مشكلات قانون الخدمة المدنية – الجزء الأول

إهدار الحق في العمل.. والحق في التنظيم ووضع أسس لفساد المنظومة عبر الاستثناءات

صدر”قانون الخدمة المدنية” رقم 18 لسنة 2015، ونشر بالجريدة الرسمية في العدد 11، يوم الخميس الموافق 12-3-2015، وهو البديل لقانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978.

قانون الخدمة المدنية الذي ينطبق على أكثر من 7 ملايين موظف، صدر ضمن حزمة القوانين التي أصدرها الرئيس السيسي على عجل صبيحة المؤتمر الاقتصادي المنعقد بشرم الشيخ في 13-3-2015.

لم نسمع عن أحد عرضت عليه مسودة القانون من النقابات أو الاتحادات التابع لها الموظفون، كما لم تنشر مسودة القانون للمجتمع قبل إصدارها. كل ما سمعناه عن هذا القانون قبل إصداره هو نشر أهم ملامح القانون عبر وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، كما سمعنا اعتراض هيئة النيابة الإدارية على المسودة التي يبدو أنها أرسلت إليهم فاستطاعوا الاطلاع عليها، ورفضوا ما اعتبروه تعديًّا على اختصاصاتهم، وقد استجابت السلطة لمطالبهم في القانون. وقد أصدر نادي “مستشاري هيئة النيابة الإدارية” بيانًا بعد صدور القانون- نشروه على صفحتهم- يذكرون فيه أن الرئيس استجاب لملاحظاتهم حول قانون الخدمة المدنية.

قانون بهذه الأهمية يصدر بهذه السرعة في غيبة المجلس التشريعي، وكذلك دون أي حوار مجتمعي، لا مع من سوف يطبق عليهم هذا القانون، أو مع بقية الشعب المصري.. لماذا؟ ولماذا هذا القانون بالذات وهناك العديد من القوانين التي دار حولها حوار اجتماعي بشكل رسمي وتم التوافق على مسودات لهذه القوانين، مثل قانون ذوي الإعاقة أو الحريات النقابية…، وقوانين اكتفت السلطة باستدعاء التابعين لها لمناقشتها، ولكن دار حولها حوار مجتمعي خارج الغرف المغلقة للحكومة مثل “قانون العمل والجمعيات الأهلية”..

سوف نحاول فيما يلي قراءة أهم ملامح هذا القانون:

أولاً: محاولات الحكومة التخلص من موظفي الحكومة بشتى الطرق:

1. الفصل من العمل: وردت العديد من المواد التي تتحدث عن فصل العمال منها م (1) “ولا يجوز فصل الموظف بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون”- م (27) “يُعرض أمر الموظف الذي يُقدم عنه تقريران سنويان متتاليان بمرتبة ضعيف على لجنة الموارد البشرية،…….. وإذا تبين بعدها أنه غير صالح للعمل، اقترحت اللجنة فصله من الخدمة مع حفظ حقه في المعاش. وفى جميع الأحوال ترفع اللجنة تقريرها للسلطة المختصة للاعتماد“- م (28) “تنتهي لعدم الصلاحية للوظيفة خدمة شاغلي وظائف الإدارة العليا والتنفيذية الذين يُقدم عنهم تقريران متتاليان بمرتبة أقل من فوق المتوسط من اليوم التالي لتاريخ صدور آخر تقرير نهائي مع حفظ حقه في المعاش”- م (59) “يكون الاختصاص بالتصرف في التحقيق على النحو التالي:

… 4- للمحكمة التأديبية المختصة توقيع أي من الجزاءات المنصوص عليها في هذا القانون”. وإذا وضعنا تلك المواد جنبًا إلى جنب مع م (1) من القانون الجديد السابقة الذكر، والتي لم تكن موجودة ضمن قانون 47 لسنة 1978، كما أنه تم حذف مادة من القانون القديم كانت تؤكد أن المحكمة التأديبية هي وحدها من حقها فصل الموظف، وهي م (100) ق47 لسنة 1978 “إذا حكم على العامل بالإحالة إلى المعاش أو الفصل، انتهت خدمته من تاريخ صدور الحكم…”. مما يعني وضع مصير الموظف تحت يدي رؤسائه من الموظفين بعد أن كان محميًا كونه لن يفصل سوى عن طريق المحكمة.

2. التشجيع علي الخروج إلى المعاش المبكر.. وتحميل هيئة التأمينات عبء الفارق

م (67) “للموظف الذي جاوز سن الخمسين أن يطلب إحالته إلى المعاش المبكر ما لم يكن قد اتخذت ضده إجراءات تأديبية، ويتعين على الوحدة الاستجابة لهذا الطلب، وفي هذه الحالة تُسوى حقوقه التأمينية على النحو الآتي:

1. إذا لم يكن قد جاوز سن الخامسة والخمسين، وتجاوزت مدة اشتراكه في نظام التأمين الاجتماعي عشرين عامًا ومضى على شغله الوظيفة أكثر من سنة، فيعتبر مُرقى إلى الوظيفة التالية لوظيفته من اليوم السابق على تاريخ إحالته إلى المعاش، وتُسوى حقوقه التأمينية بعد ترقيته على أساس مدة اشتراكه في نظام التأمين الاجتماعي مضافًا إليها خمس سنوات.

2. إذا كان قد جاوز سن الخامسة والخمسين، وجاوزت مدة اشتراكه في التأمينات الاجتماعية عشرين عامًا فتُسوى حقوقه التأمينية على أساس مدة اشتراكه في التأمينات الاجتماعية مضافًا إليها المدة الباقية لبلوغه السن المقررة لانتهاء الخدمة أو خمس سنوات أيهما أقل”.

هنا تحاول الحكومة التخلص من الموظفين عبر تحفيزهم للخروج إلى المعاش المبكر، مثلما فعلت مع عمال المصانع وقت أرادت خصخصة الشركات والمصانع.

وهنا ينشأ اعتداء آخر على حقوق الموظفين، وهو أن الحكومة تُحمل هيئة التأمينات عبئًا ضخمًا، يمثل فارق ما تقدمه الحكومة من تحفيز للخروج إلى المعاش المبكر، مما يؤثر في معاشات من خرجوا إلى المعاش، خصوصاً مع كون الحكومة قد أخذت مليارات أصحاب المعاشات وتحاول بكل الطرق منذ سنوات أن تسن القوانين التي تجعلها لا ترد لأصحابها.

3. عمل مصفاة للتخلص من كل المغضوب عليهم.. سواء في التعيينات أو الترقيات

م (15) “يشترط فيمن يعين في إحدى الوظائف ما يأتي:2…….. أن يكون محمود السيرة، حسن السمعة….”، ولكن القانون لم يقل لنا من الذي سيحدد إن كانت تتوفر في الموظف المتقدم للعمل هذه الخاصية أم لا؟

م (19) “يكون شغل وظائف الإدارة العليا والإدارة التنفيذية بالتعيين عن طريق مسابقة يعلن عنها على موقع بوابة الحكومة المصرية…….. ويشترط لشغل هذه الوظائف التأكد من توفر صفات النزاهة من الجهات المعنية“، تُرى من هي الجهات المعنية؟

م (28) “تنتهي لعدم الصلاحية للوظيفة خدمة شاغلي وظائف الإدارة العليا والتنفيذية، الذين يُقدم عنهم تقريران متتاليان بمرتبة أقل من فوق المتوسط من اليوم التالي لتاريخ صدور آخر تقرير نهائي مع حفظ حقه في المعاش”.. أعتقد أن هذه المادة سوف تستخدم للتخلص من المغضوب عليهم ممن وصلوا إلى هذه الوظائف في ظل القانون القديم.

م (55) “كل موظف يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يُجازى تأديبياً…” تُرى ما الأفعال التي سوف يعتبرونها مخلة بكرامة الوظيفة؟

ثانيًا: الاعتداء علي الحرية النقابية وحق تمثيل الموظفين في اللجان والمجالس التي تمس مصالحهم مباشرة

لقد صدر القانون من دون العرض على نقابات الموظفين، ولا على الموظفين أنفسهم، وهذا في حد ذاته مخالف للحقوق المقررة للنقابات، من حيث أخذ رأيها في القوانين التي تمس مصالح أعضائها.

هذا بالإضافة للاعتداء على حق التنظيم في العديد من مواد القانون، وفيما يلي سنعرض لأهم هذه المواد:

أقر القانون إنشاء مجلس للخدمة المدنية في م (3) بغرض تقديم المقترحات الخاصة بتطوير الخدمة المدنية وتحسين الخدمات العامة في البلاد، ولم يرد فيه تمثيل لـ 7 ملايين موظف، على الرغم من أنه ضمن اختصاصاته أمور تؤثر في مصالح الموظفين مثل:

– تقديم المقترحات فيما يتعلق بالموازنة المخصصة للخدمة المدنية.

– إبداء الرأي في مشروعات القوانين واللوائح المتعلقة بالخدمة المدنية.

– إبداء الرأي في طريقة ومعايير تقييم الجهات الحكومية وموظفي الخدمة المدنية.

– تقديم مقترحات تحسين أداء الخدمة المدنية.

– إبداء الرأي في البرامج التدريبية المقدمة لموظفي الخدمة المدنية.

– إبداء الرأي في القضايا المتعلقة بالأخلاقيات المهنية لموظفي الخدمة المدنية.

م (4) أقرت تشكيل لجنة أو أكثر من لجان الموارد البشرية، وعلى الرغم من زيادة اختصاصات هذه اللجان عن لجان شئون العاملين في القانون القديم؛ فإنه أصر على أن يكون موجود فقط أحد أعضاء اللجنة النقابية- إن وجدت، وهو هنا يتناسى وضعًا قائمًا، وهو وجود أكثر من نقابة في بعض الوحدات، أحدها تابع للاتحاد الحكومي والأخرى مستقلة. كما أنه يسقط حق الموظفين في التمثيل في هذه اللجنة إذا لم يكن توجد لديهم نقابة. الشيء نفسه في لجنة التظلمات الواردة في م (26).

م (58) بشأن كيفية التصرف في أموال الجزاءات أحالها القانون للسلطة المختصة دون أي دور لممثلي العمال، على الرغم أن هذه الأموال مخصومة من أجور بعضهم، لذا لا بد أن تعود إليهم.

م (6) “يختص مجلس الدولة- دون غيره- بإبداء الرأي مسببًا في المسائل المتعلقة بتطبيق أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية، بناءً على طلب السلطة المختصة, وذلك وفقًا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية” أليس من حق الموظفين وممثليهم سؤال مجلس الدولة؟

ثالثًا: استثناءات لشركائهم في الحكم

1. مستشارو النيابة الإدارية

كما رأينا؛ فقد كان الفصيل الوحيد الذي عرض عليه القانون مستشارو النيابة الإدارية، كما تمت الاستجابة لطلباتهم قبل إصدار القانون.

2. الشرطة بالإضافة للجيش

لقد أدرجوا مصابي العمليات الأمنية ضمن من سيكون لهم حصة  في الوظائف لا نعرف قدرها حتى الآن، جنبًا إلى جنب مع المحاربين القدامى، ومصابي العمليات الحربية (والتي لا نرى معنى لتمييزهم في وقت لم نعد فيه نحارب)، وبالمرة ذوي الإعاقة والأقزام. فكم هو شيء مهين أن نرى من يقتلوننا يوميًا عندما يصابون تحجز لهم ولأبنائهم الوظائف بعدما يأخذون مكافأة ضخمة ومعاشات تتعدى ما نأخذه من رواتب ونحن نعمل.

3. وضع استثناءات تسمح لهم بالحفاظ علي مصالح شركائهم والقريبين منهم

لقد وضع القانون العديد من الاستثناءات سواء من تطبيق القانون أو تطبيق الحد الأقصى للأجور؛ فمن حيث المبدأ لم توضع أجهزة الدولة التي لها موازنات، خاصة ضمن من يطبق عليهم القانون في م (1)، على الرغم من كونها كانت موجودة في م (1) قانون 47 لسنة 1978.

كما أنه أجاز التعاقد مع ذوي الخبرات النادرة في م (18)، وفي المادة (21) من القانون ذكر بشكل صريح أن أحكام المادتين (19، 20)، واللتين تشرحان كيفية شغل الوظائف الإدارية العليا والتنفيذية، وكيفية تقييمهم- لا تسري على الجهات والوظائف الخاصة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية.

كما أن القانون أجاز لرئيس الجمهورية في م (41) تحديد الحالات التي يقدرها الاحتفاظ لمن يعين بوظيفة أخرى بالأجر الوظيفي والمكمل أو بعضه الذي كان يتقاضاه قبل التعيين.

وفي م (66) التي تعدد أسباب إنهاء الخدمة للموظف ذكر بلوغ سن الستين (المعاش)، ولكنه أجاز لرئيس الجمهورية لاعتبارات يقدرها مد الخدمة لشاغلي الوظائف الإدارية العليا لمدة لا تجاوز 3 سنوات.

إذن نحن أمام قانون كل ما كان يشغل بال من وضعوه، هو كيفية التخلص من الموظفين، كما أنه لم يضع في اعتباره أن الحكومة كصاحب عمل لا بد من وجود ممثلين للطرف الثاني في علاقة العمل وهم الموظفون في كل ما يخصهم.

بل والأدهى، أن القانون مليء بالاستثناءات، وهو ما يخالف ما أعلنوه من كون أحد أسباب سعيهم لإصدار قانون جديد، هو انتشار مظاهر الفساد في عدد كبير من الجهات الحكومية وبخاصة في التعيينات.

هنا دعنا نختتم الجزء الأول بالسؤال التالي: تُرى هل هناك أمل بأن يعدل هذا القانون المنظومة الإدارية في الدولة وسط كل هذه الاستثناءات والتعديات على حقوق الموظفين؟ ألست معي في أن من سيتبقى وسط كل هذا الكم من الاستثناءات والفساد، هم المرضي عنهم حتى لو كانوا فاسدين أو معوّقين للتطوير؟

اعلان
 
 
فاطمة رمضان