسته، ونموذج القرن العشرين الرأسمالى.

بجلبابه وشاربه الفضى، يمتلك البهظ دهاء تاجر مخضرم وبلاغه البائع المقنع. يعثر على خلطة حشيش مغشوشة فيستفيد من رخص ثمنها ليخلطها بـ”انفيتامينات” ويبيعها بأضعاف سعرها الأصلى. تعكس الخلطة المغشوشة ارتفاعًا فى تعاطى المخدرات خلال هذا العقد المضطرب.

قام راتب والمخرج على عبدالخالق برسم شخصية قاسية لكنها جذابة، فهو غريب الأطوار لكنه مضحك ومقنع، ولكنته تعطى الشخصية لمسة غريبة.

1993: خاطفة الاطفال ذات الباروكة الرمادية 

Raeefa

فيلم “مرسيدس” للمخرج يسرى نصر الله هو عبارة عن باقة من الشخصيات المريبة والغربية الأطوار، ورئيفة، تاجرة المخدرات والأعضاء البشرية مع شريكتها الأرستقراطية المحجبة، ليستا استثناء. فالسيدتان الأرستقراطيتان تتجولان فى المدينة بسيارتهما الفارهة التي يخطفان فيها أطفال الشوارع لاستخدامهم كقطع غيار، قبل أن يعودوا إلى فيلّتهم الفارهة التى يحرسها عدد من البط.

ما هو مرعب فى السيدتين هو كونهما عاديتين للغاية؛ فرئيفة وصديقتها سيدتين فى دهاء وقدرة الشيطان نفسه. يجرد نصر الله شخصيته من كل كليشيهات السينما المصرية المرتبطة بهذه الشخصية الشريرة، رئيفة امرأة عادية جدًا: عمة، سيدة مجتمع، غنية ومعروفة، تتزوج وترفه عن نفسها فى النادى مع صديقاتها مثل أغلب من هن في عمرها. حياة رئيفة الطبيعية هى سبب لشر الشخصية المفرط.

دافع رئيفة الأساسى هو عطش غريزى للشر وليس المال؛ فعائلتها ومركزها الاجتماعى يوفران لها المال والمكانة، ولكنها تختار بإرادتها أن تبيع أعضاء أطفال صغار من أجل المال. وتتفوق على تجار آخرين فى السينما المصرية بباروكتها الرمادية وقدرتها الغريزية على الشر. ولكن نهايتها تأتى على يد أحد القريبات التى تهديها طبق كحك مغموس فى الكوكايين بدلًا من السكر. يتم العثور على جثتي السيدتين بلا باروكة ولا حجاب.. وعليهما سكر بودرة.

تاجرة نصر الله تمثل الرأسمالية المتصاعدة فى الثمانينيات والتسعينيات، وظهور نوع جديد من رجال الأعمال جشع وغير أخلاقى، واختفاء الطبقة المتوسطة، بعد أن أصبح المجتمع يتكون من أغنياء جدًا أو فقراء جدًا. رئيفة تمثل سقوط الاشتراكية.

1999: الحكيم

Hodhod, Land of Fear

“قتل النفس أصعب شيء، ولكن في أوقات لازم نقتل”، يقولها المعلم هدهد فى محاولة لفلسفة الخطيئة العظمى: “ربنا خلق عبيده كل واحد لهدف”.

فى رائعة داوود عبدالسيد “أرض الخوف”، هدهد (حمدي غيث) يمثل الطير الذى كلم النبى سليمان، يبث الحكمة فى كلامه ليحيى (أحمد زكى) بطل هذه الملحمة.

بيده القاتلة، صانعة المعجزات، يخلق هدهد فلسفته الدينية الخاصة به مما يضع حوله هالة من الحكمة والوقار.

“ربنا خلقنا تجار علشان نبسط الناس.. وجعلنا أغنيا.. بس المال ده كله مال ربنا مش مالنا”.

يعرف أنه سيلقى عقاب الخاطئ، ولكن لا يمل من التقرب إلى الله فى كل أعماله. هدهد هو مرسال الرب للمزاج والسعادة، يبيع الحشيش لمن يشتهيه ولكن يرفض الإتجار فى الكوكايين لأنه حرام. يعيش فى سلام تام مع نفسه، بكل الخير والشر فيها. فوهج الرضا على وجهه ونظرة الثقة والتعاسة فى عينيه يجعلانه عظيم بطريقة ما.

أكثر من أسلافه، يملك هدهد الخير الخام ممزوجًا بالشر، وهو ما يعكس سؤال عبدالسيد المتكرر فى أفلامه: ما هو الخير وما هو الشر؟

2012: كليشيه تاجر المخدرات البدوى 

The Goods

اشترك اثنان من نجوم السينما المصرية الحاليان فى بطولة فيلم المخرجة ساندرا نشأت “المصلحة”، أحمد عز جسد دور سليم، تاجر المخدرات البدوى ذو الطابع القاسى الذى يحاول الهروب من مطاردة انتقامية من رجل الشرطة الصالح حمزة، الذى لعب دوره أحمد السقا.

سليم يمثل نمط جديد من تجار المخدرات، فالشخصية أحادية الأبعاد، نابعة من الصورة النمطية الساذجة أن كل بدوى فى سيناء تاجر مخدرات شرس وعديم الرحمة. فمثل أفلام العصابات فى فترة ناصر، يمجد “المصلحة” شخص ضابط البوليس والمؤسسة بشكل عام. فحمزة، مثل أخيه الشهيد، له صفات القديسين؛ ضابط مجتهد ورحيم، يقدس عمله ويضعه قبل كل شيء.

الشرطة كمؤسسة، كسرت شوكتها فى 2011 ولزم عودتها تدريجيًا إلى الشعب. من الممكن أن يكون فيلم “المصلحة” مجرد آداة لتسهيل إعادة دخول الشرطة إلى النسيج المجتمعى، بعد أن أصبحت هيئة غير مرغوب فيها. الفيلم أيضًا يثبت وجهة نظر الأمن أن سيناء منطقة انفلات أمنى تحتاج إلى ضبط قوى بدلًا من أعمال تنمية لخدمة أهل المنطقة.

عُرض الفيلم بعد سنة من قيام الثورة، بالرغم من أنه تم تصويره قبلها بعام، ربح الفيلم 20 مليون جنيهًا، وهو ما يعتبر معجزة فى حد ذاتها.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي