لماذا يذبحوننا على أنغام صليل الصوارم؟- الحلقة الأخيرة

لم أكن أعرف أن المتحدث هو البروفيسور “جاك جولدستون”- عالم الاجتماع المتخرج في جامعة “هارفارد” وأستاذ دراسات الصراع بجامعة “جورج ميسون”، وصاحب الدراسات الرصينة الواسعة النطاق جغرافيًا ومعرفيًا. طلبت مقابلته لأستزيد وأسأله عن تفسيره لأسباب انضمام الشباب لتنظيم داعش، وكذلك عن تحليله للبشاعة في القتل التي جعلتنا نترحم على أيام “الإرهاب الوسطي المعتدل”!

يقولون إن من علامات التبحّر في العلم أن تقل الكلمات، وتتضح المعاني، ويغيب اليقين والتعميم في حديث العلماء. تذكرت هذا أثناء الاستماع إليه، فلم تكن إجاباته طويلة لكنها كانت واضحة جليّة، ولم يترك فرصة إلا أكّد فيها أن تفسيراته ذات طابع تغليبي وليس تعميميًا، أي أنه دومًا يفتح الباب للاستثناءات والاختلافات الفردية.

يقول “جولدستون”، إن هناك ثلاثة أقسام رئيسية يمكن تصنيف من ينضمون لجماعات الإرهاب والعنف المؤدلج عمومًا إليها؛ وهم: عدد صغير من حملة الفكر والإيديولوجيا، وعدد صغير من “راكبي الموضة”، ثم العدد الأكبر من الشاعرين بالظلم والاضطهاد والراغبين في الانتقام. يتقاطع مع القسم الأول القادة التنظيميون أيضًا، الذين قد تكون دوافعهم أسبابًا فكرية وإيديولوجية صادقة، وقد تكون مكاسب مالية أو زعامة تنظيمية، ويشدد على أهمية الدافع النفسي لدى السواد الأعظم من صفوف الجماعات العنف المسلح، وتفوق هذا الدافع كميًا ونوعيًا على ما عداه من دوافع إيديولوجية، تلك التي تهدف إلى تنفيذ أفكار وغايات كبرى، مثل إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشريعة، وما إلى ذلك من معانٍ يشعر الفرد معها بكونه جزءًا من شيء سامٍ وأكبر منه.

في هذا الإطار، يمكن أن نفهم لماذا رقدت الفتاوى الشاذة في بطون كتب التراث الإسلامي، مثلاً، ولم تُستخرج منها إلا بعد التعبئة والحشد بالصور والتسجيلات المرئية والقصص التي تروي الظلم والقهر والقمع والانتهاك. فمن المفارقات أن يكون الأزهر، بتعليمه النظامي وغير النظامي، هو الحاضن الرئيس للتراث المعرفي الإسلامي في القرون الوسطى، بكل ما يحويه من أمور غير مستساغة في عالمنا المعاصر مما تُبحّ في نقده أصوات المنادين بالتجديد والإصلاح، وعلى الرغم من ذلك؛ فإن تاريخ الأزهر الحديث والمعاصر لم يشهد خروج حركة تكفيرية أو جهادية- بالمعنى الإيديولوجي- من بين علمائه وتلاميذه.

على ضوء خبرتي الشخصية مع جماعة الإخوان المسلمين، فإني أعي جيّدًا ما يمارسه الإسلاميون عمومًا– سواءً أكانوا سياسيين أم جهاديين– من “تأصيل شرعي” لقراراتهم التنظيمية والحركية. ففي حين أنهم يريدون بعملية “التأصيل الشرعي” إثبات عدم مخالفتهم للشريعة التي يزعمون الرغبة في تطبيقها، إلا أنهم يفضحون حقيقة فعلهم بهذه التسمية الفكاهية. ففي الحقيقة، هم يقررون– أقصد القادة– قرارًا ما، أو يضعون خطة أو ينتهجون سياسة ثم يبحثون عن “تأصيلها” شرعيًا كي لا يشك الأعضاء في موافقتهم لمراد الله ورسوله والصحابة والتابعين والسلف الصالح! فأي صاحب تجربة تنظيمية مع الإسلاميين يعرف كيف يتم ليّ النصوص لخدمة مراد القادة، وهو ما يمكن أن نرصده في نشأة تنظيم “قاعدة الجهاد”، المعروف اختصارًا بالقاعدة، وفي عملياته الأولى، التي بدأت بتنظير استراتيجي يرى البدء باستهداف المصالح الأمريكية الدبلوماسية والتجارية في الأماكن التي يسهل الوصول إليها، ثم استدراجهم إلى ميدان يعرفه الجهاديون جيدًا بعملية كبيرة في عقر دارهم.

في زيارتي للسودان، رأيت فيللا “أسامة بن لادن” بشارع الستين في مدينة الخرطوم، تلك التي تخضع لسيطرة السفارة السعودية الآن، وكان “بن لادن” يدير منها التنظيم في السودان وشرق إفريقيا متصلًا باليمن وغيره من بلدان إسلامية وغير إسلامية. وقبل أن يُطرد التنظيم من السودان وتُصادر أمواله، قرر بن لادن تفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، عاصمتي تنزانيا وكينيا في صيف 1998. وحين سقط في هاتين العمليتين 120 مدنيًا أغلبهم من المسلمين في سبيل قتل 12 دبلوماسيًا أمريكيًا، ظهر التبرير الفقهي بفتوى “التترس” المنسوبة لابن تيمية (للمزيد: يمكن الرجوع إلى مقابلة الزميل أمجد أبو العز مع الجاسوس رمزي الذي انشق عن تنظيم القاعدة وعمل لصالح جهاز مخابرات أوروبي لم يحدده في الحوار). ومن يراجع معنى التترس فقهيًا وتاريخيًا يجده أبعد ما يكون عن التلفيق الذي مارسه تنظيم القاعدة في “تأصيله الشرعي” التالي لاتخاذ القرار الميداني، بالضبط كما قرر الإخوان المسلمون بعدها ببضع سنوات ترشيح امرأة في انتخابات مجلس الشعب، ثم بحثوا عن “تأصيل شرعي” بالقرآن والحديث وفتاوى علمائهم ومرجعياتهم.

أما من سوّغ قتل 120 من المدنيين فلم يكن ليعجز عن تسويغ مقتل الدبلوماسيين الأمريكيين خلافًا لما هو مستقر في الشريعة الإسلامية عن تأمين الرسل والمبعوثين وعدم قتلهم ولو في حالة الحرب. وتكرر “التأصيل الشرعي” لجريمة قتل آلاف المدنيين في استهداف برجيْ مركز التجارة العالمي في نيويورك، مستخدمين طائرة ركاب أبرياء في أحداث 11 سبتمبر 2001 التاريخية، التي أرادوا بها استدراج الأمريكان إلى أفغانستان كي يلعبوا سويًا لعبة “المجاهدين والكفار”. (راجع شهادة الجاسوس رمزي).

جالت بذهني هذه الأفكار قبل أن أتقمّص دور محامي الشيطان؛ حيث لا أرى التفسير الثقافي للعنف والإرهاب سوى أفكار شيطانية لا يأتي من ورائها سوى الشر؛ فبدأتُ جداله متسائلًا عن عدم إجابة تفسيره على الاستفهام حول دوافع انضمام الشباب الأوروبي لتنظيم “داعش”، فأي ظلم قد تعرض له الدواعش الألمان والفرنسيون والإنجليز؟!

أقر “جولدستون” بأن السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني مختلف، لكن الخطاب الأممي المنطلق من هوية دينية تجعل الشاب المسلم الأوروبي يشعر بالانتماء والتضامن مع هؤلاء المظلومين والمقهورين بعيدًا عنه، فضلًا عن عوامل الحشد والتعبئة التي يستثمرها خطاب “الفسطاطين”– أي فسطاط (معسكر) الإيمان مقابل فسطاط الكفر– كلما ظهرت ممارسات تمييزية أو عدائية ضد المسلمين في الغرب.

كلام جميل.. لكن التساؤل الرئيسي حول الظاهرة الداعشية لا يبحث في أسباب الانضمام إلى تنظيم يتبنى العنف المؤدلج، وإنما في تفسير البشاعة في القتل بالذبح والإحراق أمام عدسات الكاميرات. لذلك، أعدتُ توجيه سؤالي للبروفيسور “جولدستون” حول هذه النقطة تحديدًا، طارحًا أمامه ما يثار من تفسير ثقافي/ تراثي/ ديني لهذه البشاعة. كان رده مفاجئًا لي، على الرغم من معرفتي المسبقة بأنه سيرفض التفسير الثقافي والتراثي لجرائم داعش؛ فقد تنقّل بأريحية عبر التاريخ والجغرافيا ليشبّه إجرام الدواعش بالعقوبات التي كانت تُنزلها الملكيات الأوروبية في القرون الوسطى بالمعارضين والمتمردين والمخالفين. جادلته بأن وحشية القرون الوسطى في أوروبا كانت دينية بأمر الكنيسة؛ فأوضح أن عقوبة الحرق كانت بأمر الكنيسة، لكن الذبح والشنق العلني والجلد والتعذيب كان بأمر السلطة السياسية مستقلًا في إقراره عن الكنيسة، وإن تواطأت بالسكوت غالبًا أو بالتأييد أحيانًا. لم أفهم وجه الشبه مع الدواعش؛ فأوضح ذلك بأن الهدف من البشاعة ليس الوحشية في حد ذاتها، وإنما نشرها بين الناس وتوسيع قاعدة مشاهديها.

فما الذي يدفع الدواعش لعرض بشاعتهم علينا؟

بحسب “جولدستون”؛ فإنهم يريدون استعراض قوتهم أمام أعدائهم وتحدّيهم بأنهم بلغوا من التمكين درجة ألّا يستطيع إيقافهم أحد. وفي الوقت ذاته، يُغْرون جمهور مؤيديهم بالانضمام إلى الجانب القوي الذي أعجز أعداءه جميعًا عن ردعه. أما وجه التشابه مع بشاعة عقوبات الملكيات الأوروبية البائدة؛ ففي تحليله هم يريدون تعزيز تعاطف مؤيديهم معهم بأنهم جميعًا في خطر داهم يضطرهم لمثل هذه الأفعال الشنيعة لمواجهة تهديد وجودهم!

كان هذا تفسيرًا غريبًا عليّ، فما أعرفه عن تغيير فلسفة العقوبة في أوروبا– وهو ليس بالشيء الكثير– لا يتجاوز ما قرأته عن كتابات “ميشيل فوكو” (فلم أقرأ نصوص “فوكو” نفسها للأسف)، وفهمت منها أن “فوكو” يرى في عقوبة السجن تطويرًا من قبل السلطة التي أثارت عقوباتها الجسدية العلنية التعاطف مع المحكوم عليهم في نفوس جماهير المشاهدين. فهمت أن “فوكو” يحلل تغيير فلسفة العقوبة من الردع إلى العزل، وذلك بعد أن فشل الردع وتحول التعاطف الجماهيري مع المعاقَبين إلى أداة للحشد والتعبئة ضد قمع السلطة وعقوباتها البدنية. إذن، فالبروفيسور “جولدستون” يقول إن فلسفة العقوبة الجسدية البشعة العلنيةلم تكن الردع فقط، بل استجلاب التعاطف والتضامن مع السلطة أيضًا، وإن كان لم يختلف مع “فوكو” حول فشل هذه السياسة العقابية في تحقيق أهدافها.

لم أقتنع تمامًا بتفسير علنية البشاعة بأنها دعوة للتضامن، وتبادر إلى ذهني ما ذكره “عبدالرحمن الجبرتي” ضمن مرجعه التاريخي المهم عن الحملة الفرنسية. من بين وقائع كثيرة ذكرها “الجبرتي”، يتشابه السلوك الداعشي مع ما فعله الفرنسيون بعد قتل الجندي “مصطفى كاشف”؛ حيث قطعوا رأسه “وطافوا بها ينادون عليها بقولهم: هذا جزاء من يدخل مصر بغير إذن الفرنسيس”. إذن فالإرهاب المعنوي بالدموية البشعة من قبل القوة العسكرية المتغلبة أمر شائع في التاريخ الحديث ارتكبه متدينون وعلمانيون من الأمم كافة!

انتهت مقابلتي بـ “جولدستون”، لكن التساؤلات لم تنته؛ فتفسيرات “جولدستون” عامة وجمعية، أي أنها لا تجيب عن السؤال الفردي المتعلق بالتحولات الشخصية في حياة إنسان واحد تجعله يتحول من الوداعة والمسالمة إلى تنفيذ الذبح البشع بيده. تذكرت منشورًا كتبه “هاني عوّاد”- باحث الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة أكسفورد- على موقع “فيسبوك” قال فيه:

عندي إحساس أن صاحب الفكرة (يقصد فكرة إحراق الطيار الأردني أمام الكاميرا) كان مهووسًا في مراهقته بقناة MBC2. فجلسات تدريس وتحفيظ القرآن في المساجد لا يمكن أن تنتج خيالًا مثل هذا، أما مجالس “هوليوود” فإنها تفعل. ولن أندهش إن قام أحدهم في يومٍ ما بتقصي السير الذاتية لأكثر عناصر التنظيم توحشًا فوجدهم كانوا قبل العديد من السنوات مجرد شباب تفوتهم صلاة الجمعة لأنهم كانوا يقضون الليل بأكمله في تحميل الأفلام على الإنترنت.

تذكرت كلمات “عوّاد”، لأنها تنطبق حرفيًا على أشهر شخصيتين لشابّين مصرييْن انضمّا إلى داعش، وهما “إسلام يكن ومحمود الغندور”، بل إن سيرتهما الذاتية تحوي ما هو أبعد من تحميل الأفلام عبر الإنترنت واختفاء مظاهر التدين وممارساته. لكن الحالات الفردية لا تصلح لفهم الظواهر المركبة، وإن كانت تساعد على ذلك وتحسّن من فهمنا لها.

على المستوى النفسي المحض، لا أظن أن مرتكب البشاعة قد خلا من تجربة قمع عنيفة إما بسجنه شخصيًا وتعذيبه، أو بمشاهدته تسجيلات مرئية ومقاطع مصورة لتنكيل شديد بمن يتضامن معهم ويشعر بعمق الانتماء إليهم. أما الاضطراب السلوكي والتهيئة النفسية للبشاعة المصاحبة للتعبئة الإيديولوجية فلم أعرف أن أحدًا تورط فيهما من دون أن يمر بقمع نفسي شديد في سجنٍ أو حربٍ.. لكن بحث هذه الفرضية يطول ويخرج عن نطاق سؤال سلسلة المقالات التي أختتمها بهذه الحلقة، وعسى أن تكون هناك فرصة لاستكمال محاولات الإجابة.

اعلان
 
 
إسماعيل الإسكندراني