ويسألونك عن الجامعة الأمريكية

يوم الأربعاء الماضي نظم اتحاد طلاب الجامعة الأمريكية استفتاءً على سحب الثقة وعزل إدارة الجامعة المعين من قبل مجلس الأمناء. هذا الاستفتاء الأول من نوعه في الجامعة الأمريكية والجامعات المصرية بوجه عام، لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتيجة حركة طلابية ناضلت ضد سياسات الجامعة النيوليبرالية واشتركت مع حركات طلابية من جامعات أخرى خلال الخمس سنوات الماضية ضد تجارية التعليم، ذلك السرطان الذي ينهش في جسد التعليم المصري المتهالك. الاستفتاء نظمه اتحاد الطلاب وشارك فيه جميع أفراد المجتمع الأكاديمي من عمال وأساتذة وموظفين وأفراد أمن في مشهد لن ينساه كل من شارك فيه بسبب روح التضامن والمشاركة بين فئات الجامعة المختلفة التي نادرًا ما تتبلور بين أبناء شعب تربوا على الفردية منذ الصغر. فكل منا يحاول تغيير حياته بمفرده، نعيش في خلايا منعزلة بعد أن تربينا على أن الأنانية هي طريق النجاح، واللا مبالة هي طريق السلامة. تعلمنا أن مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان” طوق نجاة، ناسين أنه لا جدوى من النجاة في وسط مجتمع غارق، وأن التغيير المنتظر لن يأتي أبدًا إلا إذا انتزعناه كمجتمع وليس كأفراد؛ فالفرد كالقش، يقسم منفردًا. ولذلك فمشهد وقوف العامل والموظف والأستاذ والطالب في طابور واحد يعكس حالة حوار وتكاتف مجتمعي كان يجب أن يسعي إلى خلقه الشباب بعد الثورة في كل مبنى وكل مصنع وكل شارع وكل حي من أجل المضي قدمًا نحو التغيير المنتظر؛ فالتغلب على أية سلطة مركزية شديدة البأس لا يتم إلا عن طريق خلق كيانات لا مركزية صغيرة ومتشعبة؛ فتكون حول السلطة مثل النحل الضئيل المزعج المتهافت حول الفيل الضخم. صحيح أن الفيل قادر على سحق النحلة، ولكن ألف نحلة منظمة بلا شك، قادرة على هزيمة الفيل.

الدعوة للاستفتاء تمت بعد عثور الاتحاد على مستندات الجامعة المالية التي تقدم لهيئة الضرائب في أمريكا التي تثبت عدم صحة وجود عجز في الميزانية طوال السنوات الماضية.. على عكس ما كانت تدعي الإدارة. هذا الاستفتاء يمثل قمة جبل الجفاء وانعدام الثقة الذي تكون بين الطلبة والعمال من جهة، والإدارة من جهة أخرى عبر الخمس سنوات الماضية، التي شهدت موجة حراك طلابي تعد من أقوى موجات الحراك الطلابي في مصر منذ جيل “أحمد عبدالله رزة” في السبعينيات. الجامعة الأمريكية غير هادفة للربح ولذلك فإنها معفاة من الضرائب ولكنها مع ذلك ملزمة بتقديم نموذج ضريبي يحتوي على كل بياناتها المالية سنويًا، وتتاح تلك النماذج على الإنترنت للاطلاع عليها لمن يرغب. كشفت تلك المستندات زيف ادعاء وجود عجز في الميزانية في السنة المالية لعام ٢٠١٢/٢٠١٣؛ حيث يثبت النموذج الضريبي وجود فائض أكثر من 14 مليون دولار، أي حوالي 100 مليون جنيه مصري، فيصبح السؤال الآن للإدارة، عن أي عجز تتحدثون؟! على الرغم من ذلك، هناك الكثير من أفراد الجامعة المشككين في جدوى الاستفتاء وصحة المستندات التي عثر عليها. بالطبع هناك من يشكك بسبب عدم درايته بحيثيات ما حدث من قبل وعدم إلمامه بتفاصيل صراع الطلبة والعمال مع الإدارة على مدار السنوات الماضية، وهناك من يعارض الحركة الحالية؛ لأن استقرار الأوضاع الحالية حتى وإن كانت مزرية، دائمًا أريح وأسلم. وهناك من يعارض لأنه يتبنى مبدأ “بين البايع والشاري يفتح الله”،”مش عاجباك الجامعة سيبها” وما أشبه ذلك بقول: “مش عاجباك البلد سيبها”؛ ففي كلتا الحالتين يتحول طالب التغيير إلى طالب لجوء، وما أكثر هؤلاء في وطن أضحت غالبيته تعيش فيه كالغرباء. هذا بالإضافة بالطبع إلى من يعارضون؛ لأن المعلومات المالية معقدة وبحاجة إلى فهم أعمق، وهؤلاء يمكن أن تطمئن قلوبهم إذا قام أساتذة مالية بتأكيد صحة مزاعم الاتحاد على الملأ. أما من يعارضون لأنهم يختلفون مع الاتحاد في طريقة عرضه وأسلوبه ودرجة تحضيره؛ فهؤلاء لهم كل الاحترام والتقدير ويجب على الاتحاد أن يستمع إليهم بصدر رحب حتى يتمكن من تحسين الخطاب والوصول إلى أكبر عدد من الطلاب لضمان تحقيق المطالب المتلخصة في تفعيل مبادئ الشفافية و المساءلة، وتفعيل اتفاقية ٢٠١٢ التي وقعتها الإدارة مع الاتحاد بعد قيام الطلاب بغلق أبواب الجامعة لمدة أسبوعين اعتراضًا على زيادة المصروفات. نصت الاتفاقية على خفض زيادة المصروفات من ٧٪ إلى ٢٪ لمدة 3 سنوات، مع وضع حد للزيادة المستقبلية إلى جانب تشكيل لجنة حوكمة لمراجعة قرارات الإدارة؛ بالإضافة إلى العديد من الإصلاحات التعليمية الأخرى. حتى وإن لم تتحقق تكون الحركة قد ضمنت حرق فزاعة عجز الميزانية إلى الأبد. كل ذلك متوقع في ظل حركة تجادل أن عجز الميزانية لم يكن أكثر من سيف على رقاب العباد، أداة سياسية تمكنهم من تجميد الأجور وبيع الأصول وزيادة المصروفات وتسريح العمال دون رقيب أو حسيب. حركة تضرب “تجارية” التعليم في مقتل بإصرارها أن الطلاب أكثر من مجرد “زكائب” نقود، و أنهم أصحاب فكر وأصحاب رأي، والأهم من ذلك أنهم أصحاب شأن، مستعدين لبذل الغالي والنفيس للمطالبة بحقهم في المساءلة والشفافية؛ لأنهم على يقين أن الجامعة ليست شركة وأن التعليم أنبل من أن يكون مجرد سلعة. وذلك في حد ذاته شعاع أمل وسط ظلام اليأس الحالك الغائم على القلوب؛ فهؤلاء الطلاب العازمون على سحب الثقة من إدارة خانت الثقة قادرون على تحطيم صنم حصانة ولي الأمر من المساءلة، الذي شيدته الدولة القمعية ببطشها على مدار السنين.

أسفر الاستفتاء عن مطالبة ٩٧٪ من إجمالي المصوتين البالغ عددهم ٢٥٠٠ فرد بسحب الثقة من الإدارة. رغم أن هذا الاستفتاء غير ملزم من الناحية القانونية؛ فإنه مؤثر للغاية من الناحية المعنوية. بالإضافة إلى أنه يضفي شرعية على الحركة ويجعل من الأصعب على الإدارة محاولة تشويه أعضائها ونعتهم بالإرهابيين الصغار، مثلما كان يحدث من قبل، فهو دليل أمام مجلس الأمناء وشهادة على سخط المجتمع الجامعي على طريقة إدارته. بالطبع ٢٥٠٠ صوت ليسوا بالأغلبية المطلقة، ولكن بلا شك؛ فإن ٩٧٪ هم أغلبية كاسحة من عدد المشاركين. في ظل نشوة الانتصار المؤقتة يجب على الطلاب ألا تلهيهم “اليوفوريا” الزائفة عن التفكير في وسائل فعالة لمواجهة العقبات المقبلة. العقبة الأولى تكمن في أن الذاكرة الجماعية للطلاب لا تتعدى بضع سنوات قبل أن يتخرجوا ويحل مكانهم مجموعة أخرى من المستجدين، ولذلك من الضروري إخبار بقية زملائهم بأصل الحكاية؛ فيجب دراسة ما حدث لتصور ما سيحدث. العقبة الثانية تتلخص في كيفية جذب أكبر عدد من الطلاب والحفاظ على التجانس الداخلي للحركة لمنعها من الانشقاق. فكل حركة يوجد بها العديد من الأجنحة المتباعدة فكريا التي تصطف بصورة مؤقتة، مما ينتج عن ذلك احتكاكات واختلافات قد تؤدي إلى انهيار الحركة من الداخل وتسهيل مهاجمتها من الخارج. الاختلاف في التوجهات بين الجناح المحافظ والجناح الراديكالي كمثال قد ينتج عنه اختلافات كثيرة ومتكررة حول التكتيكات وطريقة الخطاب الأنسب، مؤديًا إلى التعب والإجهاد، ولكنه في الوقت نفسه من الممكن أن يؤدي إلى إيجاد حلول إبداعية وفعالة نتيجة صهر الاتجاهات الفكرية المختلفة داخل وعاء الصالح العام المشترك. مهما أنهككم الخلاف، فاعلموا أن قوتكم من قوة الصف. من المهم أيضًا التواصل مع أعضاء الحركة بكل صراحة في المفاوضات؛ فالوعد بما لا يمكن تحقيقه لن يؤدي إلا إلى الإحباط الذي قد يمتد لسنوات، ولكم العبرة بما فعلته الثورة بشباب الثورة. وليعلم كل منكم أن الصراع الذي تخوضونه صراع أجيال لن ينتهي ما بقي الزمن، ولذلك فمن السذاجة توقع إنهاء النزال بلكمة واحدة، فالإدارة ليست كيسًا من الرمل. فلتسيروا في ركبكم بقوة ولا ينال من عزيمتكم خناجر هؤلاء الذين يلومون على الضحية رفع صوتها عند الذبح، ولتجعلوا من صوتكم جرس إنذار لكل مسئول غافل في موقعه ليعلم أنه لا يوجد أحد فوق المساءلة.

المجد لمن قالوا “لا” في وجه من قالوا “نعم”.

اعلان
 
 
طاهر المعتز بالله